مظاهرات الشوارع وقناديلها

 

اندلعت خلال السنوات الأخيرة احتجاجات حاشدة في أكثر من مكان في العالم وانتشرت بين مختلف دول العالم انتشار النار في الهشيم ، وعندما تتبنى الولايات المتحدة هذه الاحتجاجات تتحول إلى موضة وفلكلور بدءا من هونكونغ والساحة الحمراء وكاتلونيا و تشيلي وباكستان والصين والهند واندونيسيا وبوليفيا والاكوادور وهندوراس و فنزويلا وأوكرانيا والعراق واليمن وإيران وفرنسا وسورية وأخيرا لبنان . وهي جميعا احتجاجات مختلفة من حيث الأسباب وراءها وطرقها وأهدافها لكن هناك سمات عامة تربطها وتشير بالبنان إلى من يقف خلفها .
وعلى الرغم من تباعد المسافات بآلاف الأميال بين الاحتجاجات في العالم ، فإنها بدأت للأسباب نفسها في عدة بلدان ، وكان بعضها إلهام للآخرين في طريقة التنظيم وإدراك الأهداف .
وفيما يلي عرض للقضايا التي تطالب بها الاحتجاجات والمظاهرات وهي التي تربط كثيرين ممن خرجوا إلى الشوارع .لقد خرجوا جميعهم إلى الشوارع تحت شعارات نبيلة والحقيقة المرة أن من خرجوا للشوارع خرجوا لهدف بعيد تماما عن غايات ونوايا المستفيدين الحقيقيين من الاحتجاجات والمظاهرات .
الظلم الاجتماعي وعدم المساواة :
كثير ممن يحتجون في الشوارع أناس يشعرون منذ فترة طويلة بحرمانهم من ثروات بلدانهم. وكانت القشة الأخيرة في كثير من الحالات هي ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية.
بدأت المظاهرات في إيكوادور هذا الشهر عندما أعلنت الحكومة إلغاء دعم الوقود الذي استمر على مدى عقود في خطوة تهدف إلى تخفيض النفقات بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي . وحيث أن الناس في الشوارع ليسوا على دراية بعلاقة بلادهم بصندوق النقد الدولي ومقدار الديون وطريقة جدولة الديون فقد تدفق الناس إلى الشوارع وبدأت الاحتجاجات والمظاهرات وتحول الايكوادور إلى تربة خصبة لنشاط أجهزة المخابرات المعادية للحكومة وبدأ استغلال الحراك الشعبي وتوجيهه وفق مصالح دول خارجية . وقد أدى هذا الإجراء إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود لم يستطع كثيرون شراءه . وخشي السكان من أن يفضي الإجراء إلى زيادة أسعار المواصلات العامة والأغذية وأن أكثر المتضررين منه هم أهالي المناطق الريفية. أغلق المحتجون الطرق السريعة واقتحموا البرلمان واشتبكوا مع قوات الأمن خلال المظاهرات و طالبوا بإنهاء حالة التقشف وإعادة دعم الوقود. وتراجعت الحكومة بعد أيام فقط من خروج الاحتجاجات وانتهى العمل بالإجراء الجديد .
وفي تشيلي أفضى ارتفاع في أسعار المواصلات إلى خروج احتجاجات ومظاهرات. وأنحت الحكومة باللائمة في ارتفاع أسعار تذاكر الحافلات والمترو إلى زيادة تكاليف الوقود وضعف قيمة العملة لكن المحتجين قالوا إن ذلك كان أحدث إجراء للضغط على الفقراء. وبينما كان المتظاهرون يشتبكون مع قوات الأمن مساء الجمعة التقطت صور للرئيس ساباستيان بينيرا وهو يتناول العشاء في مطعم إيطالي راق ورأى بعضهم في ذلك إشارة إلى الهوة بين صفوة السياسيين في تشيلي والناس في الشوارع. تشيلي هي أحد بلدان أمريكا اللاتينية الغنية ولكنها أيضا في ذات من أكثرها فقدانا للمساواة إذ إن لديها أسوأ مستوى في عدم المساواة في الدخل بين 36 بلدا عضوا في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي. وكما حدث في إكوادور تراجعت حكومة تشيلي عن قرارها وعلقت زيادة أسعار التذاكر من أجل إنهاء الاحتجاجات. لكن المظاهرات تواصلت وزادت لتطالب برفع مظالم أوسع نطاقا. نقلت وكالة رويترز للأنباء عن طالب شارك في الاحتجاجات قوله : “ليست هذه احتجاجات بسيطة بسبب ارتفاع أسعار تذاكر المترو. إنها ضد قمع مستمر لسنوات أضر أساسا بالفقراء”.
وخرجت في لبنان احتجاجات مشابهة لما حدث في أمريكا اللاتينية مع ظهور خطط لفرض ضريبة على مكالمات تطبيق وتسآب، أفضت إلى مظاهرات أوسع نطاقا على المشكلات الاقتصادية وعدم المساوة والفساد وطالبت بإسقاط النظام الطائفي القائم في لبنان من عشرات السنين وكأن القاعدة الشعبية من اللبنانيين تحولت بين ليلة وضحاها إلى بلد علماني رغم أنهم في غالبيتهم يقتاتون في خبزهم من ملوك الطوائف والقوى الداعمة لهم .ومع ارتفاع مستويات الديون ظلت الحكومة اللبنانية تحاول تطبيق إصلاحات اقتصادية لتأمين حزمة مساعدات كبيرة من المانحين الدوليين. ولكن الناس العاديين يقولون إنهم يعانون بسبب سياسات الحكومة الاقتصادية وإن سوء إدارة الحكومة هي السبب في مشكلاتهم. قال أحد المتظاهرين في بيروت، واسمه عبد الله: “نحن لسنا هنا بسبب واتسآب، نحن هنا بسبب كل شيء: الوقود والأغذية والخبز وكل شيء”. وقد استغلت أجهزة المخابرات الخارجية الاضطرابات في الشوارع اللبنانية للتأجيج في محاولة للتأثير على حزب الله المعادي للغرب وللكيان الاسرائيلي.
الفساد
أهم سبب في عدد من الاحتجاجات هو فساد الحكومة والنظام السياسي والاقتصادي القائم الذي بدوره يقود إلى عدم المساواة. يقول المتظاهرون في لبنان إنهم في الوقت الذي يعانون فيه بسبب الأزمة الاقتصادية فإن قادة البلاد يستغلون مواقعهم في السلطة للثراء عبر العمولات وصفقات المحاباة. تقول إحدى المتظاهرات : “رأيت كثيرا من الأشياء الغريبة في حياتي التي تمتد لخمسين عاما لكني لم أر مثل فساد الحكومة في لبنان”. وافقت الحكومة على حزمة إصلاحات تتضمن تخفيض رواتب السياسيين من أجل إنهاء الاضطرابات لكنها لم تستفد شيئا وبقي الناس في الشوارع ورفعوا سقف مطالبهم الاصلاحية . وفي غمرة الاضطرابات وجد المتظاهرون من يقدم لهم الدعم الخارجي للبقاء في الشوارع من خيم ونقود وشماسي مطرية ومساعدة الامية ودعم لوجستي.
وطالب الناس في العراق أيضا بإنهاء النظام السياسي الذي قالوا إنه لم ينصفهم. وكان من بين نقاط الخلاف هناك تعيينات الحكومة التي تنبني على الطائفية أو الحصص العرقية وليس على الأفضلية . يرى المتظاهرون في العراق أن لا شيء تغير منذ سقوط نظام صدام حسين إلا الوجوه بل تراجع الأداء الحكومي من الناحية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية ونما الشعور الطائفي والديني والتطرف والروح القبلية والعشائرية . ويعتقد المحتجون إن هذا سمح للقادة بإساءة استغلال المال العام ومكافأة أنفسهم ومن يتبعونهم ولا يحصل معظم المواطنين إلا على الفتات. الحالة العراقية ليست أفضل حالا من مثيلاتها في الدول الأخرى ونجد مؤشرات على نمو نشاط وكالات المخابرات الخارجية لتأجيج المظاهرات والاضطرابات وحالة انتشار الفوضى .
وخرجت في مصر أيضا مظاهرات واحتجاجات على فساد الحكومة وكانت المظاهرات النادرة التي خرجت في أيلول تلبية لدعوة رجل الأعمال المصري المقيم في منفاه الاختياري في إسبانيا محمد علي والذي اتهم الرئيس عبد الفتاح السيسي والجيش المصري بالفساد. ولقيت دعوته للتظاهر أصداء لدى كثيرين من المصريين، الذين يعانون من إجراءات التقشف لفترة طويلة .
الحرية السياسية
يشعر المحتجون والمتظاهرون في بعض البلدان بالغضب على الأنظمة السياسية التي يعتبرون أنفسهم سجناء رأي لديها. وقد بدأت المظاهرات في هونغ كونغ هذا الصيف بسبب مشروع قانون كان سيسمح بترحيل المجرمين إلى الصين في بعض الحالات. وهونغ كونغ جزء من الصين حاليا وكانت تحت السيادة البريطانية ردحا من الزمن و الناس فيها يتمتعون بحريات خاصة مستقاة من القانون الإنكليزي وهناك خوف عميق لديهم من أن السلطات في بكين تريد فرض سيطرة أوسع عليها. وأدت الاحتجاجات في هونغ كونغ كما حدث بالنسبة إلى المحتجين في تشيلي ولبنان إلى سحب التشريع المثير للجدل لكن الاحتجاجات استمرت بتحريض وعم من الخارج بهدف خلخلة الأمن والاستقرار في هذا الجزء من الصين . ومن بين مطالب المحتجين حق الاقتراع وتحقيق محايد في الفظائع التي قالوا إن الشرطة ارتكبتها والعفو عن المتظاهرين الذين قبض عليهم في المظاهرات الأخيرة ومن قبل . وقد ألهمت أساليب المحتجين في هونغ كونغ النشطاء السياسيين عبر العالم. فخرج مئات الآلاف من الناس في برشلونة يعبرون عن غضبهم نتيجة سجن قادة الانفصال في كاتالونيا. وكان القادة قد أدينوا في 14 تشرين الأول بالتحريض على خلفية دورهم في استفتاء عام 2017 الذي جرمتّه المحاكم الإسبانية وإعلان استقلال الإقليم بعد ذلك. وعقب صدور الحكم على القادة، تلقى الناس في برشلونة رسالة على خدمة رسائل مشفرة تخبرهم بالتوجه إلى مطار إلبرات في برشلونة مقلدين أسلوبا استخدمه المحتجون في هونغ كونغ. وخلال توجههم إلى المطار هتفت مجموعة من الشباب: “سوف نعمل مثل هونغ كونغ” بحسب تقارير في وسائل الإعلام المحلية. كما وزع محتجو كاتالونيا منشورات مكتوبة في هونغ كونغ تبين للمتظاهرين طريقة حماية أنفسهم من خراطيم المياه وقنابل الغاز.
التغيير المناخي
ارتبط كثير من المظاهرات و الاحتجاجات بالبيئة وتغير المناخ. وظل النشطاء في حركة التمرد على الانقراض يحتجون في المدن في أنحاء العالم وهم يطالبون باتخاذ الحكومات إجراء فوريا حيال التغير المناخي . وخرجت تلك الاحتجاجات في بلدان مختلفة، منها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا والنمسا وفرنسا ونيوزيلاندا. وسلسل المشاركون أنفسهم وألصقوا أجسادهم بالطرقات والمركبات وحاولوا عرقلة مراكز المدن المزدحمة. وانضم صغار الشباب في أنحاء العالم إلى إضرابات أسبوعية ألهمتهم بها الناشطة السويدية غريتا ثونبيرغ . واشترك الملايين في إضراب بشأن المناخ قاده تلاميذ المدارس في أنحاء العالم في مدن عالمية مثل ملبورن ومومباي وبرلين ونيويورك. وكتب على لافتة لهم: “تركنا دروسنا، حتى نعلمكم درسا”.
فهل سنتعلم نحن درسا من هذه المظاهرات والاحتجاجات ؟
لا أدري

لا تعليقات

اترك رد