دروسٌ رمضانية في الخيمياء: بائعُ الأوهامِ


 
دروسٌ رمضانية في الخيمياء: بائعُ الأوهامِ
لوحة للفنانة رانيا علي جاد

وكما توقّعْتُ، لمْ يمُرّ على الشّيخِ الوسيمٍ يومٌ واحدٌ حتّى عادَ ليَبْحثَ عنّي عندَ صاحبِ الدكّان، الذي قال لهُ إننِي أكونُ هناك يوميا على السّاعة العاشرةِ صباحا، أو الخامسةِ بعدَ الزّوال. وبالفعلِ التقينَا، هُوَ وأنَا؛ شيخاً وفتاة في عُمْرِ الورود. كانتْ تبدو عليه علاماتُ القلق والحيرة. إلا أنني ما إنْ رأيتُهُ حتّى ابتسمتُ في وجههِ ابتسامةً مُشاكسةً، ووضعتُ يدي على كتفهِ اليُمْنى وأنا أقولُ لهُ مازحةً: «ما الذي أتى بكَ إلى هذا المكان أيّها الشّيخ الجميلُ، ألا تخشى على نفسكَ منَ الفتنة؛ الطالباتُ هنا حسناوات للغاية، وقد تطاردكَ منهنَّ واحدة أو أكثر يُنسينَكَ اسمَكَ وَمَكانَ ولادَتِكَ. قُلْ، هيّا اعترفْ، أمْ تراكَ جِئتَ لتَنْسخَ صورةً أخرى منْ صُوَرِكَ إياها؟!». سمعَ كلامي صاحبُ الدّكانِ وانفجَرَ ضاحكاً مُشْفِقاً على الرّجلِ وقال: «دعيهِ وشأنَه، فلقد جاء يبحثُ عنكِ»، «خيرٌ إن شاء الله، ما الذي يريدُه شيخ وقورٌ مثلكَ من فتاة بسيطة مثلي؟!»، «ليسَ هُنا يا ابنتي أمام هذا الرجل، أريدُ أن أسألكِ عن صورة الأمس».

نظرتُ إليه مرّةً أخرى أتفحّصُهُ منْ قمّة رأسِهِ إلى أخمص قدمِه، وحينما رأيتُ الارتباكَ مُجدّداً في عينيْهِ، أمسكتُ بقوّةٍ يدَهُ النّحيلةَ وعبرتُ بهِ الشارع، ثُمّ جلسْنَا معاً على حافةِ جدارٍ قصير جدّاً، وقلتُ لهُ هامسةً: «هيّا تكلّمْ، أنا في الاستماع إليكَ، ما بها صُورةُ الأمس؟»، « قبل ذلك، أريدُ أنْ أعرفَ منْ أنتِ؟ وما مقامُكِ؟ لأنني يا ابنتِي يبدو لي أنّكِ لسْتِ بطفلةٍ عادية، ومنْ يدري فلربّما أنتِ نفسك لا تعرفين منْ تكونينَ …»، وقبل أنْ يُكملَ جُملتَهُ قاطعتُه مُعلّقةً على كلماتهِ: «دعْكَ من هذا الكلام الذي لا يُسمن ولا يغني من جوع، واتركني أقُلْ لكَ أنَا منْ أنتَ؟ إنّك أيها الشيخ الوقور ساحر لطيف، ولا أعني بالسّاحر أنّكَ صاحب علوم ومعرفة، فالسّاحر الحقّ، لا يقومُ أبداً بما قمتَ به يوم أمس، لأنّهُ رجل صاحب مبدأ وهدفُه تسليّةُ وإمتاعُ النّاس لا أقل ولا أكثر، وإذا اضطرّ إلى ممارسة سحره فعلا، فإنّهُ يقومُ بذلكَ منْ بابِ الوقوف أمام مفاتيح الخير وإدارة شؤون الكون وفقا لنواميس مُعينة ومحدّدة لا يطّلعُ عليها إلا أصحاب القلوب الخابتة. دعنِي أسمّيكَ ببائع الأوهام، فأنتَ مثلكَ مثل غيركَ من سحرة العالم ومشعوذيه ودجّاليه، بائع أوهام، لا أقلّ ولا أكثر. ألمْ تسمع بسحرة فرعون وحبالهم المغموسة في الزئبق؟ هؤلاء كانوا أكثرَ منكَ خبرةً، لكنكَ أنتَ هنا، جالس إلى جانبي وتحاولُ أن تعرف من طفلة ما لم تستطعْ طلاسمُك إخبارُكَ بهِ»، «أرأيتِ، كنتُ محقّاً إذن حينما سألتكِ من تكونينَ؟ فلا يُعقل بطفلة لمْ تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها أن تقول ما قلتِهِ»، «خلاصة القول، أنتَ هنا كي تعرفَ ما الذي فعلته بصورة الأمس، أليس كذلك؟»، «بالضّبط، لقد أخذتُها إلى البيت، وبينما كنتُ بصدد العمل عليها، لمْ أفلحْ في أيّ شيء، فحتّى حينما أردتُ أن أحرقَها، استعصتْ تماما على ألسنةِ اللهب. ثمّ قولي لي كيفَ عرفتِ بأنني ساحر»، «الساحر المشعوذ مثلكَ، هو ذاك الذي يُوقِع نفسَه بنفسهِ في شرّ أعمالهِ، وليس لهُ أبداً سلطةٌ لا على عقله ولا على كلامهِ: فأنتَ حينما طلبتَ من صاحب الدّكّان يوم أمس بأنْ يصوّرَ لك نسخة من صورة الفتاة الحسناء، اشترطْتَ عليه أن تكون بالأبيض والأسود، ونسيتَ أن كلّ آلات الطباعة المتوفرة في مكتبات هذه المدينة وغيرها من دكاكين ومحلات أخرى لا تطبع أبدا بالألوان، لأنّ الأسواقَ لم تطرح بعد آلات بهذه التقنيات الجديدة. ومن هنا استغربتُ طلبكَ، وبما أنك رجل دين، قلتُ في نفسي، ألا شيء سيكون وراءَ طلبكَ هذا سوى عملٍ من أعمال شياطين الإنس، وقد كان ظنّي في محله، لأنكَ اعترفتَ بذلك بمجرّد عودتِكَ للبحث عنّي»، «أنا لا أسحرُ إلا بالمحبّة، لكنكِ لمْ تجيبينِي عن سؤالي الرئيس، ما الذي فعلتِه بالصورة حينما أمسكتِها بين يديكِ هي والنسختيْن الأخريتيْن حتى أصبحتْ جميعها مستعصيةً على الحرق، وعلى الكتابة وعلى الحبْرِ وعلى كُلّ شيء؟»، «هوّنْ على نفسكَ أيّها الرجل العجيبُ؛ السّحرُ سحر، والشعوذة تبقى دائما شعوذةً، وليس فيها أبداً هذه للمحبّة وأخرى للكراهية، وأنتَ كما قلتُ لكَ لستَ بساحر ذو علم، وإنّما بائع أوهام غرير. أمّا عمّا فعلتُه بالصورة ونسختيْها، فهذا سرّ عظيم لن أبوح لكَ به إلا إذا امتثلتَ لشروطي»، «هذا يعني أنكِ تريديني أن أبرمَ اتفاقا معكِ تكونينَ أنتِ فيه صاحبة النّهي والأمر، أليسَ كذلك؟»، «وإلاّ فإنكَ ستبقى هكذا موقوفا إلى الأبد، كلّما فكّرتَ في القيَامِ بعمل شَعْوَذِيّ ما فشلتَ، وراحتْ كلّ أمانيك أدراج الرياح»، «لا مانعَ لدي، أنا منذ اللحظة عبدٌ طائع بين يديكِ»، «إذن، عُد غدا إلى هذا المكان في الساعة نفسها، وحينئذٍ سأخبركَ بما ستقوم بهِ»، «على بركة الله، سأكون هنا غدا في الموعد يا ابنتي»، «لا تقل على بركة الله، فإنّ منْ يعرفُ الله لا يقومُ أبداً بما تقومُ به، ولا تناديني بابنتي، فإنهُ لا يمكنني أبداً ولوْ على سبيل المجازِ أن أكون ابنةَ رجل مثلك. لا تقل شيئاً، اعملْ فقط ما سآمرك به. وكنْ غدا في الموعد».
عدتُ إلى البيت وبرأسي ألفُ سؤال وسؤال: مالذي سأقوله لهذا المعتوهِ وعن أيّ سرّ سأحدّثهُ، فأنا نفسي ليستْ عندي أسرار أبوحُ بها لأحدٍ. ثمّ أنني لا أفهمُ كيفَ أنّ أعمالهُ أصبحتْ موقوفةً بسببي. عمّاذا يتحدثُ هذا المجنون؟ إنّهُ مُشعوذ، وهذا أمر لا شكّ فيه، وأنا أريدهُ أن يتوقفَ عن ذلكَ، كيفَ؟ هذا ما لا أعرفهُ.

بعدَ غدٍ رمضان، ولنْ أجدَ أفضل منه شهرا لأعيدَهُ فيه عنْ غيِّهِ. لكنّي بحاجةٍ إلى دعمٍ من والدي، كي يصبحَ بيتُ الأُسرَةِ هو مكان دروسي الرّمضانية لهذا الشيخ. نعم، ما مِنْ حلٍّ آخرَ غير هذَا… آآآه، إنّ رأسي تؤلمني، لأكفَّ الآن عنِ الهذيان، وغدا بإذن الحيّ القيّوم سأجدُ الطريقةَ المُثلى لإقناع والدي.

جاءَ الغدُ، واستيقظتُ باكراً كعادتي، لمْ أكُ أبداً بحاجة إلى ساعة المُنبّه، لقد كانَ قلبي مُنبّهي دائما، وكانتْ ساعتُهُ تدقُّ دائماً قبلَ الفجر بساعةٍ أو ساعةٍ ونصف. وبينما كنتُ بصددِ الوضوء للصلاة، إذا بفكرةٍ عجيبة تلمعُ بعقلي. نعم، لا أدري كيفَ لم أفكّر بها يومَ أمس، يا لغبائي، ألَمْ أعْتَدْ مِنَ اللهِ، أنْ يُرسلَ لي كلّ شهر رمضان إنسانا فقيرا يسألُ عنّي بالاِسمِ، أتناولُ معهُ كلّ يومٍ وجبةَ الإفطارِ، وكان والدي لا يُناقشُ معي أبدا هذا الأمر، ويدعني أختارُ من المائدة أشهى المأكولات، لإخراجِها إلى الشّخص المقصود وتناوُلهَا معهُ في بهوِ البيتِ، أو عندَ العتبة، على حسبِ رغبة الشّخص الفقير نفسه؟! عليّ إذنْ هذه السنة أنْ أجعلَ من هذا الشيخ فقيرَ ومُتسوّلَ رمضان الجديد، وسأصحبهُ معي إلى البيت، وأخبرُ والدي بأنني أرغبُ في أن يقيمَ عندنا طيلة الشهر لأنّهُ بدونِ مأوى ولا أسرةٍ ولا مُعيلٍ. ممتاز، لا فكرَ بعد اليوم إذن! وهذا الشّهرُ سيكونُ شهْرَ الدّرس والتعليم، ولنْرَ إذا كان الشّيخُ سيُفكّر في يوم مَا أنْ يعودَ إلى سابقِ عهدِهِ معَ الشّعوذَة والخُرافاتِ البئيسة!

وصلتُ إلى الدّكان، ولمْ أجدِ الشّيخَ أمامَها هذه المرّة، لقد كان ينتظرُني أمامَ باب المدرسة على عكسِ اتفاقنا تماماً. لمْ أعارض، ابتسمتُ وأمسكتُ بيده وقلتُ: «ما كلّ هذه الأناقة أيّها الشيخ الوسيمُ؟! لكنْ يؤسفني أن أقولَ لكَ إنّكَ ستظْطرُّ للتخلّي عنْ كُلّ هذا. وعليكَ منذُ الآن أنْ تستجيبَ لكلّ أوامري وأفعالي دون أن تعترض عليهَا أو تناقشها»، «افعلي بي ما تريدين، فأنا رهن إشارتكِ، إذا كان كلّ هذا سيكونُ مقابلَ سرّكِ الذي به أوقفتِ كُلَّ أعمالي». ابتسمتُ مرّةً أخرى في صمتٍ، ثم ابتعدتُ بهِ عنِ المدرسة قاصدةً بيتنَا، وحينما دخلنَا إحدى الأزقة هجمتُ فجأةً على عمامته النّاصعةِ البياضِ ومرّغتها بيديّ في التراب، ثم أخذتُ مقصّاً منْ حقيبتِي المدرسية، وبدأتُ أقصُّ بهِ كالمجنونة جلبابَه الصوفي الأنيق مُحدثةَ به ثقوبا وشروخاً عميقة، وعمدتُ إلى قنينة ماءٍ صغيرة جلبتُها معي من البيت، وبدأتُ أبلّلُ التّرابَ وأضعُ فيه يديّ ثمّ أمسحُ بهما الجلباب إلى أن أصبحَ في حالة يرثى لهَا منَ الاتّساخِ، والشيء نفسه طبّقتُه على النّعل، وكذا على وجهِ الفقيهِ ويديْهِ، وهُو ينظرُ إليّ منذهلاً مُحتارا مُغيّباً عنْ الأرضِ والسّماءِ. وحينما أصبحَ كلّ شيءٍ كما أردتُ وخطّطْتُ لهُ، انتبهتُ إلى لمعانِ عصا الشيخ وفخامتها، فأخذتُها بين يديّ وأمسكتُ حجراً صلدا وبدأتُ أضربُها بهِ وأجرّحُها بالمقصّ منْ كُلّ جانبٍ إلى أن اندثرَ بريقُها ولونها الأسود، وأصبحتْ تبدو كعصا الدراويش، عندئذٍ سمعتُ الشّيخَ يقول: «إنّكِ تذكّرينِي بقصّة الخضر مع موسى. هلْ عليّ ألا أنطقَ أيضاً؟»، «جميلٌ جدّاً أنكَ تعرفُ الخضرَ، لكنّكَ لا تعرفُ موسى أبداً، وإلا ما كنتَ لتقُومَ بما قمتَ بهِ يوم أمس. استعدّ، فإنني سآخذك إلى بيتنا، وهناكَ ستُمثّلُ دور الفقير المعدم، حتّى يقبلَ بكَ والدي ويفتحَ لكَ بابَهُ ويستضفيكَ كلّ يومٍ على مائدةِ إفطاره. وبعدَ كلّ صلاةِ فجر، سأصبحُ معلّمَتَكَ، أعلّمْكَ ما لم تقرأهُ فوق أحصرةِ المساجد، ولا بين طرُقاتِ الحياة»، «ومنْ يدري يا ابنتِي فقد تتعلّمِينَ أنتِ أيضاً منّي ما لمْ تُعلّمهُ إياكِ مقاعدُ المدارس، لا تنسي أنّنِي أكبَرُ منكِ سنّاً والحياة علّمتني الكثير»، «قلتُ لكَ لا تناديني بابنتكَ، ولا تنسَ أنّ إبليس هو أكبَرُ سنّاً من جميع أبناءِ آدم، فهلْ سنجعلهُ هُو أيضاً مُعَلّمَنَا؟ هيّا، امشِ، ولا تنطقْ حرفاً، فلقدِ اقترَبْنا مِنَ البيتِ وأهلهِ«.
(يتبع في الحلقة القادمة من (دروس رمضانية في الخيمياء))

لا تعليقات

اترك رد