زمن تخشبت في العقول

 

قبل سنوات شنت اتجاهات متعصبة حملة شعواء ضد مركز عبادي للدراسات والنشر ونادت بأغلاق المركز لنشره رواية “قوارب جبلية ” للمبدع وجدي الأهدل، ومركز عبادي سليل مكتبة عبادي ( عدن ) ، وهي من المكتبات اليمنية العريقة ، تأسست في ثمانيات القرن التاسع عشر ، وأعطت الكثير للثقافة ونشرت النور والأمل والمعرفة .

لم تستجد يوماً أحداً ، ولم تمد يدها إلى الآخرين ، بل عاشت من خير أناملها ، تعمل بصمت وراحة عقل وضمير ،وتعرضت لمحنة قاسية مع صاحب رواية ( قوارب جبلية ) الروائي وجدي الأهل ، فلقد أمرت الهيئات بمصادرة الرواية وإغلاق مركز عبادي للدراسات والنشر وتقديمها للمحاكمة .

إن الدسائس والنمائم والحقد المجاني والحسد المدمر لا تخدم الأوطان ولا تطور الفنون والآداب والعلوم بألوانها الطيفية . فثمة رهط من الناس أسرفوا في التهكم ويعيشون محنة في الفكر والسلوك ويمارسون القهر البدني والفكري والنفسي على المبدعين ، واتخذوا من السادية مسلكاً لنهجهم .

إنهم مصابون بالعقم والعطب الفكري ، ومترعون بثقافة العنف والإبعاد ، ومشغوفون بآلام المبدعين ، ومدربون على النمائم ، ويخافون الرفعة والسمو والطهارة .

يكيدون للمبدعين كيداً ويستعسرون القيام بأعمال الخير ، ويدعون امتلاك الحقيقة ، ويشوهون الوجدان الاجتماعي برغائهم ورطانتهم اللفظية .

ديمقراطيون وملفعون بثياب الشمولية ، ولا يريدون أن تسقط شعرة من الرأس إلا بإذنهم ، يلقون بتهمهم الجوالة على الآخرين دون تردد ،وتنخلع من قلوبهم قيم النبل والكبرياء .

يقول الروائي يوسف القعيد : (( لقد تراجع ما كان يسمى الضمير الثقافي العام . وهو الذي يقي جماعة المثقفين من الزلل والخطأ العام . في السنوات الأخيرة كانت هناك حالة تربص ، الكل يتربص بالكل والجميع يحصي أخطاء الجميع . والمثقفون بشر يصيبون ويخطئون ، ولكن المشكلة هي في التوقف أكثر مما ينبغي أمام الخطأ . وتحويله إلى خطيئة وإغفال الإنجاز )) .

ولا أحسب أني أتجاوز الصواب إن قلت ، أن الحجر على الفكر والتيبس والجمود العقائدي من أشد المصائب التي ابتلينا بها ومن أهم العوامل التي أفضت إلى تقهقرنا ، وكان الجمود بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس وأدت إلى التقوقع والانحسار .

فالإسراف في استخدام القيود الفكرية والتهكم والقسر ، أدى إلى تسييج الإنسان ، وأوقعه في أسوأ أنواع القهر والإذلال والانكسار الروحي ، وإلى تدمير حركة الفكر والاجتهاد ، وأعاد إنتاج الحياة الروحية والثقافية بصورة شوهاء إلى درجة تعطيل العقل وإخماد فعاليته ، وإبطال مفعول الفكر والتفكير ولربما إلى إنتاج السماجة واستشراء البلادة والجمود .

فالتعصب والحقد لا يمكن أن ينتج ثقافة خصبة ، والانفعال عندما يطغى على صوت العقل ، لا يولد إلا جملة من التشنجات غير المتزنة .

إني لا ألوم كثيراً الأميين والجهلة وغير المتمدرسين على حماقاتهم غير الحميدة ، فجهلهم يشفع لهم ، أما من يمارس فعالاً مضرة ومقصودة عن سبق إصرار وترصد ، لا يعبر إلا فيما يعبر عن هشاشة ثقافته وعن الجهل المستوطن في عمق أعماقه . فلم تحدث التغيرات الاجتماعية والقافية ولا الحياة المدنية ولا حركة والمثاقفة وشيوع قيم الحرية والتسامح حراكاً نوعياً ومثمراً في سلوكياتهم .

فهؤلاء : يحملون حملاً كاذباً (1) ، وثقافتهم ليست سوى : عناقد حقد .. وأكياس صديد (2) ، فهم يريدون لعقل المثقف المبدع : أن يبقى كضريح من الحجارة (3) ، إنهم يخافون المكاشفة .. إنهم يخافون النور :

فالنور لا يضر العيون السليمة ، بل يصيب ضعاف البصر والبصيرة بالعمى الكلي (4) .

الهوامش :

1. نزار قباني، الأعمال الشعرية الكاملة ، الجزء الثاني ، ( بيروت : منشورات : نزار قباني ،1978 ) ،ص 299 .
2. المرجع السابق ،ص299.
3. المرجع السابق ، ص305.
4. د. نصر حامد أبو زيد ، التفكير في زمن التفكير ضد الجهل والزيف والخرافة ( القاهرة : سيناء للنشر ، 1995م ) ، ص3 .

2 تعليقات

  1. Avatar وجدي الأهدل

    مقالة رائعة صديقي العزيز د. سمير الشميري، لقد أوجزت في سطور قليلة الكوارث التي يعاني منها المفكر والمبدع والفنان العربي. سلمت يداك أيها العزيز.

  2. Avatar ياسين احمد خلف

    الاستاذ الدكتور سمير الشميري
    يخافون المكاشفة ويخافون النور ،زمن تخشبت فيه العقول
    عنوان جميل جلب انتباهي وما جاء في المقالة يستحق الاطلاع والقراءة الجدية .ويستحق الاحترام .
    ان اصحاب العقول المتخشبة الذين يعيشون محنة في الفكر والسلوك لايجيدون التفكير السوي ، ولايستطيعون .
    ان الذين يدافعون عن التخلف يخافون التطور و ارتقاء سلم التطور .
    ليس سهلا ان تكون انسانا . الانسان هو الكائن الذي ارتقى المجد ،انهم يحملون حملا كاذبا ، كما تفضلت ،
    ما اجمل هذا المطلح ،
    انهم لايستطيعون الانجاب ولايستطيعون الاعتراف بالعقر .
    كل الحب ايها المبدع

اترك رد