ظاهرة التحرش الجنسي في مؤسساتنا التعليمية بين المعلن والمسكوت عنه ……

 
ظاهرة التحرش الجنسي في مؤسساتنا التعليمية بين المعلن والمسكوت عنه ......

ظاهرة التحرش الجنسي في مؤسساتنا التعليمية بين المعلن والمسكوت عنه …… فهل أصبحت خطرا محدقا أم حالات معزولة ؟؟؟

يعد التحرش الجنسي من أهم الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي ظهرت في مجتمعاتنا الحديثة . فهي ظاهرة كونية لا يخلو منها مجتمع , بغض النظر عن مكوناته الثقافية والحضارية والدينية . ولقد سجلت الدول العربية بما فيها تونس في الفترة الأخيرة حالات صادمة ومخيفة من التحرش الجنسي , كانت صدمة الحالات على أكثر من مستوى , فهي من حيث العدد كبيرة جدا ومتكررة , وهي على مستوى أخر حدثت في العمل , وفي الأماكن العامة على مرأي ومسمع من الناس الذين قرروا الوقوف على الحياد .
فالتحرش بكل أشكاله الجسدية واللفظية والرمزية تم نبذه في المجتمعات العربية كعملية غير شريفة وتنقصها المروءة ,لكنه اليوم يتكثف كظاهرة مؤذية بشكل لا يمكن تجاهله , مع ظهور حالات وممارسسات جديدة لم تكن معهودة ولا مقبولة بأي شكل ضمن المناخ العربي وعاداته وخصوصيته , ومن ذلك التحرش الجنسي في المؤسسات التربوية رغم نفي بعض الأطراف لها وتحدث بعضهم الأخر بنوع من الاحتشام .

وفي ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها تونس , تزايدت ظاهرة التحرش الجنسي في بلادنا وهي تثير الحرج والقلق , وتخطت في كثير من الأحيان الخطوط الحمراء لتنبئ بكارثة أخلاقية . فقد أصبحت ظاهرة مرضية ليس في الشارع فحسب بل في مؤسساتنا التربوية , وطفت على السطح في السنوات الأخيرة , وأصبحت تحظى باهتمام وسائل الأعلام وتخرج من قاعات الدرس وأماكن الظل الى العلن , بفضل الأنترنت والهواتف النقالة ووسائل الاتصال الحديثة , تحرشات تطال التلاميذ والتلميذات , فتخلف لديهم ندوبا داخلية واثارا نفسية وخيمة لا يمحوها مرور السنين, كما أنها تسيء الى المنظومة التربوية ككل التي تضم مربين أفاضل وأطر تربوية تحرص على انشاء وتربية تلاميذها أحسن تربية .

ونظرا لخطورة هذه الظاهرة , كا ن لزاما علينا أن نضع الأصبع على الجرح ونتساءل كيف تحول بعض المربين الى ذئاب ؟ وهل أصبحت هذه الظاهرة خطرا محدقا يستوجب دق ناقوس الخطر من أجل مواجهته , أم هناك حالات معزولة شاذة ؟؟؟
لا يكاد يمر يوم دون ان تتناول وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي أخبارا عن التحرش الجنسي سواء المادي أو اللفظي والذي لم يعد يستثني أحدا . وأنتقلت هذه الظاهرة داخل المجتمع التونسي من الشارع الى داخل أسوار المدارس والمعاهد وأصبحت تتربص بتلاميذنا , رغم أن تلك الأفعال تعد من الظواهر الاجرامية التي تنتهك الانسانية والأخلاق, فضلا عن انتهاكها للأديان , الا أنها تكون أشد ألما عندما تتم ممارستها داخل المؤسسات التربوية على يد مدرسين المفترض بهم أن التلاميذ أمانة بأعناقهم , فاذا بهم يتعرضون لانتهاك حرمتهم منهم بدل حمايتهم !!!

ومع بروز العديد من الحالات التي تكشف الانتهاكات التي يقوم بها البعض من المربين وأعوان التربية في حق أبنائنا وأخرها قضية مدير المدرسة بالسواسي من ولاية المهدية عمره 59 سنة وقع ايقافه من طرف فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني بالجم من أجل تورطه في قضية ” التحرش الجنسي ” تضررت فيها تلميذات يدرسن بالمؤسسة التي يشرف على ادارتها (ماي 2016) , وكذلك القضية المدونة التي هزت توزر ومفادها الاشتباه في تعرض أربع تلميذات للتحرش الجنسي داخل المدرسة , كما شهدت عدة مؤسسات أخرى حالات متشابهة وجهت فيها أصابع الاتهام للاطار التربوي والاداري , على غرار ما حدث بجهات منوبة ونابل والمهدية والتي تقدم خلالها العديد من الأولياء بعرائض الى السلط القضائية والأمنية لتتبع مربين أو عملة من أجل التحرش الجنسي , اضافة الى قضية المعلم الذي يدرس باحدى المدارس الابتدائية ببنزرت والذي اشتكاه عدد من الأولياء الى ادارة المدرسة , قبل أن تتعهد الأجهزة الأمنية بالتحري معه والتحقيق فيما ينسب اليه من تهم تتعلق بالتحرش بعدد من التلاميذ .

ومما لاشك فيه أن الظاهرة رغم معرفة الجميع بوجودها سواء في الابتدائي أو الثانوي وحتى في الجامعة وجود قضايا على أنظار المحاكم , فانها تبقى ظاهرة مسكوت عنها . لهذا ففضحها مسؤولية الجميع من مربين ومجتمع وأولياء ومجتمع مدني , لأن هذه السلوكات لا علاقة لها بالمسؤولية التربوية , وهؤلاء قلة لا يشرفون الاطار التربوي لأنهم يتصرفون تصرفات لا أخلاقية حينما يجدون أنفسهم صحبة أطفال مراهقين لهم تأثير عليهم , وتكون النتيجة أنه تظهر سلوكات شاذة تجعل التلميذ يعيش حالة من القهر فيصبح خائفا صامتا , أما التلميذة المراهقة تشعر بالحرج أمام العائلة وتعيش صراعا وضغطا نفسيا كبيرا , ولا تعرف كيف تتعامل مع مثل هذه السلوكيات .

لهذا يجب التحسيس بهذه الظاهرة والحديث عنها , وعدم اعتبارها من “التابوهات” والا سيجعلها تتفشى بسرعة , نظرا لما تخلفه من اثار نفسية كبيرة على المتحرش به أوبها . والسؤال المطروح هو كيف ننتظر من الذين تعرضوا للاعتداءات أن يكونوا مواطنين أسوياء؟؟؟ فالذين يقومون بهذه التصرفات يجنون على مصير من تعرضوا للتحرش الجنسي . ورغم وجود قوانين تعاقب على هذه الظاهرة ( 226 من المجلة الجزائية ) , فان أحيانا طابعها يجعل مقترفيها في الغالب بعيدين عن يد العادلة , من بينها وسائل الاثبات مثل الشهود التي يمكن الاعتماد عليها في هذا المجال , لأن التحرش الجنسي غالبا ما يتم في فضاءات مغلقة .

وعلى كل حال رغم تكرر حالات التحرش الجنسي داخل مؤسساتنا التربوية , الا أنها لم تصل الى مستوى الظاهرة في تونس , فهي حالات معزولة , لكنها تكشف عن وضعية المدرسة التونسية , وبات من الضروري تناول هذا الموضوع بكل شفافية وموضوعية على طاولة الحوار وايجاد الحلول لمحاربتها منها ضرورة وجود خلايا انصات في مؤسساتنا التربوية وطبيب نفساني , افراد التلاميذ بنص قانوني خاص يشدد العقاب فيما يتعلق بالتحرش الجنسي الصادر عن الاطار التربوي , مع ادراج مادة بيداغوجية توعي تلاميذنا بأهمية جسده وتفسر له معنى التحرش الجنسي وكيف نحمي أنفسنا منه . كما أنه على الأولياء أن يعلموا أبنائهم التواصل معهم ويكلموهم بصراحة حتى يمكن حمايتهم .

وحتى تظل المؤسسة التربوية فضاء للمعرفة والأخلاق , فعلى كل الأطراف المسؤولة من مربين وأولياء ومجتمع مدني فضح هذه الظاهرة والاعلان عنها في صورة حدوثها وأخذ الاجراءات اللازمة , لأن الجانب الردعي يبقى هو الحاسم للحد من تفشي هذه الظاهرة أكثر .

لا تعليقات

اترك رد