((انتفاضـــات الربيع العربي “الجيل الثاني”))

 

من الأمور البغيضة والمضحكة في حياتنا ، أن الشعوب تموت وتجوع وتطحن عظامها وتتجرع المشقات والمآسي والعذابات الأليمة ، وفي الضفة الأخرى نخب حاكمة متوحشة لا تكترث لصوت الشعب وتظن أنها كامرأة قيصر خالية من الشبهات طاهرة من الدنس ومنزهة من الرجس ، ترفض بتبجح الاستماع لصوت الحــق .

فالثورات والانتفاضات صــدى لصوت الشعوب المقهورة للتحرر من الجور والشـــح والجهل والهوس الطائفي والعرقي والعنصري .

ويصح لنا أن نقــرر ، أن الجيل الأول من انتفاضات الربيع العربي التي بدأت في تونس ( 17/12/2010م ) ، وفي اليمن ( 15/1/2011م ) ، وفي مصر ( 25/1/2011م ) ، وفي ليبيا ( 17/2/ 2011م ) ، وفي سوريا ( 15/3/2011م ) ، لم تؤد إلى تغيرات ملموسة وحقيقية في حياة الناس ولا إلى ديمقراطية سوية ( ماعدا تونس ) ، ومكنت أهل القوة والنخب العسكرية والزمر العصبوية من الصعود إلى قمــة السلطة بطرق ملتوية خارج أســوار الحــق والقانون والنواميس الاجتماعية ، حيث قامت بتدوير النفايات السياسية القديمة في المناصب وواصلت هذه النُخــب تبذير الثروات والرأسمال البشري وحولت البشــر إلى كائنات غريبــة تتحرك بنوازع غرائزية ، وعمقت الفوضى والفقر والفساد وصراعات الأعراق والطوائف وغيبوبة الوعي ، وفككت مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المــدني ولم تحافظ على آدميــة الإنسان في ظل انهيار كامل ومريع في كافة الصُعــــد بأثواب عرقية ومناطقية وطائفية جعلت الناس يبكون على زمن الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية الفارطة .

النخب الماكرة وبمساندة خارجية حولت الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية إلى حلبة العنف والحرب والفوضى ومحاربة الإرهاب بدلاً من إسقاط النظام والنخب الفاســدة . فالانهيار الشامل للاقتصاد والمؤسسات والسلوك والوعي والنواميس الأخلاقية شاخص وملموس بشكل قوي في سوسيولوجيا الحياة اليومية :

( المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية اليوم ، تشبه بنايات مترنحة ملأى بالشقوق ومهــددة بالانهيار ، وفي كل الحالات عاجزة عن الإيفاء بحاجيات السكان … لأنها مبنية على مستنقـع )) ” المنصف المرزوقي ” .

ولو أردت الدقة لقلت ، أن القادحة الكبرى لانتفاضات الربيع العربي ( الجيل الأول ) ، هي أن الجماهير سارت بلا وعي ناضج وبلا تنظيم حكيــم ، وتركت النخب السياسية الجماهير تسير بلا بصيرة في خضم عميق من الشعارات الحماسية التي لا يمكن تحقيقها بضـربة عصا وتحتاج إلى فترة زمنية مديدة مرفوقة بتنظيم للقدرات والطاقات والثروات والكفاءات والوعي المنير المتزامن مع بناء جهاز سلطوي جديد على أساس الدستور والعدالة والإنصاف والمواطنــة الواحدة .

لقد تم تكسير إرادة التغيير والتنوير العقلي وعــزة المواطنين لصالح الجمود والتخلف والتعصب العقائدي والعرقي والمذهبي ونشــر الخرافات وأضحت الشعارات الإنسانية الخالدة فسفوسة على طرف الفــم :

( أكــدت ثورات الربيع العربي أنها ” تهــديم ذاتي و” تبعيــة شبه عمياء” ، بحيث بدا تاريخياً ، أن العالم العربي موجوداً على خريطة العالم بوصفه ” يأكل بعضه بعضاً ” وبوصفه ” تابعاً ” وبوصفه هوساً سلطوياً لا يترك أي مجال حقيقي لحقوق الإنسان الفرد وحرياته . ولا مكان فيه إلا لهــذا الثنائي : الآمر والمأمور ، المالك والمملوك ، والسيد والعبد ) ” أدونيس ” .

أنا موقن ، أن انتفاضات الربيع العربي ” الجيل الثاني ” التي بدأت في : السودان ( 19/12/2018م ) ، الجزائر ( 22/2/2019م ) ، العراق ( 1/10 /2019م ) ، لبنان ( 17/10 /2019م ) ، تحمل نكهــة ثورية تغييريه إلى الأحســــن ، وأن هذه الانتفاضات ستكسر الجمود والقبوع والانزواء ، و إذا سارت بخطوات متبصرة ستسقط النظم والنخب الفاسدة والتقسيمات الطائفية والحزبية الضيقة التي حطمت الهوية الوطنية الجامعة بشحن طائفي وعصبوي عفــن شــقق جدران النسيج الاجتماعــي .

ولعله من الضروري القول ، أن الوجوه الجامــدة والفاســدة المصابة بآفات نفسية والقاطنة بين أســوار من الرعب والخبـث والمكــر والتخثر لن تتنازل عن السلطة طواعيــة ( العراق أنموذجاً ) ، بل ستقاوم وستراوغ وستقاتل من أجل كســر رقبــة التغيير وتثبيت نظام التقاسم والمحاصصــة والمفاسد ، ستقاتل حتى آخر شهقــة في الحياة للحيلولة دون انبلاج فجــر جديد للحرية والديمقراطيــة والمواطنــة المتساوية :

( إن الذي يثور لأجل الجوع سيسكت حتماً إذا ألقيت له كســرة خبز ، أما الذي يثور لأجل كرامتــه فلن يسكت حتى تكون له كرامة ) ” محمد غنيــم ” .

لا تعليقات

اترك رد