رحيمو من خصوبة اللون إلى التمهيد لإنبعاث جديد

 

إذا كانت قراءة العمل الفني شكل من أشكال الإقامة في هذا العالم و هو فعل حضور فيه يتجلى الحياة الزاخرة بالدلالات ، فلا شك أنه يتحول إضافة إلى ذلك إلى كم من التأملات و الكشف و أنت تقترب من أعمال التشكيلي عبدالرحيم حسين ( رحيمو ) و على نحو أعمق في أعماله الأخيرة حيث الفراغ مجهول في حضرةا لحقيقة والجمال ، و الظل يفاجئك و هو يستل من بين مؤسسه منتشلاً موجوداته ، مشكلاً عالماً ثرياً غير مغلق على ذاته ، فيحتفي به و نحن معه مدركين أنها ليست مجرد تصورات تنتظم برؤية معينة في مساحة معينة بل هي إلحاح يهفو به رحيمو ليفرش مقاصده إلى ما شاء منها و بما يقبل المؤثرات القادمة من ذاكرته الشرقية ، فهو كتوطئة لمشروعه الجمالي يشد الماضي إلى حاضره ، يشد العبق الشرقي و موزاييكه إلى صياغاته الجديدة المسكونة بذلك النفح الذي يجعله يزاوج بينهما على نحو خفي دون أن يتملص من جذوره العالقة بذلك النفح ، فهو لا يوهم متلقيه بالعودة إلى الرؤية البيانية لتجربته الجديدة ، بل يمسك من روحه و يرميه في المنجز رغماً عنه فهو جزء مهم من الحالة الإبداعية ، و بذلك يكسر الطقوس التقليدية لخلق هكذا حالات ، و يرسم لنفسه طقساً خاصاً به هو مزيج من الشعر و الموسيقا و اللون ، و هذا ما يجعل عمله يجاهر بالتجاوز وفق إحتواء اللحظة و إستنهاض الإيقاع فيها .

رحيمو يرتقي بتجربته و يعلن بشكل صريح بأنه قادم من الشرق و بأن وجوهه مازالت تنبض بحكايا المدن البسيطة ، حكايا الناس البسطاء برموزها الشعبية ، فيلتقط صورهم وسط صياغات لحظية عليها يعول مكوناته الخاصة و رموزه الخاصة المنتزعة من منابتها الخاصة و التي لا يمكن إلغاءها لأن ذلك يعني إبادة اللوحة ، رموزه التي تفي حاجاته حتى يتمكن نصه الجمالي الشروع و الإرتقاء إلى مدائن الجمالية التعبيرية و التي عليها يؤسس رحيمو خطابه الفني ، الخطاب الذي يقلص المسافة الفاصلة بين الأسطوري و الأسطورة ، بين الإيقاع الداخلي و الإيقاع الخارجي ، بين شرقه بطقوسه الموزاييكية و الغرب بطقوسه الحداثية ، حتى تبدأ وجوهه بسرد حكاياتهم و حلمهم بلغة جديدة بها يكاشف زمن الخلق ، و بها يفضح الفاجع ، فثمة حرص على إستحضار ملفوظات تومىء إلى الوجود بوصفه حلم كئيب موغل في القتامة .

إن تتبعنا لأيقونات رحيمو الأخيرة أقصد أعماله الأخيرة بتقنياتها الجديدة و بألوانها الكثيفة المعتقة تذكرك فاعليتها و نفحتها بالخمر المعتق ، و هي نتاج تأملات طويلة ، و ملهمة ، و تكاد تكون جميع عناصره ( النقطة ، الخط ، الشكل و المساحة ، الملمس ، اللون، الظل و النور … إلخ ) ، الداخلة في صياغة نصه البصري تكون على مسافة واحدة من الفنان أولاً و من متلقيه ثانياً ، و هذا ما يمنحه القيمة و كذلك للسطوح ، و هنا تبرز القوة العاطفية لدى رحيمو ، هذه القوة التي قد تحمل مفاتيح سره و التي تجعله يمنح اللون و الخط الدور الأهم في بناء فضاء متكامل فيه من التوازن ما يجعله يتخطى الأطر التقليدية للعمل الفني ، و فيه من الإنسجام ما يجعله يغني آفاق عمله ، فرحيمو يستخدم اللون و الخط كإنعكاس لعوالمه الخيالية و الحلمية بوصفها مادة تشكيلية جمالية للتصريح عن تناغمات القيمة الحيوية لمفرداته و التي به ايسعى إلى التحرر من عبء

الوسائل التقليدية و تخطي الواقع بتحديد أُطر زخرفية لصياغاته التأليفية ، و هنا كان لا بد من الكثافة الخطية و اللونية بغنى تقنياته و تنوعها حتى تتحول إلى مرآة تعكس عوالمه الداخلية من القلق و سواه ، كل هذا و رحيمو يأبى أن يتخلى عن التقاليد الأكاديمية ، كما يأبى أن يكون خاشعاً لها ، فهو يخلق نوعاً من التوازن الإيجابي المثمر بينهما ، و هذا يجعله يوثق إلى حد بعيد الصِّلة بين العناصر حيث الإرتباط على أشده ، بعيداً عن التشتت ، كما يوثق الصِّلة أيضاً بين الفنان و عمله و هذا يسهم كثيراً في التمهيد لإنبعاث جديد فيه يبحث عن قيم جديدة ، بتناغم جديد .

هنا و نحن نحتفي برحيمو في معرضه الجديد المقام حالياً في المركز الثقافي في أتيربيك ببروكسل / بلجيكا و الممتد بين 22 -11-2019- 6-11-2019 كان لا بد من الذاكرة أن تعيدنا إلى معرضه الأول في عامودا عام 1991 ، فلم ينس أهل عامودا ذلك ، فما إن تخرج رحيمو من جامعة دمشق ، كلية الفنون الجميلة حتى أبى إلا أن تكون مدينته عامودا التي ولد و كبر فيها النافذة التي منها سيطل على الساحات الواسعة للفنون التشكيلية و في كافة الأرجاء ، الوفاء فيه دفعته أن يرد لهذه المدينة جزءاً من مستحقاتها كانت تنام في ذمته ، فيها أحب و تألم ، فيها فكر و لوّن ، و في شوارعها ركض حافياً ، و في بيوتها الطينية الواسعة كقلب أهلها كان يتحدث عن الفن عامة ، يتحدث عن المسرح ، عن الرسم ، فكان من الطبيعي أن تكون منها ولادته الثانية ، فالذي يكسب الروح و الضوء و الماء من هذه المدينة لا يمكن أن يكون جاحداً بحقها ، و لهذا كانت إنطلاقته منها و بإصرار منه ، فتحول معرضه إلى تظاهرة فنية ، الجميع يرغب في الحضور و بفرح ، محتفين بإبنهم الذي لم تقلم أجنحته كل أضواء العاصمة دمشق .

أقول لم ينس أهل عامودا ذلك المعرض/ التظاهرة ، حين إكتظت أزقتها بالحضور ، كباراً و شيوخاً ، نساء و أطفالاً ، مشهد لا يمكن أن تنساه عامودا ، و لا يمكن أن تمحى من ذاكرة المدينة ، و هذه نادرة الحصول ، في وقت كان تعليق صورة شخصية قد يعرضك للإنتقاد ، عامودا إحتفت برحيمو ، و رحيمو كان وفياً و محباً لها، هل سيعيدها ثانية ، لكن هذه المرة ذهبت عامود اإليه ، بأمكنتها ، بوجوه أهلها التي اكتستها اليباس ، بحزنهن و يتمهن ، بعويلهم و بكائهم ، بروح مغامراتهم الفردية ، لكل هؤلاء نافذته في أعماله ، النافذة التي اشتاقت لهم كثيراً ، تنتظرهم ليوقظ فيها الروح من جديد .

فيما مضى و رحيمو يذهب في مشروعه البصري نحو آفاق لا مرافىء لها ، يقترب من خصوبة التراب ، يستدعي الحكايات و يسترسل بسردها ، ينشغل عليها ، و يمضي بها مسافراً نحو مجالات مبتكرة ، مجالات ذي معطيات و مؤثرات بها ندرك أهمية تلك الحركات بإيماءاتها ذي الفعل الجمالي و التي تمنح مشهده كمّاً من العلاقات فيما بين مفرداته أولاً ، و بينه و بين متلقيه ثانياً ، فنقطة اللانهاية التي يمشي إليها رحيمو بتجربته تشير إلى تأسيس سلسلة من دلالات الأشياء داخل دائرة الفعل الجمالي ، فلا حدود فاصلة بينها ، فكل دلالة منها ، بحركتها ، برغبتها ، بإدراجها ضمن الكل ، هو إنجاز بحد ذاته ، و وجه آخر من كسب الرهان .

رحيمو يوظف ألوانه في أقصى طاقاتها الإبداعية / الإيحائية ، و هذا يزيد من حيويتها و كأنها في حالة حياة دائمة ، و رغم أنها بقيت أقصد ألوانه مشبعة برائحة وجه الخبز و كأنها خارجة للتو من تنور لا يهدأ النار فيها ، إلا أن ثمة وهج تشع منها ، و هو قادر أن يحولها مع السماكة التي تتصف بها و تغري المتلقي كثيراً في الإقتراب منها و قراءتها على نحو أعذب ، إلى شكل من ممارسة مقولات حداثية ، فيها من القوة ما يجعل الباب و النوافذ مفتوحة على آخرها كشكل آخر من التمسك بمروياته اللونية تلك ، كشكل آخر لممارسة حداثته هو ، لذلك و من باب إستخدام تعابير لا تفيد الحصرية بل الإطلاق ، تعابير تتجاوز كفعل تلك الأسئلة الإشكالية الكبرى بوصفها مسارات نحو مستويات لحركة إنتاج الجمال ، السعي إليها يحتاج إلى المواءمة مع التحولات العصرية الكثيرة.

…..

لا تعليقات

اترك رد