وظل السؤال: أين هو المجتمع المدني؟

 
وظل السؤال: أين هو المجتمع المدني؟

ظهرت أواخر الثمانيات مصطلحات قديمة جديدة ما يعرف بالحريات السياسية والإعلامية تزامنا مع استقطاب مفهوم المجتمع المدني الذي لم يكن معروفا من العامة حيث كان مفهومه مقتصرا فقط على النخبة و الدارسين المتتبعين للشأن السياسي العالمي. فالمفهوم خلق جدلا جديدا وهذا لضبابيته وفوضى معانيه التي باتت تشكل آلية للتغيير. إن الجزائر التي عاشت سنينا في ظل النظام الاشتراكي وعرف اقتصادها تدهورا فظيعا واحتدمت الأزمة في مؤسسات النظام وقتها باعتبارها الفاعل الوحيد ــ الحزب الواحد ــ في تسيير أنشطة الحياة داخل الدولة، ولهذا تزامن ظهور المفهوم بما يسمى التحول الديمقراطي وهي عمليات انتقال نظام سياسي قديم إلى آخر جديد و انتهاج الرأسمالية كإيديولوجية للدولة بعد سقوط الاشتراكية في عقر دارها.

إن مفهوم المجتمع المدني لم يكن و ليد تراكم سياسي أو تضحيات دفعت به إلى السطح الاجتماعي بل السلطة السياسية المتحكمة وجهّت الشعب ومنحته ثقافة معيارية تلقينية مدنية، و لذا فكل متحدث بهذا المفهوم يعتبر الدولة شريكة في التعريف، رغم هذا فإن التحول الديمقراطي فرضته الحاجة والظرف الملّح على استخدام هذا المفهوم بعد عقود من الاشتراكية والإتكالية. إن دولا في أوروبا الشرقية عاشت تجارب ديمقراطية فريدة من نوعها على سبيل تجربة تشيكسلوفاكيا و بولونيا وظهور الحركة النقابية “تضامن” التي لم يمر عليها عشر سنوات بعدما بدأت بواحد لتصل إلى عشرة ملايين منخرط في صفوفها؛ هذه التجربة صارت ملهمة لبعض الشعوب المقهورة والنائمة في عسل نظام اقتصادي أعلن إفلاسه. فالدولتان تغير نظام حكمهما بالانتقال السلس والسلمي للسلطة.
ظهر المفهوم بصورة محتشمة في الجزائر ومن دون هدى الشعب بمفاهيمه المعقدة الزئبقية، وتم استعجال استعمالاته لما تقتضيه المرحلة والضرورة فوجد الدعم الكافي من خلال هيئات عالمية حكومية وخاصة كصندوق النقد الدولي.

ظهر مفهوم المجتمع المدني في الجزائر إبان الحقبة التي ظهرت فيها الاحتجاجات وخطاب سياسي موجه لأجل إيجاد الشركاء الاجتماعيين والسياسيين للقضاء على الأحادية السياسية، فبدأت الجمعيات تتكاثر و تدفع بأوراق اعتمادها لأجل الحصول على الإذن بالنشاط وكأن هذه الجمعيات في رهان سباق بعضها طمعا في الولوج إلى أفئدة الناس أو تلهفا لهذا العطاء من الحقوق التي ظلت لعقود ممنوعة من الحرية. كانت تصريحات وتلميحات من بعض رؤساء الأحزاب والمثقفين إيذانا بذلك. الحقيقة معظم الجمعيات التي لحقت متأخرة على علاقة طيبة بالإدارة وفي مناسبات ومواعيد كثيرة أثبتت إمكانية التوافق. لكن الأمر لم يتوقف هنا فهناك معطيات ومستجدات تغيرت بعد ذلك، فكان استعجال الجمعيات إلى حد دخول المنخرطين إلى عالم غريب مع الظن أنه سهل الفهم والعمل معا. لا زال المنتمون السياسيون و الجمعويون لا يميزون بين مفهوم المصطلح ولا يعرفون المحاججات التي حدثت في تاريخه، بل يجهل الغالبية المعارضة للآراء التي تكتنفه؛ إلا أن الفئة التي تلقفته كانت فئة تحسب على الفرانكفونيين الذين استخدموا المفهوم بما يخدم غايتهم ويبرر أفكارهم في الساحة خدمة لتحقيق وتكريس نظامهم السياسي والاقتصادي الذي يطمحون إلى تحقيقه وصولا إلى الحكم. ولأن الطبقات الاجتماعية في الجزائر تعيش ازدواجية في اللغة و لأن المجتمع المدني لا يمكن له التطور في بيئة ريفية خالية من الكثافة السكانية فإن ذلك منح الطبقة الوسطى إمكانية التأقلم مع هذا المفهوم الزئبقي الذي لم يُتفق عليه لحد الساعة لكثرة الجدل الدائر حوله في ظل الدولة واقتصاد السوق الحرة و ظهور بدائل مستنبطة من أفكار ماركس وأنجلز وبما يفصل المجتمع المدني عن الدولة وعن اقتصاد السوق باعتباره بديلا للرأسمالية والاشتراكية. إلا أن النظام الرأسمالي بدأ يتوسع ويحتوي الدول التي كانت تابعة للشيوعية سابقا محاولة منها لفرض هيمنتها الاقتصادية وبداية عصر جديد يعمل على تكريس المجتمع المدني العالمي الذي سيتمثل فيما بعد في ثورة المعلومات والتكنولوجيا والعولمة واقتصاد المعرفة والقرية الكونية وعصر الانترنت.

كانت النخبة كما العامة معارضة علنية سبّاقة إلى التكتل في جمعيات على أساس الإعلان، الملفت للانتباه وجود فتور النخبة القريبة من الدولة لأنها لم تحمل المبادرة على محمل الجد وتركت مكانها ودورها الريادي في المشاركة. وهذا مرده إلى الجهل بتعريفات المجتمع المدني الذي يحمل في تفرعاته وتناقضاته آراء ونظريات تصب في الدولة وفي الاقتصاد و قد يكون في الاثنين معا.

انتهجت الفئات القريبة من النظام الرسمي نهج الطرشان وتركت الساحة للمعارضة بكل أطيافها بحماس اندفاع يسوده الجهل بالثقافة المواطناتية وقلة الخبرة في ميدان المجتمع المدني على اعتبار أنها لن تقف في وجه النظام ولا حاجة لها بالجمعيات التي رأت فيها لا جدوى تاركة الحقل السياسي لبعض القوى التي حكّمت العاطفة على العقل بخطاب تأثري وليس تنويري، وتلونت مع المفهوم على أساس كونه جزء من تركيبة النظام الاقتصادي الجديد يساعد على التحول الديمقراطي؛ لكن في الوقت ذاته كانت النية مبيتة من اجل الحد أو إلغاء هذا المفهوم من الوجود بمجرد الوصول إلى ثقافة التبادل و التداول على السلطة.

المتتبع لتاريخ المجتمع المدني يدرك حقيقة بعض الأحزاب والجمعيات في القضاء على الهيمنة وخلق نوع من التنافس وفرض سياسة جديدة تعترف بالبرامج السياسية وهذا عكس ما حدث و يحدث ففئات من المعارضة بعد حصولها على الامتيازات وبداية نشاطها بدأت أصواتها تردد بأن الديمقراطية لبيرالية جديدة وإما أنها تمويه وتبييض للوجه المأساوي للحريات، الديمقراطية على اعتبارها فكرة مستوردة غريبة مرفوضة. كذلك فإن النظام السياسي الديني عمل على الترويج للتخلي عن هذه الأفكار التي أسس بفضلها نقاباته وإعلامه وبنى خلفيته النضالية فأخلط المزاج وعكّره وبدأت بعض الأطراف تبدي خوفا من اضمحلال الحريات… وظل السؤال: أين هو المجتمع المدني الذي يدافع عن الحرية و الحقوق و الملكية.

لا تعليقات

اترك رد