العمامة والعقال

 

بين العمامة والعقال تُختبر معادن الرجال ، و قد روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : العمائم تيجان العرب فإذا وضعوها وضع الله عزهم . ولكن متى وكيف تصبح العمامة كالقمامة ويُذًل العقال؟ و كيف يمكن لزي عربي تقليدي موروث أن يصبح قوة فوق القانون تتحكم بمصائر الشعوب و الدول و تسهم بشكل كبير في صياغة الحياة السياسية والإجتماعية والدينية للمواطن؟

تشير المصادر التأريخية الى أن أول ظهور للعمامة كان في بلاد الرافدين ما يقارب 2500 عام قبل الميلاد ثم إنتشرت تدريجياً بعد ذلك في الجزيرة العربية وبلاد الشام و مصر و تركيا ثم وصلت الى الحضارات الهندية والأوربية و كان الغرض منها في البداية هو حماية الرأس من حرارة الشمس والأتربة و تقلبات الجو ، و قد إتخذت العمائم أشكالاً و ألواناً متعددة حسب طبيعة و ظروف البلدان والشعوب ، ففي حالات السلم والرخاء كان العرب يلبسون العمائم البيضاء والخضراء أما في ظروف الحرب وحالات الثأر والإنتقام والنزاعات القبلية فكانوا يتعممون بالسواد . وكان العرب في الجاهلية والإسلام مروراً بمختلف الأزمنة والعصور يتفاخرون في لبس العمامة لما تمثله من وجاهة و شرف ويعقدون بها لواء الحرب ولا يلبسها سوى علية القوم وأشرافهم وأشجعهم من الملوك والأمراء وقادة الجيوش والقضاة والفقهاء والعلماء و كانت العمامة إذا أهينت لحق الذل بصاحبها وإذا هضم الرجل و أهين ألقى بعمامته على الأرض وطالب بإنصافه لما فيها من معاني الإحترام و العز والكرامة . من هذا المنطلق ورثت بعض الشعوب تقديس العمامة و تبجيل معتمريها وإتباعهم بشكل اعمى حتى تحولت العمامة و صاحبها الى مرجع ديني و روحي للبعض ممن سلم العقل والروح و هو يراهن على نزاهة الرجل المعمم و قدسية العمامة . إلا أن البعض من أصحاب العمائم المتأسلمين أساء إستخدام العمامة وإتخذ منها جسراً للوصول الى أهداف مادية وسياسية بحتة وجردها من قيمتها الروحية والدينية التي وجدت من أجلها و جعل منها النواة في تاسيس الإسلام السياسي فكرياً وبشرياً في العراق والمنطقة . فمنذ سقوط حكم الشاه في إيران عام 1979 ومجيئ الخميني الى سدة الحكم الذي بدأ بتصديرما يسمى بالثورة الإسلامية في إيران كان لبلاد فارس النصيب الأكبر في لبس العمائم وإنتشار رجال الدين المعممون في المنطقة الذين بدورهم نقلوا ظاهرة لبس العمائم الى العراق بشكل لم يألفه العراقيون من قبل بُعيد إحتلال العراق وتغلغلهم فيه و زرع عملائهم في أرجائه حتى إنتشرت بكتريا الدين المزيف في جسد العراق المريض وأصابت بعضاً ممن تولى إدارة العملية السياسية فيه بداء التبعية والخنوع لإيران نتيجة تسييس الدين و تحويله الى فكر سياسي باطل يخدم كافة مصالح المحتل الإيراني الصفوي وعلى حساب العامة والبسطاء من الناس تحت راية مظلومية اّل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام والثأر الخالد لقتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما.

عندما تتخلى العمامة عن مسؤوليتها الدينية والروحية والتربوية وتنخرط في دهاليز العمل السياسي المشوه و تسهم بشكل كبير في صنع القرار السياسي الخاطىئ وحماية الطبقة السياسية الفاسدة والتستر والصمت على ممارسات القتل والتعذيب و قمع المواطنين التي تمارسها الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق وميليشياتها الصفوية الفارسية ، فأعلم أن هذه العمامة قد تحولت الى كيس من القُمامة فوق رأس متعفن ولا يمكن لشعب العراق الحر الأبي أن يتقبلها بعد اليوم .

أما العقال الذي أسماه العرب قديماً “تاج الرأس” فقد كان أقدم ظهور له في جنوب الأردن قبل أكثر من 3000 عام قبل الميلاد وهو شرفًٌٌُُ يعتمر به شيوخ العشائرالعراقية والعربية بشكل عام لأنه يمثل قيم الرجولة والغيرة والكرامة و الإنتماء للأرض ، أما إذا تم تسييس العقال وتوظيفه في إجهاض الروح الوطنية و إسترخاص دماء الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل وطن عراقي يليق بالعشيرة والتواطؤ مع الفاسدين وقتلة الشعب من أجل حفنة من الدولارات لا تساوي قطرة نفط عراقية سرقها أهل الدار أو قطرة دم عراقية زكية أرأقها أهل الدار فأعلم أن العقال قد فرغ من محتواه اليعربي الأصيل و وقع صاحبه في وحل الذل والمهانة و إستقر في الحضيض حتى لا يرى عزاً و كرامةً بعدها . لأصحاب العمائم وشيوخ العشائر نقول ، الـتأريخ لا يرحم وأنتم مؤتمنون فربما لا تجدون يوماً ما عمامة ترفعون بها هاماتكم أو عقالاً يحمي رؤوسكم من يقظة الشعوب !

لا تعليقات

اترك رد