المردودات الإيجابية في الحكم، ديمقراطية أم رئاسية ؟

 

قبل الحديث عن التفاصيل والفرق بين المفهومين سياسيا، لا بد من طرح سؤال آخر، هل إن الحكم الرئاسي هو دكتاتوري؟

وهل إن الديمقراطية في شعوب ودول منهكة من أحداث سابقة متتالية، ينتج تطبيقها في وضع مشتت تتقاسمه فئات سياسية مختلفة الأفكار ولكنها متفقة الأهداف التي تسعى إلى منافعها الخاصة، بطرق ووسائل دينية لدرجة فروع طائفية منحرفة عن الفكر العالي الذي يرتبط بمفهوم الوطنية العامة للبلد، مثلما يحصل الآن في العراق؟

أنا اتوافق مع التطبيق الديمقراطي: الذي يجمع عامة الشعب في الأهداف والتطور دون خضوع الحكم إلى شخص تتوارث أسرته بالاستمرار في الحكم وما تنتج من منافع خاصة وقرارات منفردة دون الاشتشارات التي تقود إلى الحروب المهلكة للبلد، كما حصل في العراق في الثمانييات وما تلاها والامر يعود من الجهتين وليس من حكومة العراق فقط، وهذا الموضوع يحتاج إلى التوضيح في مجال آخر.

لكن في الوقت ذاته نحلل الامور من جانبين، هل إن الحكومات جميعها الرئاسية هي مدمرة للبلد؟
لو عدنا تاريخيا إلى البلدان التي تمتلك حضارات ومنها العراق، ألم تفتخر بها الأجيال اللاحقة؟

مع العلم إنها حكومات آثار حضاراتها هي عبارة عن قصور وأملاك خاصة محاطة بحفر عميقة للحذر من الغزو، كما هي عند نبوخذ نصر، الذي ذهب إلى اليهود وجلب الآلاف من الأسرة وما تم قتلهم برغم عدم وجود مخالفة وصراع متجاور بينهم، وهو مايسمى بالسبي البابلي، وهي فترة في التاريخ اليهودي تم فيه أسريهود مملكة يهوذا القديمة. تم على يد نبوخذ نصر الكلدانيا بن نبوبولاسر في بابل في العراق القديمة حيث قام نبوخذ نصر باجلاء اليهود من فلسطين مرتين؛ مرة في عام597 ق.م.، والمرة الثانية في عام 586 ق.م.

لقد كانت هذه الفترة شديدة التشوش وتنذر المكتشفات الأثرية حولها، وتخضع لنصوص التوراة، فإن ما يمكن استنتاجه أساسا أن الحروب والصراعات قد ظلت دائرة في المنطقة وأن داوود دخل إلى مدينة معمورة ومسكونة. لم تعن هذه السيطرة إشاعة الاستقرار في المنطقة، ومن المتصور أن الكنعانيين قد استنجدوا بأقربائهم من خلف العموريين، الذين كانوا قد أقاموا دولا قوية في بلاد الرافدين. ارتبط وجود مملكة داوود بصراعات داخلية وبصراعات مع المحيط الكنعاني، قاد إلى انقسام المملكة نفسها إلى مملكتين.

أمام هذا الاضطراب، قاد شيلمنصر الخامس الملك الأشوري حملة على المملكة الشمالية، ولكن الذي أتم تفويضها كان سرجون الآشوري سنة سبعمائة وإحدى وعشرين قبل الميلاد وفرض الجزية على المملكة الجنوبية التي تضم القدس . ما بين عامي سبعمئة وخمسة، وستمئة وواحد وثمانيين قبل الميلاد، قام سرجون وخلفه سنحاريب بسلسلة من الحملات والعمليات الحربية ضد المدن الكنعانية والفلسطينية وبلغت ذروتها عام سبعمئة وواحد قبل الميلاد بحصار القدس.

وتذكر المصادر التاريخية أن ربشاقي القائد الآشوري جاء في جيش كبير، ودك أسوار المدينة، وكان رجاله مزودين بالسيوف والنبال والتروس والأقواس والرماح، ولهم مركبات خفيفة يجر الواحد منها حصانان، وكانتا لهم وسائل نقل منظمة.

ما أردت أن أنوه عنه تاريخيا أن هنالك تمجيد عام للأثر الحضاري، دون الدخول تحليليا عن طبيعة ومحتوى الحكم والسلطة، لدرجة أن بعض الملوك يعتبرون أنفسهم يمثل جميع الآلهات المتنوعة والذي يسمى كل اله. (ايل) لذلك سمي فيما بعد الملائكة جبرائيل، عزرائيل، ميخائيل..إلخ.

ربما البعض يقول: من خلال ما تطرقت اليه في انواع تركيبة الحكم الملوكية تنوعات غير منعزلة احيانا ، اي ان الملوك في ذلك العهد خلف حضارات تفتخر بها الشعوب اللاحقة ، وكذلك هنالك ملوك وروءساء جمهوريات تمنح الدولة نوع من المكانة بين الدول ، وفي الوقت ذاته هنالك سلبيات كثيرة تم ذكر البعض منها ابان العصور قبل الميلاد.

نعم هنالك ايجابيات وهنالك سلبيات، ولكن في وقتنا المعاصر ينبغي ان تكون هنالك قوانين معاصرة تتجنب الانحرافات ودمار البلدان نتيجة لمحصلة نتائج الخلل عن ما عاشتها البلدان في الاحداث والحروب ، وهذا ما استفادت منه الدول الغربية، والذي جعلها تتجه نحو الاتفاق الاقتصادي بين الدول برغم الحروب فيما بينها سابقا الاولى والثانية. تلك التجارب انعكس على نوع سياق الحكم برلماني او رئاسي، وبرغم الاختلاف، الا ان هنالك استقرار ونجاح بسبب التوجيه الصحيح والقوانين المنضبطة، دون السماح الى اصحاب المناصب لاستغلال منفعتهم الخاصة مهما كان النفوذ. على العكس ما يحصل في بلد العراق حيث تحولت سلبيات النظام السابق الى جوانب اخرى اقتصادية من خلال النهب والسرقات وعدم تنمية الشركات في الاستثمار والنمو.

بالنتيجة ما ينعش البلد هو التطبيق الحقيقي من عناصر مخلصة مهما اختلف النوع من الحكم .

من ذلك نستنتج عصور الحضارات سياسيا لاتوجد ديمقراطية وهي ليست رئاسية بمفهومها المعاصر.

مع كل هذا هنالك إيجابيات يفتخر بها التاريخ المدون، وهذا ليس رأيي الخاص وإنما ما هو مروج عنه عالميا.

أما في العصر الحديث، ولا نريد أن نتطرق إلى الحكم الإسلامي في زمن الدولة العباسية وما بعدها الحكم العثماني، لأنها تحتاج إلى موضوع آخر.

والحديث هنا عن تأسيس الدولة العراقية عام ١٩٢١ بعد الإحتلال البريطاني، لم تتوافق الجهات العراقية في الحكم فحصل إختيار الملك فيصل الأول إبن الشريف حسين الهاشمي صاحب الثورة في الجزيرة العربية عندما تحالف مع بريطانا ضد هتلر ابان الحرب العالمية الثانية. تم تعيينه في سوريا وبعد أن أصبحت سوريا تابعة إلى فرنسا تم إلغاء حكمه وعاد إلى الجزيرة ثم بعد ذلك تم تعويض ما فقده من السلطة إلى العراق.

لكن السؤال هل إن تغيير الحكم الملكي في العراق عام ١٩٥٨ نحو الأحسن بعد إن تم قتلهم وسحلهم في الشوارع ؟.

صحيح تم تطور الإقتصاد العراقي وبعد تأميم النفط وخاصة في السبعينيات، وحتى الثقافة والفنون والآداب انتعشت لفترة ولازالت نتاجاتها مدونة إلى اليوم، ولكن بعد عام ١٩٧٩عندما أصبح الحكم بيد حاكم كان حكمه أسوأ من الحكم الملكي السابق، وخرج حتى من منظومة حزبه الخاص وقرب اقربائه في الحكم، وأبان ذلك حصل ما حصل تسبب فى انسياق البلد إلى مؤهلات ومبررات ومجال إلى حكومات وأحزاب جديدة، تفكيرها الأساسي هي المنفعة الخاصة والمنافسة فيما بينهم من هو الذي يحصل على منافع أكثر، مما جعل البلد في وضع سيء، يخلو من الخدمات العامة وحروب طائفية وتصفيات جسدية وسجون مزدحمة، حتى أنهم لا يفرقون بين العفو العام والخاص في المحتوى والتطبيق.

والآن بما يمر به العراق من قلة الإنجازات الخدمية والإجراءات القانونية ناتج عن ضعف في تنفيذ تطبيقي من قبل الجهات التنفيذية والناجم عن وضع الأيدي من قبل الأحزاب واحد على واحد، او واحد يستر عن الثاني، ولم تتخذ إجراءات قانونية تطبيقية على السراق ذوي النفوذ السلطوي حيث تخضع جميع مفردات وأشخاص المجلس الأعلى إلى الأحزاب الحاكمة.

لذلك يطالب الشعب بشكل عام إلى إستبدال الأحزاب المتعددة ألتي تم تجريبها عبر ١٦ سنة بنظام رئاسي حر يستطيع إصدار الأوامر دون عراقيل وإخفاء.

كما أن الذي يتولى المنصب لفترة محدودة لا يهتم كثيرا لأنه يشعر إن هنالك إستبدال لاحق لحكمه المؤقت، لذلك لا ينعكس عليه شخصيا مثلما تدوم له السلطة لفترة أطول عند ذلك يشعر وكأن البلد أشبه بعائلته الدائمة حيث تشخص عليه الإيجابيات والسلبيات في الوقت ذاته.

ولذلك نجد أن الحكومات الملكية والتي لم يحصل عليها الانقلابات المعاصرة بقيت مستقرة من الناحية الأمنية ومن الناحية الإقتصادية على سبيل المثال الدول العربية الإمارات والسعودية والكويت والمغرب والأردن، أما العراق وسوريا واليمن وليبيا وتونس والسودان.. لازالات هذه الدول غير مستقرة.

لا تعليقات

اترك رد