تظاهرات التحرير .. من الشيطنة إلى الزعططة

 

أكثر من شهر ونصف مضى على تظاهرات العراق التي لا زالت مُستمرة وأخذت تُشكل بفاعليتها الإجتماعية وليست فقط الوطنية حدثاً كجزء من الحياة اليومية لأي مواطن سيما لسكان بغداد والمُدن الىخرى القريبة أو حدثاً يَحجُ إليه الزوار من كل حَدبٍ وصوب من المحافظات الأخرى البعيدة، عدا الزائرين يوتوبيا أو فيديوياً.

ومنذ ذلك الحين ولازالت الفجوة الجيلية هي ذاتها الفاصلة بين فئتين مجتمعيتين على أساس التفاعل الإجتماعي السياسي (النُخب السياسية وصناع القرار) والفئة الإحتجاجية (الشباب وهم من الجيل الجديد أو ما يسمى الألفيني) على مستوى الخطاب بشتى مصادره، إذ مورِست ديماغوجية إعلامية وخطابية بطريقة بشعة في باديء الأمر لجأت فيها قوى السلطة الحكومية والأطراف السياسية المُتمترسة بها رسمياً إلى التخوين والإتهام بالعمالة والإندساس والتبعية لأجهزة مخابرات ودول تُير بذكرها حفيظة اللاوعي الجمعي للمجتمع كأسرائيل مثلاً وأمريكا مُتناسين أن الثانية جُيئت بهم ولولاها لما تَسيدوا مواقع القرار أما الأولى فقد دَعمت بالتأكيد من قريب أو بعيد قرار إحتلال العراق وهذا يكفي، ولشيطنة التظاهرات أخذت الدعاية الأعلامية تُصرعلى (بَعثثة) المُتظاهرين الذين وُلِدوا بعد زوال البعث الذي أُحل وبُذخت لحلهِ أموال طائلة من خلال هيئة للإجتثاث.

ولأن (الدَوعَشة) لا يمكن لها أن تنطبق على ديموغرافية التظاهرات وفقاً للجماعة الإجتماعية المرجعية إثنياً التي تطغى على الغالبية العُظمى من المتظاهرين من بغداد إلى أقصى الجنوب لم يكن من السهل والإستساغة المنطقية بإتهامهم على إنهم (دواعش).

بالمقابل أفرزت الديناميكية الإحتجاجية سلوكيات ترمز إلى الطاقات الإبداعية من فنون وتشكيل وتغني بحب الوطن والمساهمة في إعادة صورة المدينة بمَدنية تَليق بها من خلال المشاركات الجماعية تطوعياً لحملات التنظيف ، تبلور سلوك جمعي يدُل على التفاني والمساهمة بإنكار الذات طائفياً و الإنصهاراً بالذات الوطنية الجامعة.

ولأن هكذا أمر يُزعج ويُحرج محلياً وعالمياً الحكومات المُتعاقبة لان فشلها بات واضحاً حتى للرأي العام الاقليمي والعالمي الذي ضُللَ طوال السنوات الماضية بعد التغيير، تَحول الخطاب وهذا ما يتضح ببعض تصريحات كبار صناع القرار في إشارة إلى جَعل صورة السلوك للمُتظاهرين ما هو إلا سلوكيات (مُراهقة) قد تخرج عن إطار القيم المُجتمعية او الضبط الإجتماعي، مُتناسين أن سايكولوجياً الحشود الجماهيرية قد تتخللها حركات فردية لا تنم إلا في الأغلب عن سلوك غير محسوب أو نزعة فردية للظهور أو التعبير عن مَكبوت لا أكثر.

أبعد من ذلك .. وبعد إعلان أن ثمة إتفاق بمُباركة إيرانية برزت تصريحات للبعض على أن كبارالعراق هُم الذين يضعون قراراته، والإشارة هنا إلى (زعططة) الجمهور المُتظاهر، على أنه صغار ولم يُدركوا الحياة بعد ما يجعلهم غير مؤهلين إلى إتخاذ القرار.

في رؤية سايكولوجية جاك لاكان اللاوعي تشكله اللغة، فأن من المُهم أن تنتبه الأجيال السابقة في خطابها للجيل الحالي، فاللغة والترميزات والمعنى لا شعورياً ليس ذاته الذي يُشكل اللاوعي اللغوي للجيل الألفيني، وهذا المُنطلق يَنسحبُ حتى على (خطاب الجمعة الديني) في توجهه ليكون اوضح وغير قابل للتفسير، ففي حالة كون الخطاب حَمالُ أوجه لايكون الخطاب علاجاً مُداوياً لأزمة بل على العكس يجعل المأزق في تفسيرات ما قيل أكبر.

الفجوة الجيلية .. يمكن سدها فيما لو توفر خطاب ناجح يصلُ بمرونة إلى مستوى المُتلقين من الجيل الجديد ويُجنب الكبارَ أزمة السَفسطة.

واخيراً .. عُذراً للعنوان فالغوص في توصيف الظاهرة يجب أن لا يتحاشى فهمها الحقيقي لغرض تشخيص الخلل وإتخاذ الحلول.

لا تعليقات

اترك رد