حفريات تشكيلية من تراثنا الضائع

 

بعد تولي السلطان زيدان بن أحمد المنصور، (حكم المغرب بين 1613 و1628)، أمْرَ البلاد، سعت فرنسا إلى عقد اتفاقية فرنسية مغربية على نحو تلك التي وقعتها مع الدولة العثمانية عام 1536، مركزة على أن تكون البنود شبيهة ببنود الاتفاقية المغربية الهولندية المصادق عليها عام 1610.

إلا أن العلاقات بين فرنسا والمغرب لم تكن ناجحة، فتراجعت لمدة قرن ونصف، بسبب حادثة السطو على أمتعة السلطان زيدان وخزانته، التي كانت تضم أزيد من ثلاثة آلاف مخطوط. “كان على العلاقات أن تبقى مستمرة بين المغرب وفرنسا لولا حدث خطير أغضب مولاي زيدان لأنه مسه في أهم ما كان يمتلكه من تراث أبيه: ذلك الحدث الذي عكر صفو العلاقات بين البلدين لمدة قرن ونصف من الزمن، وهو السطو على خزانة المخطوطات الفريدة التي كان يتوفر عليها: ثلاثة آلاف سفر من كتب الدين والفلسفة والتاريخ والأدب وغير ذلك”. (التازي ص.68)

جاء في حاشية الصفحة 69 من كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج. 6: إن ” قضية أخذ الإسبان لكتب زيدان شهيرة في كتب الإفرنج وتواريخهم فتراجع فيها ولا بد والكتب لا زالت محفوظة بخزائن الأسكوريال قرب مدريد”.

ارتأينا أن نورد قصة النفائس المقرصنة هاته، حيث إنها تشكل جزءا من كنوز التراث المغربي المسلوب، يُضاف إلى المدينتين السليبتين سبتة ومليلية، اللتين مازالتا خاضعتين للاستعمار الإسباني. ونرجح ضياع العديد من الوثائق الإيقونوغرافية (رسوم ولوحات زيتية ورثها السلطان زيدان عن أبيه أحمد المنصور)، أثناء الفتن والحروب التي نشبت بعد وفاة المنصور. لو بقيت تلك الصور لغيرت تاريخ ظهور اللوحة الفنية بالمغرب. فقد أكدت مختلف المصادر والمراجع التاريخية أن المنصور كان استضاف في بلاطه فنانين أوروبيين ينجزون له رسوما ولعائلته. لكن للأسف لم يبق لذلك أثر سوى ما كتب عنها من متون. والراجح أن ما ورثه مولاي زيدان منها ضاع مع أمتعته، فربما أن القراصنة تخلصوا منها بالحرق واحتفظوا بالكتب لأهميتها الفكرية.

كتب عبد الهادي التازي في الجزء الثامن من “التاريخ الدبلوماسي للمغرب”، صفحة 177 وما بعدها:
” اكترى المولى زيدان مركبين لمساعدته على تحقيق مخططه، أحدهما هولندي لنقل أسرته وحاشيته، وثانيهما فرنسي، ” Dame de la Garde»-Notre” كان بالصدفة في ملك الديبلوماسي الفرنسي كاسطلان (كان قنصل فرنسا في المغرب معتمِداً لدى السلطان المغربي زيدان عام 1610). اختاره لحمل خزانة كتبه التي كانت تبلغ ثلاثة وسبعين صندوقا (…) ووصل المركب إلى شاطئ أكادير يوم 16 يونيه 1021…

إن الأجرة المتفق عليها ثلاثة آلاف دوكة، وقد كان في إمكان كاسطلان أن يثق في التزام الأمير زيدان لكنه كتاجر أيضا! شك في أن يتوصل بالأداء، وهنا رفض أن يغادر الميناء قبل أن يتوصل بالمبلغ، ولما وقع التماطل في الأداء، وكان زاد السفينة ـ على ما يقال ـ قد أوشك على أن ينتهي، قرر كاسطلان أن يركّب القلوع ليلة 22 يونيه حاملا على ظهر المركب أمتعة الشريف زيدان، ويقال إن نيته كانت أن يصل إلى مرسيليا أو أن يضع هذه الأحمال بين يدي الدوك دوكويز (De Guise) حاكم البروفانس…

لكن الذي حصل، لسوء الحظ، أن أربع مراكب إسبانية اعترضت طريق كاسطلان على مقربة من مدينة سلا حيث تم أسره مع مركبه! وقد حكمت المحكمة البحرية في قادس بأحقية حجز المركب سواء اعتبر تابعا للسلطان زيدان الذي يوجد في حالة حرب مع إسبانيا أو اعتبر تابعا لكاسطلان لأنه عمل قرصنة من جانبه!!” في ذلك الوقت اعتبر الإسبان أنفسهم الحق في القبض على أي سفينة فرنسية في المنطقة المجاورة من المغرب…

وقد زاد في تدهور العلاقات بين زيدان ولويس أن هذا الأخير رأى ألا يستقبل السفير المغربي أحمد الجزولي الذي بعث به السلطان زيدان سنة 1612 للديار الفرنسية! وحجته في ذلك أن المخطوطات لم تكن بفرنسا الأمر الذي جعل السلطان يشدد من خناقه على الأسرى الفرنسيين(…) وتقاعس ملك فرنسا إزاء التدخل لدى إسبانيا لإرجاع المخطوطات التي كانت قد نقلت إلى الإسكوريال!”

“إن الذين يقفون اليوم في مكتبة الإسكوريال (أنشئت ما بين 1533 و1584) على بعض المخطوطات العربية التي تحمل على ظهرها اسم السلطان زيدان، ليشعرون بالعبء الذي كان يهيمن على العاهل المغربي وهو يتذكر تلك المطالعات والقراءات ويسترجع أيام سلوه واستقراره…”

هذه المخطوطات النفيسة ما فتئت تقبع فيها إلى هذا اليوم، إذ تؤكد مختلف المصادر والمراجع التاريخية التي تتعرّض لموضوع المخطوطات العربية الموجودة في دير الإسكوريال أنّ جزءاً مهمّا من هذه المخطوطات النادرة يعود في الواقع إلى السّلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي السّعدي، الذي اشتهر باقتناء الكتب، وجَمَعَ منها خزانة عظيمة، وسار خلفه ابنه زيدان على نهجه في الاهتمام بالكتب فزاد في تنمية وتوسيع المكتبة التي كانت عند والده، و عُني بها عناية فائقة حتى ناف عددها على أربعة آلاف مخطوط يبحث في مختلف العلوم والمعارف، إلاّ أنّ هذه المكتبة الفاخرة صادفها سوء الطالع، وواجهها الحظ العاثر، وخبّأ لها القدر مفاجآت مثيرة أغرب من الخيال.

يظن كثير من الذين تطرقوا لموضوع المخطوطات العربية الأندلسية أن تلك التي علقت بخزانة الأسكوريال من مخلفات العرب والأمازيغ الذين سكنوا الأندلس لقرون، والحقيقة، كما وضحها الرّاحل محمد الفاسي، في مقدمته لكتاب “الإكسير في فكاك الأسير” لابن عثمان المكناسي “أنّ محاكم التفتيش الإسبانية كانت أحرقت كلّ الكتب العربية أينما وجدت، ولم يبق بعد خروج العرب والأمازيغ منها كتب تستحقّ الذكر، وفي أيّام السّعديين كان المنصور الذهبي مولعاً باقتناء الكتب، وجمع منها خزانة عظيمة، وسار خلفه إبنه زيدان على سنته في الإهتمام بالكتب فنمّى الخزانة التي كانت عند والده. ولمّا قام عليه أحد أقاربه واضطرّ للفرار، كان أوّل ما فكّر فيه خزانة كتبه فوضعها في صناديق مُحكمة ووجّهها إلى مدينة آسفي لتشحن في سفينة كانت هناك إلى أحد الفرنسيين لينقلها الى أحد مراسي سوس”.

ما زالت المخطوطات المغربية الزيدانية (نسبة إلى السلطان السعدي مولاي زيدان بن أحمد المنصور)، المغطاة بماء الذهب، والمنمّقة بالجواهر النفيسة، والمكتوب بعضها بخطوط جميلة جداً وذات فنية عالية، (جان كايِّي في كتابه “موجز تاريخ المغرب)، والتي يتجاوز عددها أربعة آلاف مخطوط في مختلف العلوم والمعارف، تؤثث رفوف خزانة الإسكوريال الإسبانية إلى اليوم. بات المغرب يوجه طلباته، عن طريق السفراء الذين زاروا إسبانيا منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، لاسترجاع مخطوطاته، لكنه لم يفلح سوى في التوصل بنسخ مصورة منها فقط!

تثبت المصادر التاريخية العديد من الرسائل التي وجهها مولاي زيدان إلى كل من الولايات العامة الهولندية، وملك فرنسا بشأن استرجاع مخطوطاته وأمتعته الشخصية، ولم يراسل إسبانيا المعنية بالقضية لكون علاقته بها لم تكن جيدة. لم نعثر خلال بحثنا على رسائل السلطان، لكن توصلنا إلى ردود من الولايات العامة. ففي 29 يونيه 1615 توصل مولاي زيدان برسالة تخبره الولايات أنها بعثت بطلبه إلى ملك فرنسا لويس الثالث عشر، وكلفت سفيرها هناك بمتابعة القضية حتى يسترجع “ذخائره التي أودى بها جشع كاسطلان”.

وفي مراسلة أخرى، بتاريخ 20 يوليه 1615 يخبرونه أن تدخلاتهم لدى ملك فرنسا لم تصل إلى نتيجة إسبانيا تتماطل في الحسم في قضيته، ويطمئنونه أنهم لن يدخروا جهدا في حث ملك فرنسا على الاستمرار في الإلحاح على إسبانيا كي تُرجِع ما اختطفه قراصنتها.

وبتاريخ 30 يوليه 1615، يتلقى السلطان رسالة من الولايات العامة، تؤكد له دأبت إسبانيا على سلوكه إزاء أمتعته من التهاون والتماطل واللامبالاة. وبعد ذلك بشهرين، في 31 يوليو 1615، يوجه مولاي زيدان رسالة إلى هولندا يخبرهم عن “المعاملة الغير ودية التي قابل بها ملك فرنسا سفيره الذي قصد فرنسا للمطالبة بما اختطفه كاسطلان والذي ” ما وجد السبيل حتى للوصول إليه” أي إلى ملك فرنسا! (التازي ص. 293)

في العام 1997، زارت ملكة إسبانيا صوفيا مصر وأهدت إلى مكتبة الإسكندرية مجموعة من ميكروفيلم المخطوطات العربية الموجودة بالإسكوريال، وكان من بينها المخطوطات المغربية. وبعد مرور أربعة عشر عاما على هذا الزيارة، حصل المغرب، عام 2011، على نسخ مصورة للمخطوطات لتصبح متوفّرة للاستعمال في المكتبة الوطنية بالرّباط.

(للمزيد يرجع إلى وثيقتين هامتين: Les sources inédites de l’histoire du Maroc. H. DE Castries)) و (التاريخ الدبلوماسي للمغرب الأقصى، للدكتور عبد الهادي التازي).

مراجع:

· عبد الهادي التازي ـ التاريخ الدبلوماسي للمغرب، المجلد الثامن السعديين، 1988
· عبد الهادي التازي ـ الوسيط في التاريخ الدولي للمغرب، المجلد 3، دار نشر المعرفة الرباط 2002
· محمّد محمّد الخطّابي ـ المخطوطات العربيّة في دير الإسكوريال: تعرّضت للسّطو والقرصنة وقامت برحلة مثيرة حتىّ استقرّت بالإسكوريال. 2013/02/20171

· Michel Abitbol, Histoire du Maroc, Paris, Perrin, 2009, p. 358.
· Marlène Lespes ـ De l’orientalisme à l’art colonial : les peintres français au Maroc pendant le Protectorat (1912-1956), THÈSE de Doctorat, Université Toulouse Jean Jaurès 2017

لا تعليقات

اترك رد