فى ذم الهرى المصرى الحديث

 

قد تتعجب من التعبير بما يجعلك ترفضه من الأساس، وهو ما يجعلنى لا أطلب تفهمك، بقدر ما ألح على أن تمنحنى صبرك.

قبل أن تقتحم شبكات التواصل الإجتماعى حياة المصريين بهذه الصورة التى أصبحت تشكل خطرا ليس على الأمن القومى فقط، ولكن على الحياة الإجتماعية والاستقرار النفسى أيضا، كنا نعانى فى مصر من شهوة الكلام فيما ينفع وبما يضر، لكنه كان كلاما محصورا فى جلسات ضيقة على المقاهى والمواصلات العامة ومكاتب الموظفين واجتماعات الأسر على موائد الطعام.

وقتها كان الاعلام هو صاحب السطوة فلا يمرر للرأي العام من ركام الكلام الا ما يعتقد أنه يفيد ولا يضر.

دارت الأيام كعادتها، وأصبح الاعلام ليس تابعا فقط لمنصات التواصل الاجتماعى بل يمكننا القول أنه بات منسحقا تماما أمامها، حيث تفرض عليه أولوياته وترتب له أجندته وتدفعه لأن يقول ما تريد.

وقد تسأل عن الضرر فى ذلك، فهو أمر يحدث فى العالم كله، ولا يقتصر على مصر أو الدول العربية؟
فلماذا نجلد أنفسنا بهذه القسوة؟
ألا يؤكد هذا شعورنا بالدونية مقارنة بالآخرين؟
ربما لهذا طلبت صبرك.

فى مجتمعاتنا العربية نعرف ” الرغى” وهو تعبير عن تبادل الكلام بين طرفين وربما أكثر، ومعظمه لا يضر لأنه فى النهاية وسيلة لتزجية وقت الفراغ، ولأننا أمة لا تعمل كثيرا فلدينا أوقات فراغ هائلة، ولأن هناك من يجيدون ” الرغى” فنحن نعرف الرجل كثير الكلام بأنه ” رغاى” والمرأة كثيرة الكلام بأنها “رغاية”.

” الرغى” على أية حال يأتى متوافقا مع سمتين مهمتين من سمات ثقافتنا العربية، أقصد الأفورة والثرثرة، لكن هذا حديث آخر.
الفارق بين الرغى والهرى ضيئل فى المبنى، لكنه فى المعنى هائل جدا.

الهرى هو الكلام فى المطلق بما لا يفيد، وقد وفرت منصات التواصل الاجتماعى تربة خصبة لنموه وانتشاره وسيطرته، عندما أتاحت للجميع، لمن يعرف ومن لا يعرف، من له شأن ومن لا شأن له، من يرتبط بحدث ما بعلاقة ومن لا علاقة تربطه بما يدور على الإطلاق، فتحولت حياتنا الى مكلمة عمومية تاهت فيها الحقائق، واحتلت الشوشرة المسرح، فأصبحنا نعانى من خلل كبير فى الوعى العام.

لا أصادر بالطبع حق أى إنسان فى أن يتحدث، إذا كان يتحدث فى أمر يخصه، لكنه عندما يخرج عن حدوده يقع فى الخطأ، ولأن الكلام عبر التواصل الاجتماعى أصبح مشاعا، فالضرر منه أكبر وأعم.

يمكنك أن تقلل من خطورة الهرى على أمننا القومى، لكن عندما تعرف أنه أصبح وظيفة وعمل وإدمان ووسيلة لإثبات الذات، ستعرف أننا أمام أزمة حقيقية، تصل فى حدتها إلى أن دولا ضاعت بسبب الهرى المطلق على شبكات التواصل الاجتماعى.

فالذين خططوا لتفكيك المنطقة العربية وإعادة صياغتها من جديد، قرروا ألا ينفقوا مالا ولا يبذلوا دماءا لتحقيق أهدافهم، اكتفوا فقط بجعلنا نهزم أنفسنا من الداخل، وكان المدخل فى ذلك هو الكلام، ولأننا شعوب ندمن الكلام، فقد هزمنا أنفسنا بأسرع مما يتوقع من أرادوا الإيقاع بنا… أقول هذا بمنتهى الأسف لأننى لا أملك غيره.

المقال السابقإلى سيوف “الدين” المسلولة
المقال التالىحروب إيران في بغداد وبيروت
د. محمد الباز كاتب سياسى رئيس مجلسى الإدارة والتحرير لمؤسسة الدستور مقدم برنامج ٩٠ دقيقة على قناة المحور مدرس الصحافة بكلية الاعلام جامعة القاهرة اهم مؤلفاته العقرب السام ... عمر سليمان جنرال المخابرات الغامض كهنة المعبد ... أسرار السياسة والصحافة التركة الملعونة ... كتاب الأسرار ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد