التظاهرات العراقية في التشكيل المعاصر ج1 تعتيم وترحيل وتحرير

 

تمظهرت العديد من العلاقات الجدلية مابين الفن والتظاهرات الشعبية من جهة و مابين الفن والسياسة من الجهة الاخرى بحدود الفكر السوسيولوجي ؛ بحيث نستطيع القول بانه أي تغيير في بنية الواقع السياسي والاجتماعي سيتبعه تغيير في بنية الفن والادب ؛ كونهما يمثلان انعكاساً طبيعياً للواقع المُعاش بالرغم من عدم تبعيتهما لبنية الواقع ؛ على اعتبار ان الفنون والآداب بشكل عام بمثابة أنظمة وقوانين ابستمولوجية تواكب الاحداث المتلاحقة المعاصرة بكل مستوياتها وأجناسها ، يعتمدها الفنان والاديب لحظة الفعل الابداعي في تكوين اشكاله الفنية عندما يستشعر الخطر ، متأثراً بأزمات مجتمعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية ، فتصبح أعماله الفنية بمثابة ميزان للوعي والفكر والثقافة ، يناهض الفكر الاستبدادي والسلطوي والكولونيالي ويقابلهُ بالفكر الثوري المحتفي بأشكال الاحتجاج والتظاهر المطالب بالحقوق المؤجلة والحريات الغائبة .

1

فقد تواجدت العديد من مظاهر التلاعب بالوعي الجمعي والفردي بحدود الثقافة من قبل الاعلام المعاصر في دولنا العربية المحتفية بعمليات التعتيم والتكتيم والتأجيل والترحيل والتأخير والتجهيل والتسليع والتي تسببت في نقص حاد جداً في الحريات وسلبت الكثير من

الحقوق ، والتي اخضعت الانسان الى اعتماد منهج استهلاك ماهو مُستهلك كبديل للانتاج ، مما اسهم في تبني الفنان العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص قضية محنة الانسان الكادح والمظلوم المكبل بترسبات الماضي الاليم الممتلئ بالحروب والمقابر الجماعية وتراكمات الحاضر الممتلئ بالاحتلالات والفساد الإداري .. وبالتالي نجدهُ يُشييد أفكاره ومنجزاته الفنية ومشاريعه النقدية من خلال خبراته ومهاراته الادائية وامكانياته الفنية ويوجه أفكاره الانسانية نحو التحرر من قيود الآخرين المتربصين بجسد العراق في كل زمان ومكان ومن كل الجهات ، من أجل التشارك مع أطياف الشعب لصناعة المصير .

2

الانصات الى الضمير :
ثمة حراك شعبي في اغلب دول العالم ، وجدناه حاضراً على الساحة الاقليمية والدولية يتمظهر للعيان بالعديد من صور الاحتجاجات والتظاهرات والاعتصامات والثورات وعلى وجه الخصوص في العراق منذ التظاهرات الشعبية في الاول من تشرين الاول من عام 2019 في ساحات التحرير في أغلب مدن البلاد ، كرد فعل طبيعي للفساد الاداري المستشري في جسد الدولة ومؤسساتها وباعترافها هي ، مما أسهم في انتاج وعي فردي وجمعي ثائر على الفساد ، يقترح بدائل ويطالب بتشريع قوانين جديدة وتعديل أخريات وتقليص أرقام مالية وتفعيل الخدمات وغيرها مما أفرزت هذه الاحداث العديد من المواقف الانسانية في الفكر والفن والجمال التي انتجت اعمالا فنية في ساحات التحرير وأخرى تم عرضها من على مواقع التواصل الاجتماعي تحاكي قصص وأحداث ساحات التحرير في مدن العراق ، تعيد صياغة الواقع وتندد بمقومات الماضي والحاضر وتطالب بمستقبل يسودهُ السلام .

فقد لعب الفن التشكيلي في العراق دوراً مميزاً في مواجهة الفساد المتفشي في جسد الوطن ، فالفنان قد خاطر بحياته فسجل وقفته الاحتجاجية على مسافة واحدة مع أخيه المتظاهر دفاعاً عن الحريات ، لتصبح أعماله الفنية بمثابة ذاكرة الشعوب ؛ كونها تعبر عن المسكوت عنه … فالفنان العراقي والتشكيلي على وجه الخصوص قد احتفى بقضايا مجتمعه المطالب بمحاربة الفساد بحثاً عن فضاءات حرة جديدة تعاني من ترسبات الماضي وتناهض تراكمات الحاضر ، كمحاولة لإعادة صياغة صور الواقع المعاش ومنح عضوية للوطنية الغائبة منذ ثلاثة عقود وأكثر .. أذ نجد أن تشكيليو العراق ومثقفيه قد شيدوا مواقفهم الاحتجاجية من خلال تدوينهم لذاكرة الاحداث اليومية الدامية في العراق وماتتضمنه من مشاهد بانورامية لتظاهرات شعبية وشبابية ومسيرات طلابية ، غصّت بها طرقات المدن الكبيرة باتجاه ساحات التحرير فيها .. فتمظهرت هنا وهناك العديد من الاعمال الفنية التشكيلية ذات الطابع الوطني وبمختلف الاساليب والاتجاهات المعاصرة والتقنيات الاظهارية المتنوعة والتي رسمت على جدران البنايات في ساحات التحرير في المحافظات العراقية بجانب نشر بعض الفنانين أعمالهم من على نوافذ مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام وعلى صفحة (#الغضب_العراقي) بشكل خاص .. فمثلاً نجد الكثيرين من الفنانين قد انتهجوا في طرح افكارهم تقنية التصميم الكرافيكي .. منهم الفنان عبدالكريم السعدون في عمله المعنون بـ (جبل أحد) الذي اعتمد فيه على رمزية بناية المطعم التركي (البرج) ببغداد في ترسيم الحدود الجغرافية للفكر ضمن مساحة جسد شاب عراقي منتفض ، يحتضنه فضاءاً ثورياً بلون احمر قاني .. فضلاً عن عمل الفنان فاروق حسن المعنون بـ (الصرخة) الذي اختصر فيه رمزية الالم والحرمان وصمت الكلمات . بجانب عمل الفنان غسان غائب (سلاماً ايها الوطن الجريح) الذي اختزل فيه جراح العراق ممثلاً برمزية الشهيد والشهادة ..

3

بينما قدم الفنان بلاسم محمد تكويناً فنياً محتفي بجماليات التصميم ، مكوّن من اثنتا عشرة صورة تمثل تفاصيل لمتظاهرين ومتظاهرات من العراقيين وهم في ساحات الاعتصام وبمختلف الاعمار ، تم تضمينها جميعا في قوالب بريدية عراقية جعلت من هذه الصور رموز تاريخية وطنية . بينما اعتمد الفنان شوقي الموسوي في عمله (انقذوا العراق) على رمزية الاستغاثة الذي تمثلت بوجود طفلة صغيرة بثياب سوداء وهي تقف في مواجهة جدار أسود كبير مدون عليه نداء استغاثة للوطن . في حين نجد عمل بعنوان (تظاهرات) للفنان نصيف جاسم الذي احتفى بجماليات التصميم وأنساقه الخطية المتوشحة بتدرجات حيادية بين اللونين الاسود والابيض التي تراكمت وتراكبت فيها الاشكال والارقام والحروف والوحدات والفترات فتداخلت التكوينات بتداخل الاحداث الاجتماعية والسياسية الحالية في العراق التي افرزت الاحتجاج في التظاهر والمطالبة بالوطن التي تسيدت المشهد الشعبي، مثلما حضرت في عمل الفنان علي رشيد الذي استعان بنماذج من مشاهد احتجاجية شبابية عراقية في تكوين مشهده البصري ضمن فضاءات تعبيرية وترميزية عالية الحساسية في اللون .. بجانب عمل الفنان وائل البدري (لاتحزني يا أمي) الذي دوّن صورة الشهادة والتي أظهر فيها شهيد وبجانبه والدته الباكية وهي تقبل يديه وتودعه وتتوجه المشهد ثلاثة حمائم بيضاء ، متجهه الى السماء .

4

لا تعليقات

اترك رد