زائر في ليلة شتوية

 

هي قصة كغيرها من القصص .. تتشابه في الحدث لكنها تختلف في التأثير … تحمل في طياتها الكثير من الحزن القاتم الذي يصطحب معه سمات الخوف ولون الفراق …

بطلها .. صديقي .. او هو ذكرى صديقي .. رواها لي في ليلة استثنائية .. ليلة شتوية .. باردة هادئة .. غريبة وطويلة ..

كنت لوحدي كالمعتاد حيث أقضي أغلب ايامي وليالي وحيداً .. الوذ لمخبأي الصغير بصحبة هدوئي الذي اجبرت عليه واسئلتي الغريبة التي باتت ترضى بعدم الاجابة .. ينير طريقي في شقتي الصغيرة جداً مصباح وحيد يعمل باستمرار ودون توقف، مادام في سلكه الاسود المتهالك التيار الكهربائي … هو يضيء في الليل والنهار .. عشوائي ذلك الضوء الاصفر الخافت فلا يتحكم بإضائته أي مركز او نقطة على خلاف باقي المصابيح المرفهة التي تحتل مراكز ستراتيجية هامة في باقي القصور المترفة ..

تعودت الأعتياش على عشوائية مصباحي بتلك الاضاءة .. فأرسم من خلال خطوطه الصفراء طريقي داخل سكني الصغير وانا اتفقد اشيائي القليلة وارتب فراشي قبل ان أعلن استسلامي لما تخبئه لي احلام الشتاء الطويلة التي تنقلني في دقائق قصيرة لأعيش حياة اخرى بأحداث مشتتة وانتقالات غريبة في عوالم حديثة وأخرى قديمة وبسيناريوهات غير معهودة ولا منضبطة .. صراعات واحداث .. اعيشها في ايام طويلة .. لاصحو مرعوباً من قسوتها .. فاكتشف بأنها سويعات قليلة .. لأقر بأني خدعت مرة اخرى وبأمتياز وبفضل تلك الليالي الشتوية الطويلة…

أنا اخدع دائماً .. لأعود واحتضن الوسادة مرة ثانية وأنا أجر اذيال الخيبة وعدم الاتعاض من نعومتها واغرائها لرأسي المثقل بالغربة والذي يريد ان يتكأ على اي مسند يحمل منه بعض حزنه .. ويخفف عنه الم غربته .. ووحدته ..

في تلك الليلة الاستثنائية والهادئة قرر مصباحي الاصفر الضعيف ان يعلن استسلامه لقرار المسؤول عن تغذية منطقتنا بالكهرباء الوطنية .. الذي اوقف كرمه المصحوب بمذلتنا، وحزم امره وقرر ايقاف كرمه مؤقتاً .. فكانت تلك العتمة والهدوء المخيفين والمقيتين … ليعلنا بأنهما سيدا الموقف في كل ارجاء المنطقة … ليكون حالي المعتاد هو اللجوء لتلك الوسادة المخادعة مرة اخرى .. فيكون لهما ما تريد حيث هي من ستضع شروط اللعبة …

نعم هو النوم الان .. بأنتظار من سيطرق باب احلامي او كوابيسي او تهيئاتي … لحظات حتى اغمضت عيناي وبدأت الصور السريعة والاحاديث القديمة تفعل فعلها فيما تبقى من رأسي المنهك ..

فجأة يظهر امامي صديقي يأتي ماشياً ممرٍ مظلم طويل قادما نحوي .. بدا حزيناً .. متعباً هزيلاً ومهزوماً .. شاحب الوجه .. لكنه عاد شاباً كما كان في ايام صحبتي القديمة له … لكن ما جاء به بعد كل هذه السنوات الطويلة التي خطت قرار فراقنا بأيامها البعيدة ..

ودون اية مقدمات .. باشر صديقي بكلامه بعد ان جلس امامي وبقعة الضوء المبهمة والخجولة هي المعلم الوحيد الذي يحيط بجسدينا لتكشف معالم وجوهنا المتعبة ..

قال لي وصوته يرتجف وأنامله الباردة تمسك بيدي الخائفتين: اخذت زوجتي “احلام” وابنتي “هيام” بسيارتي لأشتري هدية لأبنتي من متجر قريب من بيتي فـ”هيام” نجحت .. وانتقلت للمرحلة الثانية من دراستها الابتدائية ولم يعلم بهذه النتيجة غيري، علمت بها بالصدفة فكانت فرحتي عظيمة كفرحتي بيوم ولادتها .. قلت في نفسي سأفاجهم .. افاجأ “احلام” وافاجئ “هيام” بهدية افجر خلالها خبر نجاح “هيام” ..

زوجتي كانت معترضة جداً على الذهاب الى السوق ورفضت وبشدة وبغرابة ذهابي الى هناك دون ان تعلم ان لدي سبب قوقي بالذهاب لذاك المتجر .. وان أسبابي في الذهاب أهم من سببها في الذهاب لبيت اهلها واستقبال اخيها القادم من السفر بعد سنوات طويلة من الغربة ..

صديقي وصف لي ألم اختياره ولوعة قراره .. لم افهم منه سبب كل هذا الشجن وتلك الحرقة .. ولماذا تنساب تلك القطرات من عينيه وهي تشق

طريقها نحو قلبي .. لتجرف لي سيل أحزانه القاتمة والعميقة …. اسئلة عدة واستفهامات كثيرة كدت ان اوجهها له .. لتأتيني اجابته بأسرع من توقعاتي ..

قال والكلمات تخرج من فمه الحزين بكل هدوء: بعد نزولي من سيارتي متجهاً نحو محل الهدايا … حدث أمر غريب كأن أحدهم دفعني بقوة لم اسمع شيئاً .. لكن كل شيء تغير في لحظات .. تهدم المكان واحترقت أركانه وتبعثر الناس وتهشم الزجاج وتناثرت الاشلاء ..

الا … أنا .. واقفت لم اعاني كما يعاني الاخرون اشاهد ما يجري .. كنت مصدوماً، مذهولاً وخائفاً مما أرى ..

حتى هدأ كل شيء .. سكت الجميع .. البشر والحجر والاشجار والطيور واصوات السيارات .. هنا قررت مغادرة المكان .. سرت وحدي .. بعيداً عن هذا الموقع المؤلم .. أسير وأنا أسأل نفسي ماذا جرى لم كنت هناك ؟ ماذا حصل ؟ لم تغير كل شيء ؟ كيف اصبح المكان اسوداً في لحظات .. ؟

لا اعرف كم من الوقت مشيت .. لم أدرك ما يجري … في لحظة نسيت كل شيء حتى أسمي … سرت بعيداً .. وأنا اسأل نفسي .. من أنا ؟ ماذا جرى ؟ أطرح أسئلتي والناس يركضون وسيارات الاسعاف تنقل ماتبقى منهم .. هنا تفقدت جسمي .. انا بخير حتى أني لم أصب بأي جرح .. وملابسي لم تحترق ولم تتمزق … جلست من بعيد أشاهد مايجري وانا حزين .. اسمعهم يقولون تفجير ارهابي ..

أحدهم .. قتل الناس حطم المكان حرق الاحلام .. فعل كل ذلك .. ليبني له قصراً في الجنة … ذهبت بعيداً مرة أخرى وأنا أشعر بحرية غريبة وراحة مقلقة .. لم أعتد ما أنا عليه …

إلى اين أنا ذاهب ؟ لا أعلم .. أسير ولا أعلم كم من الوقت مرت ربما ساعة .. ربما يوم او ربما اسبوعاً .. يأتي الليل فيذهب النهار .. وأنا أسير دون توقف … حتى رأيت تلك الطفلة بثوبها الاصفر المشع ووجهها البريء وشعرها الاسود الذي اطلق العنان لاطرافه الجامحة لتداعب الريح وهي تعتلي كتف والدها .. وتضحك معه بعذوبة .. وتجذب رأسه لوجهها ..

من هي ؟ لماذا يشدني هذا المنظر هو ليس بغريب عني .. صراع الذاكرة في رأسي يحتدم وهو يصارع النسيان ويحاول جاهداً التغلب عليه .. فكانت تلك اللحظة التي تذكرت فيها اسم جميلتي الصغيرة هيام … لتلتحق بها بقايا صورة زوجتي احلام .. لتعلن المخاوف حقيقة ولادتها بداخلي وتعلن سيطرتها على قواي وتأمر كل أعضائي بالارتجاف .. تلك البقعة السوداء مكان الانفجار كنت فيه وسيارتي هناك … ماذا جرى لم تركتهم في تلك البقعة السوداء ..؟

هنا توقف صديقي القديم عن الكلام .. فمجرى دموعه قطع الطريق امام كلماته .. ليتوقف الزمن بيني وبينه .. لحظات قاسية معتمة وصلبة … قبضت على يديه بشدة .. أبلغته دون كلام .. أكمل ياصديقي دعني أحمل معك عناء رحلتك القاسية .. يقول ذاك الحزين وهو يكمل لي: عدت لمكان الحادث .. الى حيث كانت النهاية .. لا أثر لما حصل .. لاوجود لتلك المأساة .. سوى جدران مهدمة ومحل الهدايا اصبح ركام ..

اسأل الجميع … فلا أحد يلتفت لي … ولا مجيب لسؤالي … أين هيام .. أين أمها ؟ اين سيارتي ؟ الى اين ذهبوا … بقيت في ذاك المكان كثيراً بين موقع الانفجار ومكان سيارتي (التي لم أجدها هي الاخرى) والتي كانت تبعد بضع مئات من الامتار عن مكان الحادث …

أسترق السمع من الناس وأتوسل تفاصيل أحاديثهم .. علها ترشدني لعائلتي .. لا أحد يجيبني .. ما عساي ان افعل ماذا اقول لأهلي وأهلها .. أين أبنتي .. أين زوجتي .. ؟ اي لحظات تلك التي حرمتني منهم .. سأذهب لا خبر الجميع يما جرى .. وكيف سرقوا عائلتي مني .. توجهت لمحل سكنهم وقفت على بابهم ..

حزن غريب وهدوء مزعج .. سأدخل سأخبرهم .. سيساعدوني لأجدهم …

خطواتي توجهت نحو جدرانهم .. أتلمس طريقي الموحش وأنا بأنتظار الاجابة .. رأيتهم مجتمعين كلهم حول أبنتي وزوجتي .. ضمادات كثيرة حول اجسادهم … يا الله .. هم بخير .. هم أحياء يتحدثون .. اجهت بالبكاء احتضنت “هيام” الصغيرة اقبلها اقبل وجهها .. أمسك بيد “احلام” التي افترشت الفراش هي الاخرى .. “احلام” .. حزينة ومحبطة

.. وأنا أصرخ فرحاً واضحك وأحمد الله على رحمته بعائلتي .. “هيام” ستشفى و”أحلام” حية لم تمت … يا الله ما أعظم فرحتي ..

هنا استجمعت قواي مع صديقي .. وقررت دموع فرحي مشاركتي تلك المشاعر مع صديقي .. فغادرت مقلتي دون عودة .. وهي ترسم الامل من جديد لأرى صديقي بين “احلام وهيام” .. باركت له وحمدت الله معه .. لكنه ظل حزيناً .. لم يشاركني الفرحة .. توقفت دموعي وجفت فرحتي وتريثت آمالي ..

بقى الهدوء يفرض هيبته علينا .. ما بك يا صديقي .. هل لحكايتك هذه قرار آخر .. وكالمعتاد لم تكد اسئلتي تفارق رأسي .. حتى تأتيني اجابته .. فقال :

“هيام” لم تشعر بوجودي و”احلام” لم تشاركني فرحتي .. لم تحتضنني تلك الجميلة ولم تضع يدها الصغيرة على وجهي .. ولم تلتفت لي “احلام” .. صرخت .. ما بالكم أنا هنا … أنا معكم لم يسمعني احد ولم يهتم لأمري أياً منهم .. امها، اخوها، اختها الجميع وحتى اختي التي كانت هناك .. صرخت ثانية ما بلكم .. انا هنا .. لم يجيبوني أيضاً .. ذهبت بعيداً عنهم في غرفة اخرى كنت أرتادها حين ازورهم مع عائلتي .. جلست وحيداً حزيناً منكسراً .. لا احد سعيد بقدومي ..

هل استحق كل هذا لأني اصريت على الذهاب لذاك المتجر .. هل كل هذا التجاهل هو عقابي لذاك القرار …

هنا وفي لحظة ما .. طُرِقَ الباب .. شعرت بفرحة في داخلي … علهم ندموا على فعلتهم معي .. وتأسفوا على تجاهلهم لي .. كبريائي المسحوق قرر عدم الاجابة وأعلن عدم فتح باب الغرفة .. نعم هي الحاجة للشعور بالنصر واسترداد الذات ولو بطرقة باب واحدة ..

وقفت متجهاً نحو الباب .. لحظات الانتصار القليلة .. اشبعت غروري، وسيل الحنين لـ”هيام واحلام” قرر الوقوف بوجه عنادي بشدة .. وقفت امام الباب .. لتأتيني المفاجئة الاشد … من هذا ؟ خالي … يعتمر سدارته السوداء ويتكأ على عكازه القديم .. ماذا يفعل هنا ؟ … هو متوف من سنوات .. يا الله .. هل هو شبح ام ماذا ؟ .. سألته كيف دخلت هنا ؟ انا

لم افتح لك الباب … فأجابني بقوة وحزن وشفقة: يابني لم أعد بحاحة لمن يفتح لي الابواب .. وأنت كذلك ..
وكيف ذلك؟ فيجيب: نعم يابني مثلي ومثلك لايحتاجون لفتح الابواب ليدخلوا ولايحتاجون ليأكلوا او يشربوا او يغيروا ملابسهم ..

نحن الان ننتظر مرحلة أخرى .. عليك ان تدركها انت كما ادركتها انا … لكن الفرق بيني وبينك … أني لم اجد من يعنيني على فهم مرحلتي الجديدة .. فقلت له: يا خال .. انت ميت منذ سنوات فقال لي … وانت كذلك يابني لكن منذ أشهر ..

ماذا ؟ هل أنا ميت ..؟ هل انا كذلك حتى لايشعر بي من حولي ..؟ هل هو ذاك التفجير؟ يا ألله ماذا حصل لي؟ لماذا أنا؟ هل أستحق كل هذه القسوة؟ ماذا أفعل بحبي العظيم لهيام واحلام .. ؟

رد خالي على استفهاماتي بجواب مختصر لملم به جراح فراقه لعائلته .. وقال لي كلهم سيلتحقون بنا … وسنأتي يوماً نا لنستقبلهم ونأخذهم معنا … لكن الغريب هو انك تقتل فلا تعلم من قتلك ولا تعلم لم قتلك ستأتي معي وستعلم كل ذلك وغيره ..

اخرج الان من هذا الباب أو الحائط وانظر لـ”هيام واحلام” لأخر مرة وأحتفظ بصورتهما في بقايا ذاكرتك … أبنتك وزوجتك حزينتان على فقدانك .. وتعيش بداخلهم دائماً وستبقى ذكراك معهما ..

يابني هو وقت الرحيل ونهاية فرصة البقاء وقساوة الفراق ووحشة الوحدة ولوعة البقاء في الانتظار …

نهض صديقي القديم .. وقال لي هذه قصتي ونهاية رحلتي أرويها للجميع وأسأل من لديه الحقيقة وسر المعرفة وقدرة التنجيم على تفسير هذا الحلم …

وداع صديقي كان قاسياً .. وحزن الفراق ودموع العبرة ايقظتني وانا محطم ومشلول الحركة ..

لأجد نفسي مرة اخرى .. وقد خدعتني وسادتي الناعمة ومصباحي الاصفر يضيء مرة اخرى ويسجل كرم جديد يضاف لمكارم صاحب الامرومدعي المسؤولية ومن تسيد المشهد … وأعود مرة اخرى .. وأنا اترجى وسادتي حتى تمنحني الراحة والسكينة ولو لساعات قليلة …

لا تعليقات

اترك رد