دور الفنون في ترقية المجتمع ج2

 

الفن يستمد قوته من المجتمع الذي يرعاه ويشجعه. يقول سوريو (اننا لو قارنا الفن بالعمل الجدي الضروري، لراعنا ان ما نسميه بالنشاط الجدي انما هو على وجه التحديد ذلك العمل الذي تبدد (في العادة) دون ان يخلف ادنى اثر) فالنشاطات التي يزاولها من جهود وحركات وكلمات وحتى بعض الحرف لم يبق منها غير الآثار الفنية من آلاف السنين المتمثلة بالفخاريات والرسومات والتماثيل والحلي فالاثر الفني له خاصية المقاومة والبقاء لكونه ينفر من الاستهلاك، وغير نفعي، يستعمل في الحياة العادية. فالعمل الفني هو بمثابة (وثيقة) تسجل ظواهر وقيماً ومعتقدات يحرص المجتمع على الحفاظ عليها .

ولكن من جهة اخرى لا يعني ان الفن تقيده الشروط الاجتماعية طالما هو محترف يحقق ما يحتاجه المجتمع. لان الفن يولد عند الفنان نتيجة استجابة فردية منبعها الاحساس والذوق تظهر بتلقائية واشدها تعبيراً عن الحرية، فالفنان كائن مبدع يواجه المألوف بالمفاجئات الجديدة المبتكرة كي تحقق شخصيته المبدعة. فهنالك كثير من الفنانين رفض المجتمع انتاجهم في عصرهم وعاشوا في عزلة مثل (فان جوخ فاجنر دير التيونس، وشلي) وقت عرضهم للوحات، لكنها اصبحت فيما بعد ذات قيمة مهمة لدى المجتمع.

ويرى الكثير من الباحثين ان الفن نشأ في احضان المعبد، لان المعبد هو الذي عمل على ظهور اقدم الفنون البشرية جميعاً متمثلة بفن العمارة، التي ظهرت الحاجة فيها الى تزيين جدران المعابد بالنقوش والتماثيل، مما دعا بعض الفنانين الى عمل تماثيل ملونة، فكان ذلك مدعاة لظهور فن التصوير الذي كان لا يستعمل الا لتزيين جدران المعابد. وعلى الرغم ان (آلان) يقسم الفنون الى نوعين:

فنون فردية كالشعر والتصوير، وفنون اجتماعية (كالعمار والتمثيل المسرحي مثلاً) لكنه انتبه الى انه ليس ثمة فن فردي محض على الاطلاق .

فالفنان (روبنس) كان التصوير عنده يمثل عملية اجتماعية، ولديه معاونو الفنان يضطلعون بمهمة مزج الالوان ودهان بعض اجزاء قليلة الاهمية من اللوحة. فيقوم الاستاذ بوضع التصميم واللمسات الاخيرة .

وبعض المفكرين مثل (ستين) يعتقد بتطبيق المنهج الطبيعي للنقد الفني، فليس من حق الناقد ان يقدم لنا احكاماً شخصية او انطباعات ذاتية، بل يستند نقده الى علم طبيعي يحلل لنا العقلية البشرية في تطورها وصيرورتها، وتبعاً لذلك فان تحليل الاثر الفني وفهمه، او دراسة مجموعة من الفنانين، لابد ان نتعرف منها على الحالة العامة للروح الاجتماعية والاخلاقية السائدة، في تلك المرحلة. لذلك فالبعد الزماني عبر عن الطابع العام لاتجاه الفنون، وتبعاً لذلك اعتقد الفنان الحديث انه لم يعد كما كان في العهود السابقة سواء، عبداً يعمل في خدمة البلاط الملكي

وترتبط ضرورة ودور الفن بتاريخ البدايات الأولى للفن، إن عمر الفن يوشك أن يكون هو عمر الإنسان، فالفن صورة من صور العمل ، والعمل هو النشاط البشري (ماركس، رأس المال) وقد كتب هذا التعريف:عملية العمل..هي نشاط هادف..يرمي إلى جعل المواد الطبيعية ملائمة للاحتياجات البشرية. وهذه العملية هي الشرط العام الازم لتبادل المواد بين الإنسانية والطبيعة، وهي الشرط الدائم الذي تفرضه الطبيعة على الحياة الإنسانية، ولهذا فهي مستقلة عن أشكال الحياة الإجتماعية، أو بالأحرى هي مشتركة بين مختلف الأشكال الإجتماعية (في كتاب رأس المال)

من ذلك نستنتج بأن الإنسان لديه السلوك في التحكم بالأشياء ويجعلها ملك يده..وتحويل الأشياء الطبيعية إلى أشياء تخدمه منفعة وجمالاً، إنه يحلم بالسيطرة على الطبيعة بوسائل سحرية، فالسحر في الخيال يقابل العمل في الواقع. والإنسان منذ مراحله الأولى ساحر، أي يضيف لها الأحلام والخيال الإبداعي .

المقال السابقمتى ولماذا تثور الشعوب ؟
المقال التالىالسراج والرهان الخاسر مع أردوغان
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد