العراق بين الولاء لإيران أو التدمير

 

يتمسك المحتجون في العراق بمجموعة أهداف أساسية غير قابلة للمساومة والتفاوض في مقدمتها استبدال حكومة عادل عبد المهدي بواسطة حكومة مهمتها محاسبة الجناة الذين تسببوا بإراقة دماء مئات المتظاهرين، وتشريع قانون جديد للانتخابات، وتشكيل مفوضية انتخابات مستقلة بعيدا عن سطوة الأحزاب التي احتكرتها في السنوات الماضية، وحتى الآن تم تحقيق إطاحة حكومة عبد المهدي التي اقترنت بقبول قوى السلطة وفشل قاسم سليماني في تثبيت سلطته التابعة لإيران وأغلبهم عاشوا في إيران تحت رعاية إيران منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية وبعضهم شارك في الحرب ضد العراق.

لكن حتى الآن لم تستسلم الأحزاب وقوى السلطة خصوصا المتمثلة أساسا بتحالف الفتح المقرب من إيران والقوى الكردية المستفيدة من الحكومة الحالية وحتى القوى السنية التي يتزعمها رئيس البرلمان محمد الحلبوسي التي لن تستسلم بسهولة بمطالب المتظاهرين التي تعني حقيقة التضحية بمواقعها ومصالحها في النظام الحالي ولا تزال تشدد على إصلاح يحفظ لها مصالحها بدل مطلب تغيير النظام الذي يرغب فيه المحتجون.

لن تترك إيران العراق بهذه السهولة استثمرت الفوضى في العراق وفي إطار استراتيجية الحرب الهجينة لتمويه مصدر هجماتها المستقبلية من أجل بناء ترسانة خفية من الصواريخ البالستية قصيرة المدى في العراق وذلك جزء من جهد متزايد لمحاولة إرهاب منطقة الشرق الأوسط وتأكيد قوتها وهذا وفق تأكيد مسؤولين أميركيين في الاستخبارات والجيش، ودائما أمريكا تغض الطرف، وتستثمر مثل تلك التحركات، وتضعها في استراتيجياتها، لأن أمريكا لا تؤمن بالمصالح المشتركة بل تؤمن بالاستراتيجيات التي تحقق أهدافها.

تدرك تلك الاستراتيجية دول مجلس التعاون وبشكل خاص السعودية لذلك حاول بن علوي يدعو من طهران إلى مؤتمر إقليمي يبحث أمن الخليج، وناقش مبادرة هرمز والحوار مع واشنطن، ولكن رغم العقوبات المفروضة من قبل واشنطن على طهران، هناك بين الجانبين توافق استراتيجي وفق تحقيق مصالح استراتيجية، فإيران تريد أوراق تفاوض، والاحتجاجات في لبنان والعراق بل حتى الإيرانيين كسروا حاجز الخوف، فبدأت إيران تفقد أوراق تفاوض كثيرة مع واشنطن والغرب، فيمكن أن تلجأ إلى التدمير وحرق العراق بشكل خاص ولن تقبل أن يصبح العراق دولة مستقلة ولازال لديها 67 مليشيا عراقية تدين بالولاء لها في العراق، وتدرك ذلك المملكة العربية السعودية ولن تنجر لمثل تلك المبادرات إذا لم تغير إيران سلوكها بشكل حقيقي على الأرض في اليمن والعراق ولبنان وسوريا.

هناك تغيرات منها إيران تدعو مواطنيها إلى الحذر بعد ثالث إحراق لقنصليتها في النجف بجنوب العراق خلال أسبوع في 3/12/2019، كما اتهم ناشطون عراقيون أحزاب السلطة وفصائل مقربة من إيران بالسعي إلى السيطرة على ساحة التحرير معقل الاحتجاجات في بغداد بذريعة القضاء على مندسين وطردهم استنادا إلى مطالبات المرجعية الدينية في النجف بعد نزول آلاف من المتظاهرين المؤيدين لفصائل الحشد الشعبي وتحدث ناشطون عن حالات طعن بالسكاككين تعرض لها متظاهرون في التحرير عقب وصول متظاهري الحشد الشعبي وشبه بعضهم ما وقع في 5/12/2019 بموقعة الجمل التي شهدتها الانتفاضة المصرية في ميدان التحرير في القاهرة 2011.

المرجعية الشيعية في النجف في صراع مع قم منذ 2016 بسبب سجال بين رؤيتين فقهيتين رئيسيتين حكمتا توجه المؤسسة الدينية الشيعية منذ عقود وأكد السيستاني بما نصه أن الحكومة إنما تستمد شرعيتها في النظم غير الاستبدادية وما ماثلها من الشعب وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره وتتمثل إرادة الشعب في نتيجة الاقتراع السري العام إذ أجري بصورة عادلة ونزيهة، فالسيستاني يؤمن بولاية الأمة على نفسها حيث شرعية الحكم والدولة من الشعب.

لذلك المرجعية قطعت الطريق على التدخلات الإيرانية في يوم خطبة الجمعة ممثلة في الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 6/12/2019 وأكدت أنها ليست طرفا في أي حديث بخصوص اختيار شخصية لخلافة عبد المهدي ولا دور لها فيه بأي شكل من الأشكال ودعوة المرجعية البرلمان إلى سحب الثقة من الحكومة على وقع مساع يخوضها حلف طهران بيروت بقيادة قاسم سليماني ومحمد كوثراني لإقناع القوى السياسية الشيعية والسنية بالسير بأحد المرشحين وسط استمرار أعمال العنف في جنوب العراق.

تحاول المرجعية طرد إيران من باب المفاوضات السياسية بعدما تم طردها من شباك الاحتجاجات بإسقاط حليفها في العراق عادل عبد المهدي، خصوصا بعدما لوح المتظاهرون الجدد بأعلام قوات الحشد الشعبي التي تحمل صفة رسمية بعدما صارت جزءا من القوات العراقية فيما رفع آخرون صورا للسيستاني وهو ما أكدته المرجعية في النجف لجميع العراقيين بلا اختلاف بين انتماءاتهم وتوجهاتهم ولا ينبغي أن يستخدم عنوانها من قبل أي من المجاميع المشاركة في التظاهرات المطالبة بالإصلاح لئلا تحسب على جمع دون جمع من أجل مسك العصا من الوسط وذلك حتى لا تخسر بشكل نهائي الأطراف التي تؤيد إيران وتسعى للمحافظة على نفوذها نظرا لارتباط المصالح لكن في النهاية يعول المتظاهرون في العراق على تحركاتهم لفرض واقع سياسي ينأى بالبلاد عن كل تدخل خارجي.

وهو ما يجعل عدد من المراقبين أنه يرى أن هناك نعومة السيستاني وقبضة خامنئ في وجه مظاهرات العراق وإيران خصوصا أن خامنئ منزعج من المظاهرات العراقية التي بدأت تطالب بإنهاء النفوذ الإيراني في بلدهم بل يطالب آخرون بإغلاق الحدود مع إيران وطرد الإيرانيين من العراق وهم من شيعة العراق قبل غيرهم فهل يفاوض خامنئ أمريكا على العراق مقابل التخلي عن النووي الإيراني؟ خصوصا وأن خامنئ يدرك أن أمريكا لا تبحث عن مصالح مشتركة بقدر أنها تبحث عن مصالح استراتيجية، فهل يتحقق لخامنئ ما يريد؟ أم أن هناك مصالح استراتيجية أخرى لأمريكا تفوق هذه المصالح الثنائية؟ رغم هناك تشديد أمريكي على دعم التظاهر وتنويه برفض التدخل الإيراني الذي كانت أمريكا سبب في تسليم العراق لإيران لوضعه ضمن المحور الإيراني إلى البحر المتوسط، وهناك مطالبات أممية بكشف هويات قناصة المظاهرات.

لا تعليقات

اترك رد