حذار من أزمة القيادة !!

 

مضى أكثر من خمسون يوماُ على بزوغ حركة الإحتجاجات في العراق والتي إختلفت عن سابقاتها وإن كان العامل المُشترك هو الظلم والفساد وغياب الوطن، إلا أن أحد عوامل إستمرار وديمومة التظاهرات هي عفويتها وشعبيتها وقيادتها تلقائياً بضمير جمعي الأمر الذي جعلها عصية ورصينة من الإختراق أو ركوبها كموجة.

وبعد مخاضات عديدة كالقنص والعنف والخطف والتهديد والتشكيك والطعن بالشرف الوطني لكل من يتظاهر أو يشارك أو يدعم التظاهرات كصاحب رأي، بائت بالفشل عمليات نفسية مُنظمة (كالشيطنة أوالإستخفاف ) لتشويه وتحريف معنى وهوية التظاهرات عن مولدها الحقيقي وهدفها السامي وهو (نريد وطن) وما تم هذا إلا بدماء الشهداء وآلام الجرحى وإيثار المتطوعين ودعم صناع الرأي والفاعلين الإجتماعيين والنتيجة التضامنية كحاصل جهد وطني إيثاري هو قوة التظاهرات وحيويتها وأزدياد تأثيرها في الداخل والخارج بعد أن حركت الرأي العام العالمي وأصبحت محط جذب الأنظار للاعبين أساسيين في الشرق الأوسط لإعادة حساباتهم.

ولكي يستمر العطاء الوطني على الجميع بغض النظر عن المسميات والصفات أن يكونوا على وعي وفطنة في مسار الإحتجاجات سيما وإنها تدخل شهرها الثالث، ومن المخطط لإحباطها منذ البداية هو الرهان على عامل الوقت وإنخفاض العزيمة والرغبة ولكن الإرادة في التحرر والتصحيح وإسترجاع الوطن وما تبقى من ما تم نهبه أربك وأحبط هذا المخطط بالرغم من المراهنة عليه من قبل السلطة القامعة للتظاهر، ولا زالوا يراهنون على الوقت وهو أحد أسباب تحديد 45 يوماُ لإتفاق الكتل السياسية (الأخير) ودخول فصل الشتاء الذي يكاد لا يشكل شيئا أما إرادة الشباب المُنتفض.

وللمراقب يتضح أن إنسيابية التظاهرات أصبحت جزءاُ من الحياة اليومية للمواطن وهو دليل إستقرارها كحركة إجتماعية ديناميكية جعلت محاولات المنادون بعروض إصلاحية ترقيعيه في جوهرها يلهث ويجدد المحاولات لعلو سقف مطالب المتظاهرين والشعب ولأنها صادقة في جوهرها وصعبة التجقق على يد من سرق وخان الوطن.

إذن، بعد هذا الإستقرارلنهج التظاهرات والذي أصبح محوراُ للمواطن داخل وخارج العراق، يأتي السؤال الذي سُئل من قبل من قبل الحكومة عن من هم ممثلوا المتظاهرين؟ وكما مؤشر لمن يراقب الآن بدأت التساؤلات ولكن بوعي آخر لتصيغ السؤال الآتي (أليس من المناسب أن تفرز التظاهرات ممثليها أو قياداتها أو نخبها السياسية)؟ متى ؟ ومنهم هم؟ أولئك الذين في ساحات التظاهرات الذين بمجرد بروزهم سيكونون أهدافاُ سهلة للتصفية والإعتقال أم أولئك المٌدونون والإعلاميون والنشطاء من هم في الخارج والذين كان لهم دوراُ في دعم وإيصال الصوت وإظهار ما أريد له أن يُخفى؟

وتساؤلات عديدة قد تطرأ على البال هنا وهناك، وعلى أي حال في خضم هذا المخاض أود أن اطرح الجزئيات الآتية لعلها تُسهم في تطوير الوعي السياسي الناضج والموحد والوصول إلى تمثيل لابد منه إن أردنا إستمرار الإحتجاج وتحقيق الهدف الأسمى وهو (إسترجاع الوطن كمفهوم مُستلب).

1. يكاد العقل الجمعي الإحتجاجي يجمع على سقف المطالب وإن كان من الممكن صياغياً كتابتها بأكثر من تعبير إلا أنها موحدة وتوحد المجتمع من حيث الأصول الجذرية النابعة من الحرمان والفساد وبروز الطائفية على الهوية الوطنية والرفض للإستباحة السياسية للوطن وضياع هيبته السيادية.

2. هنا، لابد من الإتفاق أن لا مناص من إثنين إما بلورة تمثيل عقلية سياسية بمستوى المسؤولية تتشكل من رحم الساحات والتظاهرات الإحتجاجية في كافة المحافظات والمركز من خلال خلق قناة تواصل (بينتنسيقية) تبلور هذا التمثيل ليشكل ظهيراً مُنبثقاً من رحم الأزمة للمتظاهرين وتنسيقياتهم، أو لمن لا يتفق مع هذا الرأي فالأمر سيبقى كما هو تظاهرات وإحتجاجات نابعة من معاناة 16 سنة إزاء تملص وديماغوجية ثلة سياسية تمارس شتى أطوار التسويف والخداع في إمتصاص نقمة الشعب وهنا مهما طال عمر التظاهرات سندخل في ما يسمى بفهوم الدولة الفاشلة (Failer State) ضمن رؤيا الحروب من الجيل الرابع (Fourth Generation war). إذن نحن هنا أمام خياران ؟ وهو ما يُترك للقاريء الكريم جوابه.

3. وللذهاب مع تطوير الحركات الإحتجاجية، أي الخيار الأول فيما ورد في (2)، يرى البعض تشكيل طبقة سياسية أو قيادة للتظاهرات، هنا لابد من الحذر في أمرين :

أ. إن مديات المطالب لا تنسجم مع إنبثاق حزب سياسي يمثل المتظاهرين وإن كانوا بإمكانهم أن يُشكلوا أكثر من كُتلة حزبية، ولكن السبب هو من المهم الوقوف هنا على أن بلورة الحزب خطوة من المبكر لها في الوقت الحاضر وذلك لإعطاء فسحة أكثر لجعل الوعي السياسي الإحتجاجي ينساب بمرونة أكبر وتلقائية أكثر يجعله وَلاداٌ للحزب أو الأحزاب القادمة من معاناة الشعب، من جانب آخر طرح الحزب او الاحزاب أو ممثلون سياسيون يجعل من إحتمالية التصفية أو التشكيك أو حتى إستغلال المال السياسي أو الإنضواء تحت عباءات سياسية قديمة بطرق أو بأخرى ما يجعل العمل على بلورة (تيار أو فكر يتبنى النظرية الإحتجاجية كحركة إجتماعية) بعمق اكثر ليتمخض فيما بعد العقل السياسي الناضج للكينونات الحزبية على أساس هذا المُنطلق.

ب. وإذا أسلمنا بقبول هذه الفرضية أي (التيار الإحتجاجي أو دعاة المذهب أو الفكر الإحتجاجي) لحركة التظاهرات قبل تمثيل التظاهرات كأفراد سياسيين أو حزب يمثل التظاهرات أي بخطوة سابقة واحدة، وهي تمهيد لتجاوز (أزمة القيادة كأزمة نفسية في السايكولوجيا العراقية والتي نتجت عن نظامين قبل وبعد 2003)، ونزعة التشكيك في خلفيات النخب التي ستشكل تيارها أو مذهبها الإحتجاجي، وترك التمثيل الفردي لمرحلة كفيلة في بروز الشخصية القيادية أو النخبوية، عدا ذلك فأن بزوغ أزمة الفردانية والأنوية ولتجنب الدخول مُبكراً في تضخم الذات (Self-Aggrandizing ) المتمثلة في تشكيل القيادات الفردية حتى وإن كانت من داخل التظاهرات فستخلق شرخا كبيراُ في خط الصد الأول وهو ما لا يحمد عقباه وفي الوقت نفسه ما يتمناه الطرف الآخر.

4. تحاول بعض الأصوات إنكار دور الفاعل العراقي الخارجي (نشطاء مُدونين إعلاميين.. إلخ) تحت الظن بإحتمالية العمل لأجهزة مخابرات دول خارجية، وهو إحتمال وارد ولكن لا يؤخذ على أساس مصادره الدور الوطني والمهم الذي لعبه على سبيل المثال تويتر العراق للمقيمين في الخارج حينما كان إنقطاع النت أحد التقنيات لقمع التظاهرات وأخطرها، وهنا يجدر القول برجوح بلورة التيار الإحتجاجي أو المذهب الفكري الإحتجاجي الذي من خلاله يمكن خلق قناة فكرية تواصلية بين الداخل والخارج ومن ثم بروز نخب سياسية جديدة من أجيال جديدة تنظر إلى مستقبل وطن إسمه (العراق).

لا تعليقات

اترك رد