ابن الوهم أم ابن المعرفة

 

دون كيخوت تلك الرواية العظيمة التي قام بكتابتها ميغل دثربانتس الأسباني الجنسية , الذي ولد في أسره فقيرة من أب جراح لا يسمع وأم لخمسة أطفال . محاولته المتكررة للهروب من الفقر والبحث عن استقرار مادي فذهب للحرب وانضم الأسطول الاسباني ,فعاني هناك من الجوع والبرد والحر فانتقل من أشبليه لمدريد باحثا عن باب رزق .فبسبب مرضه الشديد لم يسمح له بقتال وأصيب ببضع جروح نتيجة وجودة هناك في معارك البحرية .

بعد أن قلت لكم في مقدمه بسيطة عن الكاتب لتلك الملحمة الرمزية التي سيوقعنا فيها بطل الرواية .

فدون كيخوت قاري نهم لرواياته الفروسية وعاش علي تلك الأوهام التي شكلت هويته ولغت شخصيته الحقيقة في الحياة .فقد ظن أنها ستعطيه الحياة التي يحلم بوجودها , فلطرافة تلك الرواية أن هذا البطل رجل مسن منهك يعرض مشاهد من تقمص الشخصية في السهول والوديان في مدينته . يملك من العتاد رمحا ودرقة قديمة وجوادا عجوز وكلبا ,وحاول أن يجد سيدة جميلة يعشقها مثل تلك روايات ويقع في وهم المثالية الزائف لكنه لم يجد . وعندما جاع دخل بيتا لراحة فاعتقد انه قصر وقدموا له الأكل والشراب فتوهم أنهم خدم ذهب عليهم ليخدمونه قبل الذهاب للحرب . قضي ليلة ونهاره في قراءات متواصلة لا تنتهي فقد عقله وجفت دماغه من قصص مليئة بخيال . تشبكت شخصيته بشخصيات أبطال رواياته المنتصرين الغير مهزومين في الحياة فتشكلت في عقله الفارس الجوال فاسمي نفسه دون كيخوت بديلا عن اسمه الحقيقي .فمرض بجنون العظمة والبطولات الفردية .جيرانه الذين اعتزلهم وانفرد بقراءة ,حكموا عليه بجنون مفقود وتائه في عالمة الخاص لا يخرج منه ألا بجسده .فزيف حياته وجعل من نفسه أسطورة خيالية .فهو غير متقبل للواقع الهارب دائما للخيال بديلا عنه .سكنت فيه مفاهيم العادلة والثقة في عالم لا يوجد فيه عادله . الشعور باغتراب هو ما حرك دون كيخوت عن هويته واسمه ومجتمعه غير قابل لدمجه ولا البعد عنه .لكن ما طرحه الكاتب أسئلة ادمجها بفخاخ وجودية تحير العقل وهي فرح الخداع أم ضجر الحقيقة .وذاك ظهر في مقطع الرائع عندما اعترف واستكشف دون كيخوت نفسه أنه ليس بطلا في هذه الحياة وانه بطل قصته (أعطوني البشارة أيها السادة الطيبون لأني ما عدت دون كيخوت بل الونسو كيخانو ) لقد أعترف بالفشل وأن هذا العالم قد يحتاج لبطل لكن هذا العالم لن يترك فسادة ولا شروره . فالخيال الذي وقع فيه بطل الرواية مفيد من جهة ومضر من جهة أخري مفيد للكاتب والشاعر وأي مبدع وأي بشري يعيش في هذه الحياة يريد أن يبدع ويهزم تلك القيود المجتمعية التي يفرضها عليه البعض ويحكمون عليه بالجنون هي تلك الهبة التي يعطيها الله للبشر ليحققوا أحلامهم ويكتبون نصوصا مقروءة ومسموعة .لكنها أيضا التعمق في خيالات قد يضر الحالم الذي لا يدخل للواقع ويحتك بالحياة والمجتمع . قد يتوهم البعض بتدين الزائف فيقتل ويسجن ويطلق أحكاما باسم الدين أن أراد .وقد يتوهم البعض بالحرية المطلقة فيترك نفسه بلا قيد ولا رابط. الجميع قيد الحقيقة المطلقة وهي حرية اختيار قبول حقيقة موجعه أم قبول الوهم مر .

لا تعليقات

اترك رد