حق الفهم وإرادة التغيير في المجتمع العربي – ج1


 
حق الفهم وإرادة التغيير في المجتمع العربي - ج1

شاءت الأقدار أن تكون الفوضى التي تعيشها مجتمعاتنا العربية مرحلة تعرية لواقع الثقافة ووقفة تأمل معرفية لما يحصل، وفرصة لفهم وإعادة تشخيص ما كان خفيا. إنها فوضى مفاهيمية، إجتماعية، سياسية وثقافية ترجمت كل علل النسيج الإجتماعي العربي ونفضت الغبار عن نواقصه. المجتمعات العربية الآن تدور في دوامة فارغة وتقوم بإعادة إنتاج العنف والعنف المضاد لأن الفوضى الحاصلة خالية من الإطار التنظيري المحكم وتسيطر عليها العشوائية في كل شيء وأضحت لقمة ووسيلة في يد جماعات وأطراف لتحقيق أهداف ضيقة لا علاقة لها بتطلعات الشعوب.

كما أن الثقافة السائدة في المجتمع العربي المعاصر تضل قاصرة على فهم الأوضاع ويغلب عليها طابع السطحية ووجهات نظر سياسية ضيقة أو كتابات مرحلية عابرة لا تستطيع دراسة الواقع الإجتماعي بطريقة علمية ومنهجية صحيحة.

ثقافتنا الحاضرة أهملت وجودها الحياتي اليومي وانخرطت في طرح أسئلة التصورات الوهمية التي لا علاقة لها بالواقع العربي. فهي تطرح كل الإشكاليات إلا الأسئلة التي تمس عمقها وتاريخها. أي تحاول دراسة كل الجوانب المحيطة بها وتغض البصر عن واقعها وترفض النضر إليه أو مواجهته. فهي تحاول تجاهله عن قصد أو بدون قصد ولا تعير أي اهتمام له ويصبح بذلك الواقع بالنسبة لها ملغى ومرفوض.

إن ثقافتنا الحالية لا تسمح لنا (في غياب عقلانية حرة) بتوقع المشاكل أو التنبؤ بها أو على الأقل معرفة كيفية التعامل معها عند حصولها. إنها لا تسمح لضعف إمكانياتها من فهم حقيقي للماضي ودراسة مستفيضة للواقع من أجل تحضير إمكانية الفهم للمستقبل، ببساطة إنها تهرب من تاريخها وذاتها وكذا تحمل المسؤولية.

انخرطت هذه الثقافة وللأسف في خطاب عام شمولي، ففقدت السيطرة على مجارات الأحداث وأصبحت غير قادرة على تسمية الأشياء بمسمياتها أو رؤيتها بموضوعية كما هي. كما ساعدت الفرد على فهم الواقع كما أرادت السلطة السائدة. فالفرد أصبح يفكر بأمور لا يجرأ على الإفصاح عنها ويقول أشياء لا يفكر بها. هذا الخطاب الذي أصبح يهيمن على المشهد الثقافي والذي يشرعن الأحداث والوقائع ويتم نشرها إيصالها بصفتها حقيقة مطلقة وتتقبلها العامة دون طرح أي تساؤلات عميقة.

لذلك وجدت نفسي أتساءل كيف الخروج من هذا الوهم الثقافي، كيف يمكن القطع مع هيمنة هذا الخطاب العام المشوش لحقائق التاريخ والواقع، وكيف يصل الفرد العربي إلى فهم واقعه ليبني ثقافة قوية تسبق الأحداث أو على الأقل تجاريها بطريقة عقلية صحيحة ؟

للإجابة على هذه الأسئلة التي تثقل كاهن الفرد العربي وتشل من حركيته الوجودية، أطرح سؤال بمثابة جواب عن الأسئلة السالفة الذكر. أي ما هي شروط التي تحقق لنا معرفة حقة ؟ سؤال صعب ومعقد لكنه الطريق الضروري لفحص الواقع العربي والخروج من المأزق الثقافي الذي نعيشه. إلا أنني أرى أن تحقيق إرادة صادقة والحق في الفهم وإخراجهما إلى ساحة النقاش ونفض الغبار عنه يعتبر إنجازا مهما في المرحلة الحالية وهذا هو الهدف المنشود.

من غير فهم صحيح ومعرفة حقة للأحداث والوقائع لا يمكن أن يحدث التغيير المطلوب، ربما تحدث تغييرات لكنها في نهاية المطاف فارغة وتدور في حلقة مغلقة. لأنها غير مبنية على أسس واضحة ومعرفة ناضجة وفكر يقين، إنها إرهاصات وإكراهات المرحلة وحلول ترقيعية لوضع هش ومجتمع غير مستقر.

الأكيد أن الفئات الإجتماعية، السياسية، الثقافية والإقتصادية الممارسة للفعل المعرفي والثقافي في المجتمعات العربية حالت دون تشكيل معرفة صحيحة أو إنتاج ثقافة واعية للواقع العربي. ضلت لعقود تهيمن على المشهد الثقافي العام وتروج لنمط فكري شمولي يخدم مصالحها. ولا يسمح بفهم الظواهر والقضايا من أجل التغيير.

أصبح بذلك استهلاك الموجود الثقافي عادة وليس عيبا. هذا الإستهلاك الممنهج يستمد مشروعيته من وجوده الطويل في المجتمع، ولا يمكن بطلانه إلا بالبحث عن سبب استمراريته داخل النسق الثقافي العربي. وحين نصل إلى معرفة سبب استمراريته نكون قد مارسنا الفهم الحق في إدراك ما يجري داخل الأنساق الإجتماعية في المجتمع العربي.

إن هامش الحرية الثقافية في مجتمعات ما قبل الفوضى كانت ضيقة إن لم نقل مغلقة أحيانا، فلم تكن رحيمة ببعض المثقفين والباحثين في إنتاج ثقافة حية وفهم واضح للواقع. بل سادت أفكار ثلة من المبدعين المحسوبين على الأنظمة السياسية والحزبية والطبقية. فساد فكر ملوث بأفكار السلطة وحورب الفكر السليم الهادف . (يتبع ج2)

1 تعليقك

  1. مقال مهم جدا” ، اذ انه يضع الاصبع على الجرح الذي ينزف في سائر الدول العربية، فقد تعودنا كمجتمعات عربية ان نأخذ دائما دور المتلقي فتأتينا الافكار معلبة و معدة للاستهلاك … ان عدم وجود الوعي الاجتماعي و الهاء الشعوب العربية بالفتن و الحروب و العيش الدائم بالخوف من المجهول و من الاخر اوقف تطور المجتمعات العربية و اصبحت في حالة جمود فكري و انحدار على جميع الأصعدة ( الاخلاقية و العلمية و الثقافية… )

اترك رد