حفريات تشكيلية قِطافٌ من تاريخ التشكيل المغربي ـ5ـ

 

يُرجِع الكاتب إدوارد مونتي Édouard Montet (1856ـ1934) أصل فضاء المدرسة البوعنانية إلى ملكية الحاخام موسى بن ميمون الذي وُلد في قرطبة عام 1135 وعاش فترة من حياته بفاس! وقد وقف حائرا أمام ساعة البوعنانية الدقاقة، لذلك كما يقول: ” لم أتمكن من الحصول على تفسير مرضي لهذه الصفائح الثلاثة عشر، وغادرت هذه المدينة، معتبرا أنها لغز حقيقي ليس من اليسير فكه. مفترضا أن الصفائح الغامضة تمثل ساعة ذات طابع استثنائي (…) يقال إنه منذ سنوات عديدة، تم العثور على الإبر في هذه الصفائح، والتي يفترض أن تكون عقارب ساعة”.

من خلال هذا الكلام يتضح أن إدوارد مونتي، الكاتب الذي وجه إليه بروسبير ريكار نقدا صريحا، ليس له أي تصور حقيقي عن الساعات الدقاقة الهيدرولية، فيدعم أقواله بما جاء على ألسنة من تحدثوا قبله عن أساطير وخرافات وأعمال سحرية…

إن آليات الساعة وميكانيزمات تشغيلها، أنجبت العديد من الأساطير والحكايات الخيالية، مجملها أبلغ عنه المؤلفون الفرنسيون الذين كتبوا عن هذه الآلة. فعامة سكان المدينة كانوا يعتقدون أن تشغيل حركة بندول الساعة وضع من قبل ساحر يهودي، وحينما أجهضت زوجته نتيجة فزعها من أصوات الأجراس، عمل الساحر على إيقاف تأثير الرصد، ومنذ ذلك الوقت، لم تعد ساعة المدرسة البوعنانية تعمل. وهذا ما أشار إليه M.A.Péretié في مقاله: “على الجانب الأيسر من الطالعة، أمام المدرسة، هناك مِطْهَر كبير، مكان للضوء. على واجهة هذا المِطْهَر، نلاحظ، على ارتفاع خمسة أو ستة أمتار، عدة أطباق كبيرة مجوفة، يبلغ قطرها حوالي خمسين سنتيمتراً. يقال إنه منذ سنوات عديدة، كانت إبر (بندولات) على لوحات تشتغل على مدار الساعة، وأن البندول تم وضعه من قبل الساحر بواسطة رصْد ينظم الساعات من خلال الملاحظات الفلكية. الساحر اليهودي الذي كانت قوته متفوقة على الآخر (حسب الأسطورة) دمر تأثير الرصد، ومنذ ذلك الوقت، توقف عمل ساعات المدرسة البوعنانية”.( PÉRETIÉ ص.82)

إن الصورة الأثرية التي تقدمها حاليا المنجانة البوعنانية بأطباقها المفتوحة على السماء، لا توحي بأنها كانت تعمل بِبنادل، إضافة إلى أن سرديات المؤلفين القدامى لم تتطرق إلى ذلك.

يذهب مونتي إلى أبعد من هذا ليدحض فكرة أن منجانة البوعنانية هي حقا ساعة دقاقة. فبناء على أن “تأسيس المدرسة البوعنانية كان بعد 21 يونيو 1351، فإن عزو إنشاء هذه الساعة المزعومة إلى تاريخ 1357 هي فكرة مفترضة بقدر ما أن البناية كانت أصلا ساعة حقيقة”. (مونتي ص. 184)

فالأطباق الثلاثة عشر بالنسبة لهذا الكاتب، لها دلالة رمزية تتأسس على التقاليد القائلة بأن المبنى كان منزلا للحاخام ميمونيد في القرن الثاني عشر. و”بناء على منجزات الحاخام الشهير ودوره الرائد في البحث في الكتابات التلمودية ، توصلنا إلى الاعتقاد بأن القطع الثلاثة عشر، لها قيمة رمزية تمثل القواعد الثلاثة عشر للتأويلات الحاخامية. من تم نرى أن الفرضية التي نقترحها ستساعد على فك لغز منزل المزهريات الثلاثة عشر، وتوصل إلى تذليل الصعوبات الكبيرة المتعلقة بهذه المسألة”.(مونتي. ص. 184ـ185)

في العام 1924 نشر المستشرق الفرنسي بروسبير ريكار Prospère Ricard (1874 ـ1952)، في مجلة Le Bulletin de la Société de Géographie d’Alger et de l’Afrique du Nord

مقالة تناول فيها، كعادته مع التحف الفنية العربية الإسلامية والأمازيغية، درس المنجانة البوعنانية بموضوعية ودقة علمية، معتمدا على الملاحظة والمقارنة والمسح المعماري. لكن ما توصل إليه من خلاصات تُرْجِم إلى غير مقاصده. فقد جاء في مقالة “جوانب من تقنيات التوقيت وأدوات الرصد في المغرب الإسلامي” للثلاثي بكلي محمد رضا وعيساني جميل و شادو إلهام أن ” المنجانة تتألف من سلسلة أطباق من النحاس عددها ثلاثة عشر. وضعت كل واحدة منها على حامل من خشب الأرز المنحوت، فوقها ثلاثة صفوف من النوافذ وصف من الطيور المجوفة. في كل ساعة، تسقط صنجة من أحد الغرابيب الثلاثة عشر على أحد الأطباق، وتدخل داخل الجدار من خلال قناة، فيصدر عن ذلك صوت، في نفس الوقت تفتح إحدى النوافذ وتبقى مفتوحة بحيث يمكن للمار أن يعرف الوقت مباشرة بحساب عدد النوافذ المفتوحة. طول الساعة حاليا حوالي 55 مترا، وخلف الجدار توجد آلية عمل الساعة، لكن للأسف، لم يبق شيء من آليتها الهيدروليكية”.

إذا رجعنا إلى النسخة الفرنسية، نجد أن بروسبير ريكار لم يشر قط إلى طيور مجوفة أو غرابيب! بل جاء كلامه كالتالي:
” تشتمل الساعة البوعنانية على ثلاثة عشر جرسا برونزيا لاتزال موجودة، وتستند على أفاريز. فوق هذه الأجراس توجد زخرفة حائطية من الجص والخشب المنحوت حيث تصطف نوافذ صغيرة مازالت تحمل بعض آثار عناصر الإرسال. لا نعرف شيئا دقيقا حول تشغيل هذه الآلة الغريبة، التي يعود تاريخها إلى 1357″. (ريكارد ص. 248)

إن الأوصاف التي أوردها المؤلفون القدامى حول المنجانة البوعنانية لا يمكن إنكارها، وإن لم يتطرق إليها المعاصرون كبروسبير ريكار أو غيره. فهؤلاء لم يعايشوا تلك الأحداث، ولم يحضروا احتفالات الموالد النبوية إلى جانب سلاطين ذلك الزمن. فهم لم يعاصروا “خزانة المنجانة ذات تماثيل لجين محكمة الصنعة، بأعلاها أيكة تحمل طائرا فرخاه تحت جناحيه، ويختلُه فيهما أرقم خارج من كُوَّة بجذر الأيكة صاعدا، وبصدرها أبواب مرتجة بعدد ساعات الليل الزمانية، يصاقب طرفيهالا بابان كبيران، وفوق جميعها دُوَين رأس الخزانة قمر أكمل يسير على خط الاستواء سير نظيره في الفلك، ويسامت أول كل ساعة بابها المرتَج، فينقض من البابين الكبيرين عقابان، بفي كل واحد منهما صنجة صُفر يلقيها إلى طست من الصفر مُجَوَّف بوسطه ثقب يفضي بها إلى داخل الخزانة فيرنّ، وينهش الأرقم أحد الفرخين، فيصفر له أبوه، فهناط يفتح باب الساعة الذاهبة، وتبرز منه جارية محتزمة كأظرف ما أنت راء، بيمناها إضبارة فيها اسم ساعتها منظوما، ويسراها موضوعة على فيها كالمبايعة بالخلافة”.(التلمساني، ص.6)

هم لم يشاهدوا المنجانة حية تتحرك بشخوصها الآلية Automates، ولم يشاهدوا ولم يسمعوا طنين أجراسها، وإنما رأوها بعدما تلاشت أطرافها وتحولت إلى أطلال ودخلت سجل المآثر التاريخية.

بروسبير ريكار، كغيره من المتخصصين في الفنون وعلوم الآثار، نظر إلى المنجانة بعين ناقدة، دارسا حالتها اعتمادا على ما توفر من مسح معماري، تاركا جانبا كل ما دار حولها من خرافات وأساطير وما اقترح من فرضيات تفتقد إلى الإحالة على المسانيد التاريخية وإلى المنهجية العلمية الحقة. بل تفادى اعتماد ما جاء في مراجع المؤرخين القدامى كصاحب “زهرة الآس”، رغم أنه أورد الكتاب ضمن لائحة مراجعه.

مصير الأطباق الثلاثة عشربقي منها ثمانية فقط!
فمنذ أن تم تفكيك الطوابق عام 1984 من موضعها، ووضعها ضمن التحف الفنية بمتحف البطحاء بفاس، لوحظ اختفاء خمسة منها، وقد كانت موجودة على الصور التي أخذت في ذلك التاريخ (1984)!

تستقر الآن هذه الأطباق بمتحف البطحاء حيث خضعت سبعة منها لعمليات الترميم في ربيع عام 2014، بينما احتفظ الثامن منها على حالته الأثرية الأصلية.

عرضت هذه التحف البوعنانية في متحف اللوفر خلال التظاهرة المغربية التي نظمت في أكتوبر 2014 تحت شعار “المغرب في العصور الوسطى”.

مراجع:

· شربل داغر ـ الفن العربي الحديث، ظهور اللوحة، الطبعة 1، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء 2018
· محمد المنوني ـ التصوير بالمغرب الإسلامي في القديم “دعوة الحق”، عدد 1-2، كانون الأول-يناير من سنة 1971.
· على الجزنائي ـ جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، الطبعة الثانية، 1991، المطبعة الملكية، الرباط.
· عبد الرحمن بن خلدون ـ المقدمة، حققها وقدم لها وعلق عليها عبد السلام الشدادي، الطبعة الخامسة في خمسة مجلدات، الجزء الخامس. خزانة ابن خلدون بيت الفنون العلوم والآداب، ط.1 الدار البيضاء 2005
· فيض العباب، وإفاضة قداح الآداب في الحركة السعيدة إلى قسنطينة والزاب، ابن الحاج النميري، دراسة وإعداد الدكتور محمد بن شقرون، دار المغرب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى 1990
· شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني ـ أزهار الرياض في أخبار عياض. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة 1939

· Le Bulletin de la Société de Géographie d’Alger et de l’Afrique du Nord, 28 ème année, 1èm trimestre 1923, n° 93
· M.A.Péretié – Les Médersas de Fès, in Archives marocaines vol. 8, p. 282, Paris 1912
· Ricard P – “L’Horloge de la Médersa Bou-Anania de Fès” in: Bulletin de la Société de Géographie d’Alger et de l’Afrique du Nord, vol. 25, 1924.

لا تعليقات

اترك رد