نور في الظلام أول شريط سينمائي طويل لخولة بنعمر

 

في إطار اللقاءات السينمائية الشهرية ، وعرض شريط في الخميس الأخير من كل شهر، اختار النادي السينمائي التابع لجمعية أكورا للفنون التي يترأسها المخرج إدريس اشويكة ليلة الخميس 28 نونبر 2019 عرض شريط “نور في الظلام” في قاعة الأطلنتيد بآسفي، وذلك بحضور محرجة الشريط خولة اسراب بنعمر وكاتب القصة والسيناريو رؤوف الصباحي والفيلم حاصل على جائزة العمل الأول في كل من المهرجان الوطني بطنجة في دورته 18 ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر الأبيض المتوسط في دورته33 والتي أطلق عليها دورة “حسين فهمي”، إضافة إلى عرضه بعدد من الدول،

فيلم “نور في الظلام” يحيل على عدد من الأعمال الفنية بنفس العنوان عربية وعالمية يكفي أن نذكر منها الفيلم قصير (the light of darkness ) لميشال كارجيل، المسلسل إيراني من عدة حلقات حول حياة الفيلسوف الشيرازي والظروف العامة للعهد الصفوي في القرن الحادي عشر وعلاقات إيران مع دول الجوار والدول التي كانت تخطط للهجوم عليها والمسلسل أذاعته قناة الكوثر سنة 2018، إضافة إلى المسرحية الاستعراضية الخليجية بتقنيات عالية في الإضاءة والتشخيص من تأليف محمد الكندري وإخراج يوسف البغلي، وإن كانت هذه الأعمال قد سخرت لها إمكانات مالية ضخمة وتقنيات عالية في التصوير، فإن المخرجة خولة بنعمر ، وزوجها رؤوف نحل الإعلامي الكبير رشيد الصباحي قد اختارا إخراج فيلم حسب الإمكانات المتاحة، فأسندا البطولة لممثلين شباب يقفون لأول مرة أمام الكاميرا خاصة أميمة الشباك وحسين أغبالو اللذين أديا دور البطولة، مع الاعتماد على بعض الممثلين الذين لهم حضورهم في المشهد السينمائي الوطني على رأسهم الممثلة لطيفة أحرار ، والممثل صالح بن صالح

تيماتيا الفيلم يحكي تجربة شاب (حسين اغبالو) يعيش وضعية إعاقة بصرية في وسط طلابي يحلم بأن يكون مذيعا بالتلفزيون، يتخبط في معاناة داخلية بين عدم تقبله للإعاقة و محاولته معاندة وإقناع نفسه ومن حوله بنجاحه في تحقيق هدفه، تتعلق به فتاة من أسرة أرستقراطية تدرس السينما وتخلص له وتحاول مساعدته بكل ما أوتيت من قوة دون جدوى ما دام يرفض مساعدتها، لتتعمق أزمته بعد عجز أرسرته (والده الذي أدى دوره الممثل عبد اللطيف الخمولي) عن تقديم أي دعم مالي له لما فتحت له فرصة سفر تكويني إلى فرنسا..

الفيلم موجه لمتلقي مننوع خاص فهو فلمُ قضيةٍ، بعيد عن الأفلام التجارية القائمة على الحركة وجمالية وسرعة الصورة، ومختلِف عن معظم الأفلام التي تناولت تيمة الإعاقة، فجاء بعيدا عن تلك الأفلام التي تستهدف التركيز على معاناة المعاق الذي يكسب عطف المتفرجين، وعن صورة ذلك المعاق القادر على تحدي كل الصعاب… ليقدم الشريط صورة غير نمطية، البطل فيها شخص عادي يعيش حياة عادية بين الطلبة، قلما تلقى إهانات أو مضايقات بسبب إعاقته، ولعل السبب وراء ذلك استلهام المؤلف لعدد من الأفكار والمواقف من حياة والده ( الصحفي المقتدر رشيد الصباحي) والذي يؤكد كل من عاشره على حدسه وتعامله كالمبصرين، فكانت الذاتية وما هو سِيَري حاضران بقوة في الشريط…

تقنيا المخرجة اختارت تصوير الفيلم بالأبيض والأسود، ونجحت بشكل كبير في توظيف البياض والسواد/ الضوء والنور (تماشيا مع العنوان) وجعل الشاشة سوداء عدة مرات والتوفيق بين سينوغرافية الفيلم و تصويره، تعمدت أحيانا كثيرة وضع الكاميرا في وضعيات قلما اعتمدها المخرجين المغاربة فصورت في عدة لقطات الشخصيات من الخلف خلال السر أو أثناء الوقوف بجانب البحر، مع التركيز في تصوير البطلة من الأعلى سواء وهي في السرير، أو أثناء زياراتها لعشيقها الذي كان صديقه يكلمها من الشرفة، أو أثناء رسمها لوحاته بطريقة تخدم مقصدية الفيلم… كما خدمت الفيم تقنيةتقديم الصوت على الصورة أو تأخيره عنها في حوالي أربع أو حمس مرات لتؤكد المخرجة أن ذلك كان مقصودا حتى يبقى رنين الصوت في أذن البطل والمتلقي الذي يستعمل أذنيه للسمع والبصر…

وبما أن الشريط يستلهم من حياة الإذاعي رشيد الصباحي، فقد كان هذا الصحفي حاضرا بقوة في الفيلم من أول جملة سينمائية إذ انطلق الجنيريك بحوار بين الأبن (كاتب القصة والسيناريو) وأبيه وعلى تتمة الحوار استل الستار على أحداث الفيلم ليغلق دائرة النص بالعودة إلى نقطة الانطلاق، فكان الحوار بمتابة الخيط الرابط(conducteur fil ) في شريط غير وثائقي، ومع ذلك فقد كان مسار الأحداث تصاعديا وفق تسلسل ومني ـ وتسلسل منطي لا إرجاعيات ( Back Flash) فيه ولا تذكر لمراحل مضت، دون أن يستطيع المتفرج معرفة زمن القصة ولا مكانها، وهو ما يجعلها قصة نمطية(Typique) يمكن تخيل وقوعها في أي مكان وزمان.

وعلى الرغم من الحضور القليل الذي تابع الفيلم، فإن الشريط يبقى شأنه شأن كل عمل جاد لا تتابعه إلا النخبة في عصر غدا الجمهور الأوسع يتسابق على التفاهة والأكلات السريعة، وأعمال ال( gag)، ويكون “فيلم نور في الظلام” إضافة نوعية للتراكم القليل في مجال مقاربة السينما المغربية للإعاقة عامة و البصرية منها خصوصا، بطريقة فنية انطلقت مما هو ذاتي لتشد الجمور، فكل عمل ذاتي قادر على أن يستحيل عملا فنيا ناجحا إذا روي بصدق ، والصدق والبساطة أهم ما ميز “نور في الظلام” فالبطل تمكن من تحقيق هدفه وفق تطور الأحداث بالاعتماد على إمكاناته الذاتية وبمساعدة مدربة اعتمدت على تقنيات التواصل الحديثة ن واستكشاف المؤهلات الذاتية للبطل، دون أن تحط البطل محط شفقة. لتكون الرسالة من الشريط موجهة للشباب ودعوة للاعتماد على الذات والإيمان بالقدرات والكفاءات الدفينة فينا، خاصة وأن التصوير تم بفضاءات مدينة العرفان بمؤسساتها الجامعية ومعاهدها العليا وما تمثله في الذاكر الجمعية للطلبة والشباب…

لا تعليقات

اترك رد