تجنيد الأطفال في سورية والعالم )1 (

 

يستمر حتى كتابة هذه السطور تجنيد الأطفال في أكثر من مكان من العالم وخاصة في الأماكن التي تشهد حروبا أو نزاعات مسلحة وفي مجتمعات أخرى يتم فيها عسكرة المجتمع بشكل تقليدي كما يحدث في الكيان الإسرائيلي حيث يتم اخضاع الأطفال لدورات تدريبية عسكرية متكررة بهدف تأهيل الناس للخدمة العسكرية والتألف مع استخدام السلاح وفكه وتركيبه وصيانته. ويجدر بنا أن نؤكد أن المجتمعات العسكرية والمجتمعات التي تعاني من الحروب تنتشر فيها الألعاب الطفولية الحربية التي تؤثر على أفق الطفل وتؤهله للاندماج في المجتمع العسكري أو التشكيلات العسكرية بسهولة . في هذا البحث سنركز على الأطفال الجنود في سورية والعالم وسنلقي الضوء على الأسباب والظروف التي قادت الأطفال إلى ترك المدرسة والانخراط في صفوف المجموعات والمجتمعات المسلحة .
خلال سنوات الحرب على سورية ، تم تجنيد الأطفال في المجموعات الإرهابية المسلحة وخاصة الأعمار الصغيرة بين 9 سنوات و14 عاما . وربما كان السبب خلف انخراط هؤلاء الأطفال في صفوف المجموعات الإرهابية المسلحة هو فقدان سيطرة الدولة على بعض الأماكن خلال سنوات الحرب الأولى وشعور هؤلاء الأطفال وذويهم بعد الأمان الأمر الذي دفعهم لطلب الحماية من أي طرف يسيطر على الأرض . لقد كان معظم هؤلاء الأطفال غير مدربين على استخدام السلاح خاصة وأن الحكومة السورية كانت قد ألغت مادة التربية العسكرية من المناهج الدراسية مع بداية عام 2000 م ، ثم وُضع هؤلاء الأطفال في أجواء المعارك والقتال الحربي والعنف والفوضى نتيجة ظروف الصراع المسلح في مناطق غياب سلطة الدولة الرسمية . لقد كان تجنيد الأطفال واجبارهم على ارتكاب الجرائم وممارسة القتل والذبح من الجرائم التي يعاقب عليها القانون السوري المحلي والقانون الدولي . نورد في هذا المال بعض الحقائق الدامغة حول تجنيد الأطفال وإدخالهم عنوة في أجواء العنف والقتال والجريمة المنظمة وقتل الطفولة خدمة للأيديولوجية المنحرفة والمتطرفة في أكثر من مكان في مناطق سيطرة الحركات الإرهابية المسلحة :
قام 1100 طفل مجند في صفوف المجموعات الإرهابية بممارسة عمليات القتل والذبح في مناطق سيطرة الإرهابيين في الرقة ودير الزور والجزيرة السورية والطبقة والباب ومنبج وحلب وريف دمشق ودرعا مناطق أخرى متفرقة من مناطق سيطرة داعش والمتطرفين.
تم تحريض 200 طفل في درعا وريف دمشق وحمص وحلب وإدلب على ممارسة الاغتصاب بحق سبايا وضحايا الإرهاب والأعمال الحربية والقتالية.
في عام 2017 م لوحدها ، قُتل حوالي 910 طفل نتيجة استخدامهم من قبل داعش والمجموعات الإرهابية المسلحة الأخرى في الأعمال والتفجيرات الانتحارية والقتال في الخطوط الأولى والحراسة في النقاط المتقدمة .
رصدت الأمم المتحدة حركة تجنيد نشيطة للأطفال في صفوف المجموعات الإرهابية المسلحة بين عامي 2015 و 2016 حيث وصل العدد إلى 851 طفلا وقد كانت دوافع التجنيد لهؤلاء الأطفال الرواتب الكبيرة والأيديولوجيا والخلفية العائلية والقبلية والمجتمعية . كما تم رصد حركة تجنيد بين صفوف الإناث ضمن المجموعات المسلحة ناجمة عن الضغط المجتمعي والزواج القسري والإهانات الاجتماعية والأهلية والتمرد على الواقع المعاش .
لقد تم تشجيع الأطفال للانخراط في صفوف المجموعات المسلحة نتيجة الفقر والجهل والرغبة في اثبات الذات والعقيدة والاستهداف المستمر من المجموعات المسلحة .تشير التقارير إلى أن كل طفل كان يتلقى حوالي 400 دولار شهريا وقد استهدفت حملات تجنيد الأطفال في مناطق سيطرة الإرهاب العائلات الفقيرة حيث تعهد المستفيدون بتقديم الدعم المالي والغذاء والكساء لعائلات الأطفال المجندين .
في عام 2015 ، ركزت المجموعات الإرهابية المسلحة على خطف الأطفال واستهدفت الأقليات والمجموعات الأثنية الصغيرة في حمص وحماة واللاذقية وحلب وإدلب وجسر الشغور والرقة ودير الزور وريف دمشق وقد تم استخدام الأطفال في تمثيليات استخدام السلاح الكيماوي ضد الحكومة السورية . وقامت داعش لوحدها في عام 2015 م باختطاف 463 طفلا من الأقليات الصغيرة كما تم اختطاف مئات النساء والأطفال الرضع في سورية والعراق وتشير التقارير إلى وجود حوالي 3500 طفل وامرأة في سوق النخاسة التي أقامته داعش في أكثر من مكان من مناطق سيطرتها.
ادعت قوات سورية الديمقراطية بأنها ترفض تجنيد الأطفال تحت سن 18 عاما لكن المراقبين وشهود العيان أكدوا أن تجنيد الأطفال لدى هذه القوات ليس أفضل حالا من المجموعات الإرهابية المسلحة .
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تجنيد الأطفال السوريين في الأعمال الحربية نفذ بكثرة لدى ما يسمى بالجيش السوري الحر وبنسبة قاربت 60% من عدد الأطفال المجندين . ومن المعلوم أن مكونات ما يسمى بالجيش السوري الحر هي من المتمردين والجنود والضباط المنشقين عن الجيش العربي السوري الذين لجأوا إلى تركيا حيث يتم توجيههم وتمويلهم من المخابرات التركية .
يتم اعتقال الأطفال الذين يتمردون على المجموعات المسلحة التي تسيطر على الأرض أو الذين يشتبه بدعمهم للحكومة السورية ولهذا السبب يلتحقون بصفوف المجموعات المسلحة كحل بديل .
تحاصر المجموعات الإرهابية المسلحة اعدادا كبيرة من الأطفال في مناطق سيطرتها إذ لا حول لهم ولا قوة في ظل غياب السلطات الحكومية وانتشار الفوضى والارهاب وغياب المدارس الحكومية المنظمة وقد تم تحرير العديد من الأطفال والنساء في حمص وريف دمشق وحماة ودير الزور وحاليا تحتجز المجموعات الإرهابية المسلحة حوالي مئتي ألف طفل في إدلب لوحدها وتمنعها من الوصول إلى المعابر الإنسانية التي تؤمنها الحكومة السورية للأطفال والعائلات .
تحاول الأمم المتحدة بالتعاون مع الحكومة السورية تأمين المساعدات ووسائل الدراسة والمدارس المتنقلة ضمن برنامج المساعدة الإنسانية التي يديرها الهلال الأحمر السوري لحوالي 13.5 مليون إنسان داخل سورية .
تظهر هذه الإحصاءات حجم المأساة التي لحقت بالطفولة نتيجة الحرب الهمجية على سورية خلال عشر سنوات . يحتاج الأطفال السوريون الكثير من العون والدعم المعنوي والنفسي للخروج من ظلال الحرب وانتشار ثقافة العنف والدم والحرمان واليتم والألم .
وعلينا أن نطلق برامج التأهيل المستدام والإلزامي للطفولة السورية وخاصة الأطفال الجنود الذين يحتاجون غسيل الروح والتأهيل والدمج في المجتمع المحلي السوري . وعلينا تأسيس برامج الدعم الفيزيولوجي والنفسي للأطفال وذويهم الذين يعانون الكثير من البؤس والألم .
ويجب أن تستهدف هذه البرامج اعادة بناء العلاقات التي خربتها الحرب بين المجتمعات المختلفة وضمن المجتمع الواحد والعائلة الواحدة والأسرة الواحدة خاصة وأن التأهيل والدمج من التحديات الكبيرة التي تواجه المجتمعات والبلدان التي عانت من الحروب .

……. يتبع……..

لا تعليقات

اترك رد