شرق وغرب

 

عندما يتحول الأشخاص إلى حكايات فإنهم لا يموتون وحكاياتنا كثيرة تكاد لا تنتهي وتكثر بكثرة أشخاصها ونجدها على درجة كبيرة من الغرابة . وكلما تقدمت بنا الحياة والتكنولوجيا صارت الأساطير والحكايات مصدرا للتندر والمتعة وهكذا تحولت قصص ربات الأولمب من القداسة المطلقة إلى التسلية المطلقة وينطبق نفس الأثر على فراعنة مصر أو آلهة وادي الرافدين وقداسات أمريكا الوسطى وبعض الأماكن الأخرى في وسط أفريقيا وحوافها . وعلى نفس المنوال تسير الحكايات في الشرق والغرب . اليوم سنختار لكم بعض الحكايات من الشرق والغرب التي تحتوي في طياتها رسائل ودروس يمكن استنتاجها وتعليمها للأجيال القادمة :
ثورة البصل :
أَواخرَ الشهر الماضي حين حظَّرَت الحكومة في الهند على المزارعين تصدير البصَل لاحتواء التضخُّم الناجم ، فَنَجَمَت عن الحظْر تحركات شعبية راحت تهدِّد الحكومة وتدعو إِلى استقالتها. فالبصَل موردُ الفقراء وكَسادُه يَضرب لهم هذا المورد ويزيدهم فقرًا وتعاسةً. وعن الأَنباء أَنَّ سكَّان مقاطعة ماهاراشتْرا الواقعة شـمالـيَّ البلاد ضربَت الظروف المناخية موسم البصَل عندهم فارتفعت أَسعاره ، وزاد من سوء التصريف منعُ التصدير إلى الخارج . اشتعل الشعب غضبًا وهدَّد بإِسقاط الحكومة فأَلْغت قرار الحظْر وخفَّضَت الضريبة على البصَل الـمُصَدَّر وكان ذلك عشية الانتخابات التشريعية.
ثورةُ البصَل في الهند تُزلزِل الحكومة وتُطيح أَحزابًا وحكوماتٍ ورؤُوسَ سياسيين. البصَل سلعة ضرورية رئيسَة في طعام المواطنين اليومي وزيادة سِعره تُخلخِل طمأْنينَتَهم وتقودهم إِلى الثورة . ولأَنه مورد أَول لدى مقاطعات زراعية كبرى في البلاد ، تراجعت الحكومة عن قراراتها وأَثبتَت أَنها ليست صمَّاء بل تَسمع صوت المواطنين وتُصغي إِلى هموم الشعب وتعدِّل في قراراتها لـمصلحة الشعب فلا تُكابِر ولا تُعاند ولا تراهن على أَن الناس في الشوارع سيَتعَبون ويَــيأَسون ويَؤُوبون إِلى بيوتهم فتُشرق في اليوم التالي شمس جديدة على حكومة قديمة تُكمِل في غيِّها صارفةً سمعًا ونظرًا عن حناجر المواطنين الهاتفة بإِسقاطها لأَنها فشلَت في قيادة البلاد إِلى التقدُّم والازدهار.
إياك أن تسيري في الظلام :
ولدت أنديرا غاندي عام 1917 وكانت وحيدة والديها وحظيت بمكانة كبيرة لديهما، وتزوجت عام 1942 من فيروز غاندي وحملت اسمه ، وعرفت هي وأولادها وأحفادها بهذا الاسم وليس لذلك علاقة بالزعيم الهندي المهاتما غاندي.
درست أنديرا في بداية حياتها في جامعة الفيلسوف والأديب الهندي طاغور وتعلمت منه مباشرة، وتولت زعامة حزب المؤتمر بعد وفاة والدها بعامين، ثم رئاسة الوزراء عام 1966 واختارتها مجلة “تايم” الأميركية شخصية العام في ذلك الوقت، ووضعت صورتها على غلافها بالألوان وكتبت تحتها “الهند المضطربة بين يدي امرأة”.
واستمرت في المنصب حتى عام 1977، ثم عادت للمرة الرابعة عام 1980 حتى تم اغتيالها على يد سيخي متطرف من حراسها عام 1984.
وخلفها في الحكم ابنها راجيف الذي استمر في المنصب حتى عام 1991، إلى أن تم اغتياله على يد ثوار التاميل انتقاما منه لإرساله قوات إلى سيرلانكا تأييدا للحكومة هناك.
بعد اغتيال راجيف تولت زوجته سونيا وهي من أصل إيطالي رئاسة الحزب ورفضت أن تتولى رئاسة الحكومة التي تم تشكيلها، وحقق الحزب بقيادتها انتصارين متتاليين في انتخابات عام 2004 و2009، وقاد حكومة حزبها الخبير الاقتصادي منموهان سينغ.
وقدمت العائلة سليلها راهول ليقود حملة الحزب في الانتخابات الحالية، كما ظهرت شقيقته بيريانكا وهي تقود حملات الحزب في عدة مناطق، وتولت الرد على عدد من الاتهامات من خصومها.
عندما كانت أنديرا غاندي طالبة في المدرسة قالت لوالدها : ” بابا ! أنا خائفة ” فأجابها : ” إياك أن تسيري في الظلام . وسيزول الخوف.”
فكرٌ نحتاجه حتى في الغد:
قصة أرسطو الذي عاش بين 384 – 322 ق. م نجدها متشابكة مع الأحداث التي وقعت في مقدونيا. وهي بلد تقع شمال اليونان على ساحل بحر إيجة، نصف سكانها خليط من الإغريق والبرابرة , والبرابرة هنا تعني الشعوب غير الإغريقية.
لم يولد أرسطو في أثينا مثل سقراط وأفلاطون. كان والده طبيبا في بلاط ملك مقدونيا. وعندما كان صبيا كان يعيش في جو علمي ربما كان يعد لكي يصبح طبيبا مثل والده.
في سن السابعة عشرة عندما توفي والده ترك وطنه وتوجه جنوبا إلى أثينا عاصمة الحضارة الإغريقية لكي يلتحق بأكاديمية أفلاطون ويتعلم على يديه.
هناك ظل في الأكاديمية مدة 20 سنة يدرس ويكتب ويدرّس الفلسفة والرياضيات وعلوم الأخلاق والسياسة والجمال. هل الجمال له علم ؟ نعم لأنه فرع من فروع الفلسفة.
كان أرسطو ، قبل الميلاد بثلاثة قرون ، يدّرس الفلسفة وعلم الجمال في أثينا ونحن في القرن الواحد والعشرين نناقش عذاب القبر والثعبان الأقرع ورجم القرد الزاني، ونقيم محاكم التفتيش لمن ينكر ذلك أو يختلف معنا في الرأي .
كان أفلاطون يصف أرسطو، بأنه العقل المفكر لمدرسته الأكاديمية . لكن عند وفاة أفلاطون عين غيره رئيسا للأكاديمية. لذلك، ترك أرسطو أثينا وتوجه شمالا إلى ساحل آسيا الصغرى وجزيرة لسبوس.
قضى أرسطو فترة زمنية عند زميل دراسة قديم صار حاكما لمقاطعة ساحلية غير مهمة وتزوج من ابنة أخيه . خلال هذه المدة ، عاد له اهتمامه الأول بالعلوم الطبيعية. فكان يأخذ الملاحظات والبيانات ، وخصوصا عن أشكال وعادات الأحياء المائية التي صادفها على الساحل.
في ذلك الوقت ، كان فيليب ، ملك مقدونيا، رجلا صاحب مقدرة هائلة وعزيمة قوية. كان ، ولعدة سنوات ، يقوم بتحويل بلده مقدونيا من دولة فقيرة بائسة يشتغل شعبها بالصيد إلى مملكة غنية قوية لها جيش جرار لا يقهر.
كان جيش فيليب منظما يتدرب على نظام جديد للقتال، يتكون من كتل عديدة ضخمة من المشاة، ويعرف بالتشكيلات السلامية المقدونية. بهذا الجيش والثروة الجديدة المكتسبة، حاول إغراء المدن اليونانية لكي تنضم إليه لغزو الإمبراطورية الفارسية القديمة ، التي تمثل خطرا يهدد بلاد الإغريق على الدوام.
لكن المدن اليونانية ، كانت في شك دائم من نوايا فيليب المقدوني ونجد الخطيب ديموثينيس يهاجم فيليب ويصفه بأنه طاغية يدعي مساعدة شعبه ويحولهم جميعا إلى عبيد له.
في هذه الأثناء كان فيليب يبحث عن مدرس إغريقي متميز لتعليم ابنه الوحيد النجيب الإسكندر الذي كان صبيا يبلغ من العمر 13 عاما في ذلك الوقت . في عام 343 ق. م ، عرض المهمة على أرسطو الذي قبلها عن طيب خاطر.
لم يكن يعلم فيليب شيئا عن رأي أرسطو السياسي بالنسبة لما يدور في بلاد الإغريق. و في عام 340 ق. م في سن الخامسة عشرة، حكم الإسكندر مقدونيا نيابة عن والده فيليب أثناء غزوه لبلاد الإغريق.
في عام 338 ق. م ، واجه جيشا أثينا وطيبة جيش فيليب لكن الإغريق هُزموا هزيمة منكرة أمام جيش فيليب في موقعة خيرونيا . ثم سقطت باقي بلاد الإغريق تباعا تحت الاحتلال المقدوني.
بعد ذلك بعامين ، اغتيل فيليب المقدوني وهو على وشك التحرك لغزو بلاد فارس. خلفه ابنه الإسكندر الذي ورث عن أبيه وربما تفوق على أبيه في العبقرية والطموح بفضل تعاليم أرسطو ورعايته
أول ما فعله الإسكندر، هو إجبار الإغريق على الامتثال لحكمه. بعد ذلك قام بغزو كل بلاد شرق المتوسط ، الواحدة بعد الأخرى و بلاد ما بين النهرين و مصر وبلاد فارس.
جاء الإسكندر كمخلص ليحارب العنصرية والطائفية والعوائق السياسية ويبني المدن على النمط الإغريقي ويجعلها مراكز للنور والثقافة والحضارة والإدارة.
و في عام 323 ق. م وعلى غير المتوقع توفي الإسكندر بسبب الحمى ثم قام قادته بتقسيم إمبراطوريته الوليدة فيما بينهم بعد حروب طاحنة.
بعد أن تقلد الإسكندر مقاليد الحكم ، عاد أرسطو إلى أثينا ، التي أصبحت الآن تحت الحكم المقدوني. هناك استأجر مبنى كان مخصصا للإله “أبوللو ليسيوس”، والذي يعني اسمه ” أبوللو أمير الضياء”. ليسيوس كلمة مشتقة من كلمة الضياء باليونانية. ومن ثم كان اسم المدرسة التي أنشأها أرسطو “الليسيوم”.
في مدرسة الليسيوم ، قام أرسطو بجمع الكتب والمخطوطات وعينات علمية من المواد والأحياء المختلفة بغرض الأبحاث والدراسة . وأنشأ أرسطو حديقة نباتات وحديقة حيوانات وطيور بغرض الدراسة والبحث العلمي .وقد رافقه عدد من تلامذته في رحلاته الشرقية وجمعوا لمدرسته النباتات والحيوانات والطيور.
في مدرسة الليسيوم، كان أرسطو يدير ويقوم بالأبحاث ويحاضر في كل فرع من فروع العلوم المعروفة في ذلك الوقت. وكان يقوم بالتدريس في الهواء الطلق أثناء السير، وفي الشرفات المكشوفة التي تطل على الحديقة وقد سمي حكيم عصره والمعلم الأول .
هذا الأسلوب الجديد في التدريس جعل الليسيوم مركزا لدراسة وأبحاث العلوم الحديثة كالعلوم الطبيعية والفلسفة والعلوم السياسية وغيرها. وبالنسبة لنشاط المدرسة وحجمها ومدة بقائها وعدد طلبتها أضحت تتجاوز مدرسة أفلاطون الأكاديمية التي ظلت تعمل وفقا للبرنامج الذي وضعه لها أفلاطون قبل وفاته.
لكن الموت المبكر لاسكندر الأكبر وضع نهاية لنشاط أرسطو في أثينا. الشعور الوطني المتنامي ضد المقدونيين، بدأ يتكاثف في المدينة بسبب وجود المحتل. تحول هذا الشعور بعد وفاة الإسكندر إلى كراهية وعداء سافرين لكل من كانت له صلة بالمقدونيين.
أرسطو، كمدرس سابق للإسكندر، والذي عاد لأثينا بعد نصر المقدونيين المؤزر على الإغريق . لا بد أنه وضع تحت المراقبة وصادف بعض المضايقات . ثم علت الأصوات تطالب بمحاكمته كما حاكمت أثينا من قبل سقراط وأعدمته قبل 80 سنة مضت.
لكن قبل أن تعقد محاكمة لأرسطو فر مرة ثانية إلى الشمال حتى لا تجرم أثينا في حق الفلسفة مرتين . هناك في كالسيس ، توفى أرسطو بعد سنتين من وصوله . وترك وصية يحرر فيها عبيده من الرق.
استمرت مدرسة الليسيوم يديرها تلامذته لمدة ثمانية قرون بعده حتى تم إغلاقها بأمر من الإمبراطور قسطنطين لأنه يعتبر أن الفلسفة حرام.
وبذلك انتقلت أثينا من الفلسفة إلى الدين، ومن أفلاطون إلى المسيح . وأسدل الستار على العقل والفكر. وبدأت رحلة الألف سنة من العصور المظلمة والعصور الوسطى حالكة السواد والبؤس.
ترك أرسطو لنا فكرا عميقا عظيما رائعا في كثير من المواضيع. في كل المعلومات التي تركها لنا، لم يعقب بكلمة واحدة على ما كان يدور في وقته من أحداث أو عن أبطال هذه الأحداث.
لم يحدثنا أرسطو عن الثورات التي كانت تدور حوله. لقد شاهد سقوط بلاد الإغريق وغزوات الإسكندر، ولم يعرها اهتماما. هذه أحداث ليست لها قيمة دائمة خالدة في نظره.
لقد كان تركيز أرسطو على أشياء أفضل وأهم . كان تركيزه على معنى أعمق. على المبادئ وقوانين الطبيعة التي لا تتغير. على وجود وسلوك الإنسان المتحضر وعلى العقل والمنطق والمعرفة ذاتها والفنون.
في عام 70 ق. م، قام أندروميكوس من رودس، بتنقيح أعمال أرسطو هذه، وأصبحت هي النسخة الرسمية. هذه النسخة، هي التي درسها عليها سيسرو في زمانه ، وهي نفسها التي نستخدمها الآن . لم نجد شيئا أقدم من ذلك لأرسطو . ثم تختفي أعمال أرسطو ويطويها النسيان أكثر من ألف عام.
يقال أن أرسطو هو سبب تفوق الإسكندر المقدوني وانتصاراته في حروبه لأنه كان يستخدم فكره في سبيل انتصار تلميذه . يقال أيضا أنه استخدم الفلك وعلم الحروف والأرقام لتأمين انتصارات مذهلة لم يشهد لها التاريخ مثيلا وقد جمع بعض فكر أرسطو الفلكي وعلوم الأرقام في كتابه ” سر الأسرار” .
ليس هناك قصص وحكايات أكثر إثارة وتشويقا من قصص اكتشاف علوم ومعارف قديمة كان الاعتقاد بأنها فقدت للأبد.
ممنوع عليهم حتى في الأحلام :
من الغريب وجود أفكار على غاية التطرف لدى بعض المجموعات المسلحة مثل حركة مجاهدي خلق الإيرانية والتي يسكن معظم أفرادها في ألبانيا بعد أن تم ترحيلهم من العراق عقب الاجتياح الأمريكي للعراق في عام 2003 . يشكو بعض أفراد مجاهدي خلق من قواعد المنظمة الصارمة التي تفرض العزوبية والتحكم في حياتهم الخاصة وعلاقاتهم بعائلاتهم وأولادهم .
يعيش العشرات منهم في العاصمة الألبانية تيرانا وليس باستطاعتهم العودة إلى إيران أو مواصلة حياتهم بشكل طبيعي. يقول أحد أفراد الحركة لمراسل إحدى شبكات الأخبار الدولية : “لم أتحدث مع زوجتي وابني منذ أكثر من 37 عاماً، كانوا يظنون أنني ميت منذ زمن” ، لكن قلت لهم: “لا، ما زلت حياً أرزق وأعيش في ألبانيا لقد بكوا كثيراً”.
لدى مجاهدي خلق تاريخ مضطرب ودموي . وبصفتهم متطرفين إسلاميين ماركسيين ، فقد دعموا الثورة الإيرانية عام 1979 التي أطاحت بالشاه . لكن سرعان ما توترت العلاقات مع قيادة الثورة الإسلامية في طهران ، عندما اتخذت الحكومة إجراءات صارمة، فكان على أفراد الجماعة الهروب خارج البلاد للحفاظ على حياتهم .
وقدم العراق المجاور المعادي لإيران ملاذاً آمناً لهم خلال الحرب بين إيران والعراق (1980-1988) ، وقاتلت الجماعة إلى جانب صدام حسين ضد وطنهم الأم إيران .العشرات لا يزالون في تيرانا ، يعيشون هناك بدون عمل بشكل رسمي لعدم امتلاكهم الجنسية الألبانية.
السؤال هو : كيف وجد أعضاء مجاهدي خلق التي كانت توصف بـ “جماعات إرهابية محظورة” في الولايات المتحدة، طريقهم إلى هذه البقعة من أوروبا؟
في عام 2003، غزت قوات التحالف العراق، وأصبحت حياتهم في خطر بعد اختفاء صدام حسين ، وتعرضت الجماعة لهجمات متكررة قُتل وجُرح خلالها المئات من عناصرها. اتصل الأمريكيون بالحكومة الألبانية في عام 2013 وأقنعوها باستقبال حوالي 3000 عضو من الجماعة في تيرانا خشية وقوع أسوأ كارثة إنسانية. كانت ألبانيا بالنسبة إلى مجاهدي خلق بيئة جديدة تماماً إذ اندهش أعضاء الجماعة عند رؤية الأطفال وبحوزتهم هواتف محمولة . ولأن بعض المجاهدين كانوا يقيمون في البداية في مبان سكنية على حافة العاصمة فقد كانت قبضة الجماعة على أعضائها أخف من السابق.
في العراق ، سيطرت الجماعة على كل جانب من جوانب حياة أفرادها ولكن في ألبانيا وبشكل مؤقت كانت هناك فرصة لبعض الحرية.
ويتذكر المنشقون عن الحركة وجود جدران إسمنتية خلف الشقق حيث كان يتوجب عليهم ممارسة الرياضة يوميا و كيف كانوا يستخدمون بعض الشجيرات والحشائش ليغطوا بها أنفسهم ويتسللون إلى مقهى الإنترنت القريب منهم للتواصل مع ذويهم. ويضيف أحدهم قائلا : “عندما كنا في العراق ، كنا نوصم بالضعفاء من قبل مجاهدي خلق إذا رغبنا بالتواصل عبر الهاتف مع عائلاتنا ، لذا لم تكن لدينا أي صلة بهم ، ولكن عندما أتينا إلى تيرانا ، أصبح بإمكاننا استخدام الإنترنت للأغراض الشخصية”.
ومع اقتراب نهاية عام 2017 ، انتقلت الجماعة إلى مقر جديد . إذ تم بناء معسكر لهم على منحدر في الريف الألباني، على بعد حوالي 30 كيلو مترا من العاصمة. وخلف البوابات الحديدية الفخمة، كان هناك قوس رخامي مثير للإعجاب وتعلوه تماثيل ذهبية لأسود، والأشجار على جانبي الطريق الذي ينتهي إلى نصب تذكاري مخصص لآلاف الأشخاص الذين فقدوا أرواحهم في صراع الجماعة ضد الحكومة الإيرانية. تمارس قيادة جماعة مجاهدي خلق أقسى ظروف الالتزام بقانون الجماعة. وهذا قاد بالتدريج إلى انشقاق العديد من الأفراد والهروب من معسكراتها بسبب التعرض للحياة الخاصة لمنتسبيها . يقول أحد المنشقين عنها :” لقد التحقت بالجماعة عندما كنت في العشرين من العمر وانجذبت إليها بسبب إيمانها بالتعددية السياسية وروح الفريق ولكن بالتدريج بدأت الممارسات القمعية تنتشر في صفوف الجماعة . كان لدينا دفتر صغير وكان علينا تدوين أي لحظات رومانسية نشعر بها وقد كتبت ذات صباح : اليوم شعرت برغبة جنسية . لقد كانت العلاقات العاطفية والزواج من المحظورات داخل الجماعة . لقد اعتاد الآباء والأمهات الانضمام إلى الجماعة مع أطفالهم . ولكن بعد الهزيمة المدوية التي منيت بها الجماعة على يد القوات الحكومية الإيرانية اعتبرت قيادة الجماعة أن سبب الهزيمة هو انشغال الأعضاء بعلاقاتهم الشخصية . فعمدوا إلى الطلاق الشامل للعديد من أسر أعضاء الجماعة وأرسل الأطفال بعيدا عن ذويهم لتربيهم أسر أخرى في أوروبا . وتعهد مجاهدو خلق غير المتزوجين الالتزام بعد الزواج أو إقامة أية علاقات عاطفية . كان على المجاهدين أن يدونوا في دفاترهم الصغيرة أحلام اليقظة أيضاً ، على سبيل المثال ، عندما شاهدت طفلاً على التلفاز، تمنيت لو كان لدي ولد مثله ، أو تمنيت لو أن لي أسرة أيضاً. وكان على العناصر أن يقرأوا من دفاترهم أمام قائدهم ورفاقهم في الاجتماع اليومي ما دونوه، “إنه أمر في غاية الصعوبة بالنسبة لأي شخص”.
يتذكر منشق آخر قائلا : ” إذا كنت تعتقد أن هذه الإجراءات نوع من العبادة هناك شيء خاطئ في تفكيرك . إن معسكر الجماعة يشبه مزرعة الحيوان التي كتبها جورج أورويل وأحداثها تشبه ما يجري في المعسكرات . ببساطة أسلوب الحياة نوع من العبادة ”
من جانب آخر تقول الحكومة في العاصمة تيرانا أن مجاهدي خلق ” جماعة عقائدية فريدة من نوعها وأنها لا تمارس نوعا من العبادة لكنها تشبه إلى حد بعيد العبادة . ومن الغرائب أن هذه الجماعة تحظر العلاقات الشخصية مع غير أفرادها وترفض التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة . لقد تعهدوا بالقتال طوال حياتهم من أجل تحرير بلادهم من النظام الشمولي. أحياناً نواجه صعوبة في قبول الإيمان القوي بقضية ما. هذه تضحية شخصية ، وهي عقلية نتفهمها “.
ومع ذلك، فهناك بعض الألبان الذين يشعرون بالقلق من وجود الجماعة في بلادهم خشية على أمن بلادهم القومي. ويشعر مصدر رفيع المستوى في الحزب الاشتراكي بالقلق من أن أجهزة الاستخبارات تفتقر إلى القدرة على مراقبة أكثر من 2500 عضو من مجاهدي خلق الذين يتلقون تدريبات عسكرية. ويقول: “لن يقبلهم أي شخص لديه عقل هنا”.
يتابع أحد المنشقين عن الجماعة قائلا: ” وعلى الرغم من أنني في سن الأربعين حالياً، إلا أنني أصغر من معظم رفاقي القادة ولا يزال متفائلا بالمستقبل. وضميري يؤنبني على الأخطاء التي ارتكبتها في حياتي ، وهو شيء اكتشفته عندما تواصلت مع عائلتي لأول مرة بعد زمن طويل . عندما تركت أهلي للذهاب إلى الحرب ضد العراق في عام 1980 ، كان لدي ابن عمره شهر واحد. وبعد انتهاء الحرب بين إيران والعراق، جاءت زوجتي وأفراد أسرتي إلى معسكر الجماعة في العراق بحثا عني . إلا أنني أرسلت بعيداً ولم يخبروني شيئاً عن زيارة أسرتي .” هذا الرجل البالغ من العمر 60 عاماً في الوقت الراهن ، لم يكن يعلم أبداً أنه كان الزوج والأب الذي يفتقده ابنه إلى أن وصل المنزل لأول مرة بعد 37 عاماً. يقول: “لم يخبروني أن عائلتي جاءت للبحث عني في العراق. لم يخبروني بأي شيء عن زوجتي وابني . فكرت طوال هذه السنوات في زوجتي وابني ، وكنت أقول لنفسي إنهم ماتوا في الحرب. لم أكن أعرف أي شيء عنهم”. الابن الذي لم يره قط في حياته، منذ أن كان طفلاً صغيراً يبلغ الآن 40 عاماً ، وهو يعرض بفخر صورة الرجل البالغ على تطبيق واتس آب ، إلا أن إعادة التواصل معهم كان مؤلماً بالنسبة له. ويتابع “كنت مسؤولاً عن هذا الموقف – الانفصال- لا أستطيع النوم جيداً ليلاً لأنني أفكر فيه طوال الوقت ، أشعر دائماً بالتوتر والغضب ، وأخجل من نفسي”. حاليا أعاني من عذاب داخلي لا أستطيع التعايش معه بسهولة ولدي رغبة واحدة فقط الآن. أنا أريد العودة إلى إيران والعيش بسلام مع زوجتي وابني. هذه هي أمنيتي الوحيدة”.
هذا المنشق عن مجاهدي خلق يعيش حاليا في تيرانا بلا هوية و بلا جنسية وبلا جواز سفر.
غاندي يدعو النساء للامتناع عن المعاشرة الجنسية:
لا أنسى أبدا يوم صعدت المسرح لإلقاء محاضرة في كلية الطب في جامعة تشرين في عام 1984 نظمته جمعية تنظيم الأسرة باللاذقية وكانت محاضرتي في ذلك الوقت تركز على أن الجنس بين الرجل والمرأة يجب أن يكون لإنجاب الأطفال فقط ولم أكن على دراية بمبادرة الماهاتما غاندي . وقد استلمتني سيدة في منتصف عمرها وبدأت تنهال علي بهجوم كاسح وكأنه طير أبابيل . كانت المرأة تؤيد المعاشرة الزوجية وكان رأيي ناجم عن تفكير مثالي إذ كنت عزبا في ذلك . لقد كان ما كان وانقضى ذلك اليوم بسلام .
في عام 1935 زارت الناشطة الأمريكية في مجال تنظيم الأسرة مارغريت سانغر بطل حرية و استقلال الهند المهاتما غاندي. وكانت سانغر في رحلتها للهند تتحدث إلى الأطباء والناشطين عن تنظيم الأسرة وتحرير المرأة. وفي كتاب جديد عن حياة غاندي يحمل اسم ” أب الأمة “، تحدث راماشاندرا غوها عن اللقاء بين بطل استقلال الهند والناشطة الأمريكية. يقول الكتاب إن غاندي والناشطة الأمريكية اتفقا على حرية المرأة وحقها في تقرير مصيرها ولكنهما اختلفا حول الجنس. ففي الوقت الذي أيدت سانغر حق ممارسة الجنس للمتعة دون إنجاب أطفال وهي التي افتتحت أول مركز لتنظيم الأسرة في نيويورك عام 1916 اعترض غاندي على ذلك مؤكدا أن الجنس يجب أن يكون بهدف إنجاب الأطفال فقط. وقال غاندي لضيفته إن “الزوجات يجب أن يقاومن أزواجهن إذا طبلوا الجنس للمتعة وعلى الأزواج مقاومة شهواتهم الحيوانية”. وردت عليه سانغر قائلة بأن “للنساء عواطف مثل الرجال وهناك أوقات تشعر فيها المرأة بالرغبة مثل زوجها” وسألته “هل تعتقد أن زوجين يحبان بعضهما يمكن أن يربطا الممارسة الجنسية بينهما بإنجاب طفل فقط.؟”. ولكن غاندي ظل مصمما على موقفه. وقال لضيفته إنه يعتبر الجنس “شهوة”، مشيرا إلى أن علاقته بزوجته كاستوربا باتت “روحية” بعد أن ودع تلك الشهرة. وقال غاندي الذي أنجب أربعة أبناء إنه تزوج وعمره 13 عاما وفي عمر 38 التزم بعهد العفة مشيرا إلى أنه شعر بذنب عظيم عندما مارس الجنس مع زوجته بينما كان والده على فراش الموت.
يقول عش رجبا ترى عجبا ….
هي بعض حكايات من الشرق والغرب . والفرق ليس كبير في ميدان المعتقد .

لا تعليقات

اترك رد