التظاهرات العراقية في التشكيل المعاصر ج (2) تكميم وتثوير وتنوير

 

تواجدت العديد من الاعمال الفنية اعتمدت آليات الصورة الاشهارية لأجل ترويج فعل الاحتجاج على الظلام اينما كان أو سيكون ، لما للصورة الاحتجاجية من حضور شبه كلي وواضح في حراك الشارع العراقي المتزايد يوماً بعد يوم ، لتصبح نتاجات التشكيل بمثابة شواهد معاصرة على الاحداث بل وبشكل مجازي تكون بمثابة صدى للحراك الشعبي ومايفرزه من مواقف وشعارات ومطالبات وطنية وانسانية على حدٍ سواء .. فالمشهد التشكيلي العراقي اليوم يتخذ من الاحداث الوطنية مساراً جديداً في صناعة الاشهار من خلال جعل المشاهد أكثر تعبيرية وأكثر حضوراً على الساحة الفنية .

صدى الحراك الشعبي :
يُلاحظ المتتبع للتشكيل العراقي المعاصر ومنذُ اليوم الاول من شهر تشرين الاول من عامنا الجاري 2019 في العراق والشعب يعيش تظاهراته التشرينية الاصلاحية ضد الفساد ، تواجد العديد من الاعمال الفنية التي واكبت هذه التظاهرات فانتجت وقفاتها الوطنية مع الشعب قولاً وفعلاً وعلى وجه الخصوص لا الحصر ، تواجد عمل للفنان عامر العبيدي الذي جاء بعنوان (جحيم بغداد) والذي أسقط فيه أقنعة السياسي المزيفة وكشف مناوراته المتكررة التي تقمع الحقيقة ؛ اذ سلط الفنان الضوء على احداث ووقعات تاريخية حدثت للمتظاهرين في بغداد في أغلب اعماله الاخيرة ليقدم وقفته الاحتجاجية مع ابناء وطنه .. فضلاً عن عمل الفنان وسام جزي (متظاهرين) الذي أفصح بمشهده البصري عن معاني تكميم الصوت ومصادرة الرأي عندما احتج بشخوص مشهده التصويري بعنف العسكر من خلال عرض الكمامة وأغلفة الرصاص بوصفها وسائل احتجاج على التكميم والتعتيم .. فالجسد بكل حالاته وتشفيراته أصبح علامة فارقة في التشكيل العراقي استعان به الفنان العراقي في التعبير والاحتجاج كما وجدناه في عمل الفنان سعدي الكعبي (أجساد) الذي جرّد اجساده من كل شيء وابتعد باشكاله عن جماليات الشكل وتفاصيله المكانية ، مكتفياً بآليات التعبير والتحديد والتسطيح بخطوط بسيطة واشكال عارية من اللون ومن الملامح و بايحاءات تعبيرية وحركة مستقبلية تمنح المشاهد تأويلات متعددة في كل لحظة قراءة . فضلاً عن عمل الفنان رياض نعمة (ثورة الصدور العارية) الذي أكد بصورة أو بأخرى على طاقات الرمز وآليات التعبير للجسد في ترميز الافكار الوطنية مثله مثل الفنانة لبنى الطائي في عملها (الثوار) المحتفل بالثائرين .

صورة الجسد بين التعبير والتركيب:
تواجدت العديد من الاعمال الفنية ضمن افرازات الثورة الشعبية التشرينية في العراق الجديد ، قد انتهجت عرضاً تركيبياً منها عمل الفنان يعرب العبيدي في عمله (بغداد) الذي قدم فيه موقفه الاحتجاجي بطريقة مفاهيمية يلاحظ فيه هيئة جسد فتاة بلون أسود مكون من رأس بلا ملامح متـوّج بإكليل أخضر ، مع جسد بلا أطراف لصق عليه مصورات عن بغداد تنتهي الى الوسط حيث تواجدت احزمة مكونة من تراصف عتاد الرصاص الحي مع خطوط حمراء ، وقد وضع حول الجسد اسلاك شائكة يمنح المشاهد دلالات تعبيرية ذات طابع احتجاجي على الواقع المؤلم الذي تعيشه بغداد والعراق بأكمله وهو محاصر بذاكرة الرماد ، الذي وجدناه يمثل انعكاساً مفاهيمياً لواقعنا العياني القائم على تغييب الثقافة والجمال لصالح الظلام والذي وجدناه في العديد من اعمال الفنانين ومنهم الفنان جودت حسيب وعمله (شهدائنا) الذي اكتفى الفنان في تدوين لحظة الشهادة بجسد متدلي من الاعلى متوشح بالسواد وفي مركز ثقله بقعة حمراء تمثل منطقة القتل وقد تمظهر منها ورقة نباتية خضراء اللون مع تواجد ثقوب بيضاء دلالة على مواقع الرصاصات التي اخترقت الجسد من قبل القاتل المأجور ، مثل هكذا صور رمزية عالية التعبير مثلت إدانة لما يحصل في العراق .

فضلاً عن عمل الفنان وضاح الورد (الثورة) الذي احتفى بتشظيات الجسد ومايقترن به من أحداث ووقائع واشتباكات بين المتظاهر السلمي والآخر المتسلح الملثم بالسواد ، اذ نلاحظ تواجد العديد من الشخوص (المتظاهرين) بعضهم في وضعية السقوط والبعض الاخر يقاوم سقوطه ، ويقابلهم شخصين عسكريين يغطي وجههما لثام اسود وبيديهما أسلحة الموت الذي توشح به المشهد البصري العام . بينما وجدنا الفنان هاني الدله علي وقد انجز عمله (ثورة تشرين) ذو الطابع البانورامي لما يحويه من أحداث متنوعة من التظاهرات في بغداد وقد تراكبت معاً في مشهد واحد فنلاحظ الاحتجاجات والرايات والبنايات الواضحة في خلفية المشهد فضلاً عن تواجد المرأة المسنة المحتجة والشابة والطالبة جنب الى جنب الشباب السلميين وهم ثائرون بوجه الظلام ، يتقدمهم الشهيد والجريح .. بجانب العديد من الاعمال الاخرى التي تناولت موضوعة التظاهر والاحتجاج في العراق وهي تدون صور الحزن والضياع والقمع كما في عمل الفنان جاسم الفضل (انتهاكات) الذي كرس فيه معاني الظلم والظلام والحرمان والدمار التي اظهرها على تضاريس الجسد المحتفي بدلالات الحزن وتشفيراته الرمزية والتي جعل من الاجساد رموزاً فعلية بعد ان كانت إيقونية تبعاً لرؤية الفنان الحدسية التي أطاحت بالطبيعي لصالح الثقافي الذي يجعل الفن قضية انسانية كبرى .

المقال السابقجنائن
المقال التالىتظاهرات سلمية ام ثورية..؟
الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي Prof.Dr.Shawqi Al.Musawi Babel University / College of Fine Arts - شوقي مصطفى علي الموسوي - تولد العراق /1970 - حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية / كلية الفنونالجميلة بجامعة بابل / 1992 - حاصل على شهادة الماجستير في الفنون تشكيلية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد