«الكاستينغ» الحكومي … و الولادة متعثرة

 

مشاورات.. اجتماعات.. لقاءات … محادثات …. تصورات … تصريحات … وتصريحات مضادة صلب الحزب الواحد أحيانا .. .دعوات لتشريك هذا الطرف من باب مصلحة الوطن وأصوات أخرى تصر على الرفض ودائما باسم مصلحة الوطن … وسط هذه المؤشرات « تطبخ » تشكيلة الحكومة القادمة على نار باردة … و وسط هذه الأجواء التي لا تخلُ من التوتُّرات مرت تسعة أيام على تكليف الحبيب الجملي بتشكيل الحكومة ، وهى فترة كانت كافية ليلتقي فيها بأغلب الأحزاب السياسية إضافة إلى المنظمات الوطنية هذا المشهد يطرح أكثر من سؤال حول حظوظ منح البرلمان ثقته لحكومة الجملي؟ هل سيستطيع الجملي تشكيل حكومة تعمل على برنامج يحقق نتائج إيجابية في الواقع ؟ وماهي حظوظ نجاح هذه الحكومة في الاستجابة للتطلعات الشعبية المعبّر عنها خلال الحملة الانتخابية ورفع التحدي في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية وتحسين عيش التونسيين ؟ و هل سيستطيع الجملي أن يدير الحكومة فيما بعد وأن يثبت كفاءته فيما يتعلق بالإدارة الحكومية ؟

بعد التحالف خصام
يواجه الحبيب الجملي رئيس الحكومة التونسية المكلّف، صعوبات كبيرة في تشكيل فريقه الحكومي قبل انتهاء الآجال الدستورية، في ظل حالة من التعنت التي أبدتها بعض الأحزاب فيما يتعلق بشروط دخولها الحكومة المرتقبة ، قد تعقدّ مخاض تشكيلها.

إذ أعلن رئيس حركة النهضة ، أن حزبه لن يشارك في حكومة يتواجد فيها حزب “قلب تونس”، بعد “تحالف تشكيل البرلمان”، الذي صعد براشد الغنوشي لقيادته ، وهو الفيتو نفسه الذي رفعته أحزاب أخرى مثل حزب “التيار الديمقراطي” و”ائتلاف الكرامة” و”حركة الشعب” التي ترفض التواجد جنبا إلى جنب مع “قلب تونس” في حكومة واحدة ، بينما يضغط حزب “قلب تونس” للمشاركة في هذه الحكومة، محذرا من مخاطر تشكيل حكومة ضيقة وإيديولوجية متطرّفة . مواقف متضاربة في ظاهرها لكن في باطنها … أكد المكلف بتشكيل الحكومة الحبيب الجملي ، في تصريح اعلامي صباح الأحد وجود « تقدم جيد في المشاورات لتشكيل الحكومة القادمة ». مضيفا انه لاحظ تفهما كبيرا من قبل كل الأطراف السياسية والخبراء والمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني التي التقاها، مشددا أن الحكومة « ستكون حكومة متجددة من حيث الشكل والمضمون». و ما قاله الجملي يتزامن مع تسريبات تؤكّد قرب الاتفاق مع حزب التيار الديمقراطي للانضمام إلى الحكومة حيث أكدت مصادر من داخل حزب التيار الاستجابة إلى جزء هام من مطالب هذا الحزب ووافق الجملي على منح التيار حقيبتي الإصلاح الإداري والعدل، في حين رفض تمكينه من حقيبة الداخلية، التي من المنتظر أن يتم منحها لشخصية مستقلة . حزب قلب تونس أيضا من المنتظر أن يكون احد العناصر المشكلة للسند البرلماني للحكومة، خاصة بعد تصريح رئيسه نبيل القروي الذي اعتبر أن دعوته للمرة الثانية للقاء الجملي ، سببها الأساسي عدد مقاعد حزبه في البرلمان مذكرا بأنه القوة السياسية الثانية في البلاد وان استقباله يندرج في أطار جدولة اللقاءات بالأحزاب حسب عدد مقاعدها في البرلمان . أغلبية مريحة رهينة حلحة الخلافات

إن تحصيل الأغلبية البرلمانية للحكومة المرتقبة، وتزكيتها من البرلمان يبقى مرتبطا بحلحلة إشكالات جوهرية صلب هذا الحزام، فانضمام قلب تونس للائتلاف الحكومي، والذي يبدو أمرا محسوما انطلاقا من تصريح

رئيسه، يثير عددا من الإشكاليات، منها رفض حركة النهضة الدخول في ائتلاف حكومي يضم قلب تونس، إضافة إلى تأكيد التيار الديمقراطي على انه لن يدخل إلى أي ائتلاف حكومي يتضمن حزب قلب تونس، ويتبنى ائتلاف الكرامة نفس الموقف تقريبا، وهو ما يجعل من مهمة تجميع هذه القوى في نفس الإطار أمرا صعبا جدا. ومن شأن هذه المواقف المتباينة، أن تعقد من مهمة رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي في تشكيل فريقه الوزاري قبل انتهاء الآجال الدستورية المحدّدة بشهرين، وتضعف من الحزام السياسي لهذه الحكومة المرتقبة . ولئن كان الأمر قابلا للتغير بالنسبة لحركة النهضة ،خاصة وإنها تحالفت مع حزب قلب تونس في ما يتعلق بالتصويت لرئاسة البرلمان، فان الأمر يبدو مخالفا بالنسبة للتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة، وهو ما يجعل ملامح الحلف الجديد غير ثابتة بشكل نهائي إلى الآن . في غياب المصالحة..« فتنة » تتهدّد تونس

مشاورات يبدو أنها لم تكن يسيرة ، نظرا إلى حالة التنافر التي تسم بها العلاقات بين الفرقاء السياسيين ، حيث تصرّ الأحزاب الفائزة على « رفضها» التعامل مع بعضها في إطار الحكومة المُقبلة، فيما يرى المراقبون أن المرحلة التي تعيشها البلاد محكومة بـ « التوافق » بين مختلف الأطراف السياسية، بهدف تشكيل « حكومة إنقاذ وطني » لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، محذّرين من انتقاضه شعبية جديدة قد تعيد الأوضاع في البلاد إلى نقطة الصفر.

إذ يدعو المؤرّخ والمحلل سياسي عبد اللطيف الحنّاشي الأحزاب إلى تأجيل الخلافات الفكرية والأيديولوجية الالتقاء حول الحد الأدنى المشترك بينها والمتعلق بمكافحة الفساد والفقر والبطالة ورفع المقدرة الشرائية وتحقيق العدالة الجبائية وتحسين الخدمات الأساسية للتونسيين، « لأن البلاد تواجه وضعاً كارثياً على مشارف 2020، نتيجة الأزمة الحادة وتداعيات الأزمة العالمية … »

ويضيف: « نحن نخشى في المرحلة القادمة من هبوب انتفاضة جديدة ستأكل الأخضر واليابس … » أما الإعلامي صلاح الدين الجورشي ، فاعتبر عقب لقاء جمعه بالحبيب الجملي بقصر دار الضيافة بقرطاج أن اللاءات التي رفعتها الأحزاب ضد بعضها البعض بخصوص تشكيل الحكومة تمثل إحدى العقبات الأساسية التي تواجه رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي، وهي تجعل من عملية تشكيل الحكومة عملية مستحيلة، وفق تقديره . وأضاف الجورشي، ، أنه يجب على رئيس الحكومة أن يحتكم للمواطنين بالأساس وليس للأحزاب السياسية على أهميتها، داعيا رئيس الحكومة المقبل إلى توثيق صلته بالمواطنين والاستجابة للحد الأدنى من مطالبهم والتعجيل باتخاذ إجراءات عملية ملموسة .

وأخيرا فإن تواصل التجاذبات والتردد في أخذ القرار دون الحسم في مكونات الائتلاف الحكومي المقبل … كلها رسائل وبوادر تقلق ولا تطمئن … وعلى الجميع إدراك ذلك والوعي بأن الأيادي المرتعشة لا تقوى على البناء …

لا تعليقات

اترك رد