صباح اليوم الأوّل للباكلوريا في تونس

 
صباح اليوم الأوّل للباكلوريا في تونس .. للكاتب عمار التيمومي #تونس

صباح الأمل كم تواطأ النّوم مع الكرّاسات المتناثرة تملأ المكان حولي وتغصّ رأسي بخطوطها..

كم تواطأت مخدّتي مع السّهاد والأرق..تدفعني الأحلام بعيدا فلا أنا نائم ولا أنا مُذاكرٌ..فأنا هنا وهناك في ما بين الدّرجتين برأسي مِرجل تختصم فيه المعارف الفلسفة والتّاريخ والأدب والجغرافيا وبعض لغات الأمم الحيّة من فرنسية وإنقليزية وألمانية وإسبانية وإيطالية …وغيرها

لست وحدي السّاهد فخلف الجدار المجاور تخاصم أمّي دمعات ما درت ماهي: أهي الخوف أم هي حلول بجسدي الحشاشة يشكو وَهَنَه وسَهَره اللّيالي الطّوال وعزوفه عن الطعام والملذّات فغارت منّي عينان في محجرين طواهما لمى السّهر والإرهاق ؟..هل هي تطويحات الأمل العابثة بفؤادها الرّقيق؟ فهي الباكية في الحالين إن أنا نجحت وإن أنا أخفقت.. لكنّها سرعان ما تطرد الإمكانية الثّانية بتعويذاتها القرآنية واستنجادها بالأولياء الصّالحين ورجم الشيطان لغةً حتى يطيب خاطرها…

هي ما انفكّت تتابع نبضي عن بعد وتُجيب رغبتي دون طلب..فويلي لو سعلت أو حتى عطست فلا مندوحة من تحقيق صحّي وهي التي أعدّت باجتهادها الخاصّ صيدلية لكلّ آلامي رأسا ومعدة وزُكاما وغيرها…

لله درّها راعية لا تكلّ ولا تملّ ! .. بعد قليل ستتظاهر بأنّها تنهض من نوم لم تنمه لتفيقني أنا من سبات ما عرفته وتترفّق بي أيّما ترفّق..وتُغدق عليّ النّعم بالصّباح الأوّل فتفتكّني من قلبي الرّاجف إلى صنوف إفطار ماعهدت اجتماعها على مائدة الصّباح فها الحليب وها القهوة وها العسل وها الرّطب ومعجون التّين وزيت الزّتون وحبّات الحلوى..وغزير الأدعية ولها لكلّ مأكل حجج وحجج تغلب عنادي فأرضخ لرغبتها صاغرا..

وتتفقّد لوازمي: بطاقة التّعريف الوطنية واستدعاء الامتحان وأقلامي وآمالي وتصبّ في جيبي قطعا نقدية وفيرة وتصرّ على أن تنيلني حبّة سكّر وتصبّ حبّات في جيبي الآخر..

بعد قليل سأدلف من الرّدهة مغادرا وقد أمسكت بتلابيبي هي وأختي الصّغرى..فأسرق من بين جفنيها نِظرة أمولاً حالمةً مُتوسّلة :”لا تتركني فريسة لتأنيب أبيك الفظّ..ولا لشماتة الجارات ذوات الوجهين ” -فهنّ متلطّفات حدّ صدق الملائكة ولاذعات لسان الغيبة حدّ مكر الشّياطين..- فأقنع بطلبها الصّامت رغم إلحاحه..وأسرع إلى الحافلة أمتطيها..اليوم يوم الأخلاق الحميدة فالكلّ شديد التّهذيب..لست أدري أين ضاعت طباع النّاس ؟..فالكلّ يؤجّل مكره إلى حين .. “صباح الخير والتّوفيق”..” نجاحا باهرا” “يومك بِشرٌ وسكّر” ..
وماشابه هذه الأقنعة اللطيفة المناسبة لصباح اليوم الأوّل من امتحان الباكلوريا.. ومساءات الأيّام الرّمضانية المضمّخة بالقيم وحبّ الآخر..اللهمّ أدمها نعمةً واحفظها من الزّوال وحُضّ عبادك على سراطها الدّائم..صباح النّور صباح النّجاح..

لا تعليقات

اترك رد