قراءة في صورة (صورة السيّد الحبيب الجملي)

 

ملاحظة: هي صورة جمعت رئيس الحكومة بوفد من اتحاد الطلاب الإسلاميين. ولقد فصلت صورة السيد رئيس الحكومة المقترح عن بقية الحضور في القاعة.

يبدو أنّ حركة النّهضة لم تستطع تحقيق المعادلة المطلوبة في أمر تشكيل الحكومة. وتقتضي هذه المعادلة أن يكون الرئيس ذا ولاء للحركة لا يرتقي إليه الشكّ ويكون في الآن نفسه ذا أداء مقنع يفحم الخصوم السياسيين . ولا يمكن أن تفوت المتابعين لـ”نشاطات” السيّد الرئيس المكلّف أن يلاحظوا كثرة الوفود التي شدّت الرّحال إلى “دار الضيافة” بقرطاج تلبية لدعوات السيّد الحبيب الجمليّ التي يراد بها مجرّد التّعارف وتعريف السيد الحبيب الجملي بنفسه تمهيدا لتقديم رؤيته للحكومة من حيث تركيبتها وبرنامج عملها وأولويّاتها.
ولقد ظهرت للسيّد الجملي ,هذه الأيّام, صورة طريفة تناقلتها صفحات التواصل الاجتماعيّ وبعض المواقع الإعلاميّة في تونس. وفي تقديم وجيز للصورة نشير إلى أنّها قد التقطت للسيّد رئيس الحكومة المكلف أثناء اجتماعه بممثلي الطلبة الإسلاميين (الاتحاد العام التونسي للطلبة) وكان يجلس على أريكة من المفروض أن تكون مريحة لأنّ الرّجل قد نال منه التعب والإعياء, وأجهدته المشاورات التي لا يعلم جدواها إلاّ الله. وفي الصورة جمع لشخص سي الحبيب والعلم التونسي والطاولة والسجاد : يبدو السيد رئيس الحكومة في بدلته ذات اللون الحنطيّ وقد استغرقه الكرسيّ وهو يباعد بين ركبتيه لتظهر جواربه البيضاء نشازا. وقد وضع الرئيس المكلف يديه على وركيه في إشارة واضحة إلى ما ألمّ به من إرهاق قبل حتى أن تتشكّل الحكومة وقبل أن تشرع في العمل, فهل “ولد” اقتراح السيّد الجملي متعبا منهكا خائر القوى؟
لنبدأ بالألوان. هي بين الحارة والباردة فهي لا علاقة لها بالأحمر ولا بالأزرق والأخضر بل هي متموضعة في ذلك الطّيف الممتدّ في تقاطع بين الأحمر والأصفر والأسود. ولقد امتدّ هذا اللون بشيء من اللعب على كمية الإضاءة والتضاد اللوني إلى يديه وبشرته الحنطية اللون بسحنة تونسيّة أصيلة. ولم يكن المصوّر قد أعمل في الصورة أدوت التّصحيح بل ترك الحكم للآلة الخرساء الصماء ورضي بحكمها فنشأ الشّكل ملتحما بلون التربة التونسيّة. وكيف لا تكون التربة مرجعا للصورة والحال أنّ السيّد الجملي مهندس فلاحي أوصله علمه بالتربة وما فيها من موارد وعليها من حياة إلى هذا المركز المقترح. ولا شكّ عندي أنّ هذه الألوان في تقاطعها وتدرج بعضها نحو بعض قد أكّدت للمشاهد أنّ السيّد الجملي لن يخرج في تصوره لتشكيل الحكومة عن هذه الألوان (الأحمر والأصفر والأسود) أي أنّ فريقه الحكوميّ سيكون مؤلّفا من لون نّهضوي يتدرّج نحو لون ائتلاف الكرامة والتيّار الديمقراطيّ وحليفه القوميّ. وكيف تكذب الصورة والواقع يقول بالفصاحة المرتجاة إنّ النهضة لا ترضى عن غير هذه الألوان من الطيف كلّه. بل إنّ الحكومة لن تكون لا حارة ولا باردة ولا جديدة ولا قديمة ولا نهضوية ولا غير نهضويّة. ولن تكون لا مع المواصلة ولا مع القطع ولا ثورية ولا إصلاحيّة. يا لفصاحة الألوان ! فهل تكون هذه “الألوان المفروضة” عاملا من عوامل فشل موصلة العدّاء الجري في نفس المضمار؟
في الضوء والظلّ: ليس في الصورة ,في عمومها, ظلالا تنأى عن بؤرة نور.وليس فيها مقابلات ولا تكسرات. بل هي تعوم بشكل “باهت” في الضوء الخافت غير المشعّ يغمرها من أسفل ومن أعلى ومن اليمين إلى اليسار. إضاءة تزيد من تعقيد حالة الرجل في علاقته بعملية تكوين الحكومة المستحيلة. وهذا ما يبدو في تشكل الصورة لونيّا. لقد كشف الضوء “المتعب” الفاني الخالي من التبئير, الضوء الذي يبسط على الصورة غلالته أنّ الرجل يفتقد الملجأ والسّند, رغم إدّعاء النّهضويين أنّهم يقفون وراءه ويسندونه بقوّة ,وأنّه يحتاج إلى ضرب من السّتر يتقي به عجزا صارخا لم يستطع نشاطه “الاستقباليّ” المفرط أن يخفيه. ويكشف أيضا إمكانية تنكّر حركة النّهضة للرجل الذي ألقت به في اليمّ وحذّرته من أن يبتلّ. والجميع يعرف أنّ الشيخ راشد لعب بمورو قبل شهور حينما أغراه بالرئاسة ثم صوّت النهضويون لقيس سعيّد. تلك الإضاءة المشتتة الماكرة تؤكّد أنّ السيّد الجملي بات بلا غطاء وليس مستبعدا أن يكون مجرّد بالون اختبار. نعم إنّه بلا غطاء في هذا الشتاء التونسيّ السّاخن. ولكن حتّام سيدوم له الشتاء السّاخن؟فمع اليالي البيض والسود تبدأ موجة البرد العنيفة. وتشتدّ حاجة السيّد الجملي وحاجة التونسيين المفقرين إلى “الغطاء”.فهل يمرّ الشتاء بسلام؟
في الحركة والسكون: لا شيء في الصورة يدلّ على أنّ رئيس الحكومة المكلّف متحرّك. ورغم استقباله لكلّ تلك الوفود وتوديعه لها ورغم الشاي الذي قدّمه رجاله لضيوفه ورغم حديثه المطوّل مع المغنين والسياسيين والقضاة وأساتذة الجامعة,,,رغم ذلك كلّه فقد بدا الرجل ساكنا لا تندّ عنه أيّ حركة. كان يضع يديه على فخذيه. وينزل قليلا برأسه نحو صدره كأنّه في مجلس عزاء أو كما لو أنّه يعاني من الإحباط أو ربما يكون قد أصابه إعياء مفرط . أمّا مجلس العزاء فقد صدقت فيه الرؤيا البارحة حين فقدت تونس ستة وعشرين من شبابها في حادث حافلة أليم. وأمّا الإعياء فلا ريب أنّه بسبب تلك الحركة الماراتونية التي لا معنى لها. فالسيّد الحبيب الجملي لم يكن في حاجة إلى لطفي بوشناق لتشكيل حكومته ولم يكن في حاجة إلى جوهر بن مبارك ليبيّن له ما تزمع حكومته فعله في الخمس سنوات المقبلة. ولم يكن حضور رؤساء الأحزاب التي ليس لها أكثر من ثلاثة نواب ضروريا ليقال عنه إنه ديمقراطيّ. لقد أتعب السيّد الجملي نفسه ولم يحقق شيئا مما كان يريده. فهل تلقى إليه النهضة بحبل النجاة فتتحرّك الصورة ويرفع الرجل يديه عن وركيه؟ لكنّ الشيخ راشد يملك أكثر من بديل ويمكنه أن ينزل الستار عن الرّجل معلما عن المرشح الحقيقي الذي يتفق عليه مع الرئيس قيس سعيّد؟
إنّ للصور قدرة غير محدودة على التعبير. وقد تغني بعض الصّور عن نصوص مطوّلة. ولكننا لا ندّعي لهذه الصّورة غير أنّها مناسبة للإطلال على الحياة السياسية المعقدة في تونس. ولكننا مع ذلك نرجو أن تتحرك الصّور في بلادي فالجمود موت مرعب.

لا تعليقات

اترك رد