بين الصحة والقطعية في فهم الحديث الشريف

 

هناك ثمة تلازم بين تجديد الخطاب الديني وإعادة قراءة النصوص الدينية، بسبب أن التشدد الديني يتشبث بالنصوص الفردية ويتقوقع داخل النص، ويعتبر النص الظني يقيني حتى ولو كانت هناك نصوص أخرى أعلى مرتبة منه، مما يورطه في ممارسة الإقصاء، وقد يقود ذلك إلى التطرف المحفز للإرهاب الذي يمكن اختطافه من جهات مشبوهة لتوظيفه في خدمة أغراض وأجندات استخباراتية.

كانت أكبر معضلة واجهت الخطاب الديني المتشدد منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة ظنية النصوص سواء أكانت في آيات القران الحكيم أو في الأحاديث الشريفة، ويقصد بظنية الدلالة لما يكتنفها من احتمالات التخصيص والتقييد والتفصيل والنسخ، هذا بخلاف ما يعتري كثير من أحاديث الأحكام من ظنية الثبوت، رغم أنها أساس بناء الأحكام وهو ما نرى كل الجماعات المتشددة عبر التاريخ تعتمد على أدلة ظنية وليست يقينية وإن كانت الاستخبارات العالمية في الوقت الحاضر تضخم من عمليات العنف التي تقوم بها تلك الجماعات المتشددة لتحقيق أهم أهدافها في تشويه سمعة الدين الإسلامي حتى تتوسع دائرة الإسلاموفوبيا في الغرب من أجل أهداف تقليص المهاجرين أو تهجير المتشددين من أوربا إلى الساحات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط لتخليص أوربا منهم تكون حققت مجموعة أهداف.

وقد اجهت المذاهب التقليدية ظنية النصوص بمناهج محددة، ما جعل كل مذهب له هوية خاصة، فالمذهب المالكي ركز في مواجهة النصوص الظنية وعرضها على أهل المدينة، وهناك شروط وضعتها الحنفية للأخذ بأحاديث الآحاد، وميز المذهب الشافعي اقتصاره على الحديث المسند، وكانت هناك محاولات لتلك المذاهب استيعاب النصوص الظنية في المنظومة الفقهية، ما جعل المتشددون يسبغون على تلك النصوص الظنية التي تضمنتها تلك المذاهب صبغة القطعية بدرجة أو أخرى وبثها في المجتمعات حتى التصقت بالمجتمعات وأصبحت ثوابت لا يمكن التخلي عنها بعدما تحولت إلى عادات بغطاء ديني خصوصا وأن هناك فترات مرت على الأمة العربية والإسلامية مرحلة ما تسمى بالصحوة الإسلامية التي تبنت مثل تلك النصوص الظنية واستثمرت الفراغ الفكري الديني الذي يعتمد الخطاب الوسطى خصوصا وأنها وجدت المجتمعات مجتمعات دينية متعطشة لتشرب الوعظ الديني وليست هناك جهات فكرية دينية تتمكن من توعية تلك المجتمعات من مثل تلك النصوص الظنية باعتبارها يقينية حتى أصبحت المجتمعات هي التي تدافع نيابة عن الصحويين بجانب ممن روج تلك النصوص الظنية.

ولم تتنبه تلك المجتمعات أن المتشددين يمارسون وصاية على المجتمعات وكانت تلك الجماعات تصف كل من يطالبها بالرجوع عن تلك النصوص الظنية وضرورة عرضها على النصوص اليقينية يتهم من انه متساهل في الدين أو أنه يحقق أجندة نيابة عن أمريكا التي طالبت بإعادة النظر في المناهج التعليمية السائدة في المجتمعات العربي والمسلمة وتنقيتها من تلك النصوص التي أدخلت شوائب في هذا الدين خصوصا وأن هناك مستشرقين متخصصين في الدراسات الإسلامية ولديهم دراسات عميقة عن الدين الإسلامي، ويتقنون اللغة العربية، ويعرفون أن تلك النصوص الظنية لا يمكن فهمها إلا في ظل نصوص قطعية، وهم يمدون الاستخبارات العالمية بتلك النصوص الظنية التي يعتمد عليها المتشددون والتي يعتبرونها نصوصا يقينية.

حيث أن الله أعطى الدنيا للمؤمن وغير المؤمن فيما لا يعطي الإيمان إلا لمن أحب ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين).

نحن بحاجة إلى منهجية بديلة لتلك المذاهب أو تنقيتها من النصوص الظنية بصرف النظر عن هي مطالب أمريكية ولكن هي حاجة اجتماعية وحاجة ماسة لتنقية هذا الدين من الشوائب والتشدد وإعادته إلى الدين السمح الوسطي.

أدت المذاهب التقليدية دورها في حينه، لكنها اليوم هي بحاجة إلى تنقية من النصوص الظنية التي تقود إلى التشدد بسبب أن المتشددين في الوقت الحاضر لا يلتزمون بالضوابط التي وضعتها المذاهب الفقهية في التعامل مع النصوص الظنية، فيما طغت النصوص الظنية وتحولت إلى طوفان فوضى فكرية وأصبح من السهولة إضفاء القطعية على أي نص ظني باعتباره نصا يقينيا بغض النظر عن ظنية ثبوته وبغض النظر عن ظنية دلالته في حال صحة ثبوته أي أصبح هناك خلط واضح بين الصحة والقطعية.

هناك وقائع في العصر الحاضر ومتسارعة لا تتماشى مع تلك النصوص الظنية، فيمارس المتشددون أو يتكلفون المواءمة بين أقوال المذاهب أو القياس المحدود على اجتهاداتها السابقة لكن مع تجاهل الأصول التي قام عليها كل مذهب حتى ظهر ما

يسمى بفقه النصوص الظنية كبديل عن الفقه المذهبي خدمتها الأزمات السياسية والاجتماعية منذ ظهور جماعة الإخوان المسلمين وصراعهم على السلطة مع العسكر في مصر وكان لهم امتداد عابر للحدود بعد تبنيهم مبدأ الخلافة الإسلامية التي ألغاها أتاتورك في تركيا عام 1924 واستبدلها بالنظام العلماني، صاحبها انقلاب على النصوص الظنية لكنها تحولت إلى أزمة فكرية على غرار الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية منذ انهيار الخلافة العثمانية والتي ارتبطت أيضا بالتحرر من الاستعمار ثم معارضة النظم العسكرية التي استعارت النظام العلماني من الاستعمار باعتبارهم لا يحكمون شرع الله حتى غدت هذه الأزمات ما بين معلولا وعلة.

نجم عن ظاهرة الانغلاق داخل النصوص الظنية أو أحاد النصوص خلط كبير بين الفقه والتفسير، وبين الصحة والقطعية في فهم النصوص، كالخلط بين حجاب أمهات المؤمنين وبقية نساء الأمة، فحجاب أمهات المؤمنين ( فإذا سألتموهن متعا فاسألوهن من وراء حجاب ) ( لستن كأحد من النساء ) ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) بينما آيات حجاب نساء الأمة وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم النهي في الحج والعمرة ( لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ) رواه البخاري ولو لم يكن كشف الوجه حلال لما أباح الرسول صلى الله عليه وسلم كشف الوجه في الحج والعمرة لرفع التكلفة والمشقة على المرأة، ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) ( يا أيها النبي قل لأزواج وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) وهي آية تركت للنساء مساحة واسعة بحسب ظروفهن، لذلك حينما دخلت ملكة سبأ الصرح ظنته لجة فكشفت عن ساقيها ( قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير ) ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) كالرقص الشرقي الذي تظهر مفاتنها الداخلية، وترك الإسلام مساحة واسعة للمرأة أن تخلع حجابها ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) ولم يحدد القران الكريم أن يكون ما ملكت أيمانهن أن تكون أمة كما في العديد من التفسيرات لكن الآية مطلقة أباحت للمرأة امتلاك رجل ملك يمين لأنه لا يتسامى أن ينظر إليها وكذلك هي تتسامى ألا تنظر إليه بنظرة عاطفية فالمتشددين يريدون أن يكونا أكثر غيرة على النساء من القران الكريم.

وهناك كذلك خلط بين الاختلاط وبين تفضيل الصفوف الأول للرجال في الصلاة والأخيرة للنساء، فتم ابتداع وضع أحجبة فاصلة لا ترى فيها المرأة بالكامل، وخلط بين الترفيه والترف، وعليه تم تحريم الغناء والموسيقى، وخلط بين الصالحين والمصلحين، وقس على ذلك مما أعاق المجتمعات عن ممارسة حقوقها الطبيعية من العمل خصوصا الذي تحتاجه المرأة لتغطية للإنفاق على نفسها الأسرة وهو حق لم يحرمه الإسلام وليس من الضرورة أن تعمل في بيئة نسائية وهذا غير متوفر في كل الأعمال تسبب في تعطل التنمية وزادت من المشقة على النساء والمجتمع بشكل كامل لا تتماشى مع وسطية وسماحة الإسلام التي رفعت المشقة عن أتباع هذا الدين ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ).

لا تتضح ظنية الدلالة في النصوص الآحادية من طبيعتها العامة والمطلقة والمجملة بل تتضح من التخصيص والتقييد والتفصيل مع أخذ الناسخ والمنسوخ بالجديدة التي تستحقها فهناك أحكام نسخت بأحكام أخرى في القران، وكذلك ينطبق ذلك على الأحاديث فهناك من يرفض النسخ ويعتقد أن العلماء الأوائل ابتدعوا النسخ عندما لم يتمكنوا من التوفيق بين النصوص.

الفقه أعمق من مجرد آحاد الأدلة، فمالك روى في الموطأ نيفا وسبعين حديثا لكنه كان يفرق بين صحة الثبوت وقطعية الدلالة في النصوص الفردية، أي أن النص وإن كان صحيحا يظل ظني الدلالة ولا يثبت به فرض أو تحريم ما يعضده دليل قطعي بسبب أن النص الفردي لا يكتسب القطعية بمجرد صحته بل يفتقر إلى دليل قطعي من خارجه كإجماع أهل المدينة مثلا.

ولا يزال التقسيم التقليدي قائما للفقه إلى عبادات ومعاملات بأصلين تقليديين هما الإجماع والمقاصد كما أن الإجماع ليس إجماعا اجتهاديا وكذلك المقاصد هنا ليست المقاصد المرسلة ما يجعلها على النحو الفضفاض الغامض الذي يكثر الأخذ به واعتباره دليل يقيني.

ولم يأخذ أحد بمحاولات الفقه المالكي الذي كان يتشوف إلى إرساء الشريعة على أسس قطعية من مالك إلى ابن عاشور مرورا بالمحاولة التجديدية الكبرى على يد الشاطبي الذي أدرك أن الفقه أعمق من مجرد آحاد الأدلة، للتوصل إلى إجماع متواتر ومقاصد منضبطة يؤسسان لمنهجية فقهية وتفسيرية تجديدية.

المتشددون الذين يعتمدون على النصوص الظنية لم يتمعنوا في مدرسة الصحابة التي لم يثبت أنهم اعتمدوا على النصوص الظنية أو الفردية أو الآحادية مثل اجتهادهم في إيقاف سهم المؤلفة قلوبهم وعدم توزيع الأراضي المفتوحة على الفاتحين رغم هناك نصوص ظنية وفردية تفيد عكس ذلك بسبب أن الصحابة أهل سنن عملية تستلهم روح الكتاب ومقاصده، بالطبع هذا كان قبل عصر التدوين الذي اهتم بالنصوص الفردية الظنية التي استأثرت بالاهتمام على حساب العمل والاجتهاد مثل عمل أهل المدينة عند مالك ومفهوم السنة المشهورة عند الحنفية والحديث المسند عند الشافعي لكن غلب في العصور الأخيرة غلبة فقه الحديث أكثر من الفقه المذهبي الذي احتفظ بضوابط التعامل مع النصوص الفردية والآحادية والظنية والتي تغلب المعايير القطعية على ظواهر النصوص الظنية، أو لا يمكن قراءة هذه النصوص الظنية إلا في ضوء أصول قطعية.

يدافع المتشددون عن أنفسهم عندما يعتمدون في فتاويهم على النصوص الظنية ضد معارضيهم الذين يطالبونهم بالرجوع إلى النصوص القطعية أو عرضها على النصوص القطعية من أن الدين لا يؤخذ من أهل البدع والجهل والضلال والتمييع، فمثلا جماعات متشددة تأخذ في رجم كل من زنى وتقوم بجلده قبل الرجم بناء على حديث غريب ( خذوا عني قلنا نعم يا رسول الله قال قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم ) فيرى البعض أن ظاهر الحديث الصحة وهو حديث آحاد وظني الثبوت ومتنه لا يتفق مع قد جعل الله لهن سبيلا كما يرى عدد من العلماء أنه انفراد غريب من راو غير مشتهر بالحديث وليس له أي شاهد من حديث صحيح أو ضعيف وهو حديث أعرض عنه البخاري.

لا تعليقات

اترك رد