لماذا لا يزهر الربيع شمال وشرق المتوسط ؟

 

1ـ إعادة التدوير السياسيle recyclage politique
تساءل (آلان باديو) الفيلسوف الفرنسي وهو بصدد التعليق على نتائج الربيع في مصر سؤالا مؤسفا للغاية فقال : ” في النهاية ألا يوجد ماهو جديد ؟”. السيد باديو الذي عاصر ثورة 6819 بفرنسا قد يكون بطبيعة الحال طرح نفس السؤال آنذاك ، لكن بأسف أقل (…ألا يوجد ماهو جديد؟). الفرق بين ثورة الفرنسيين هذه وثورة مصر كبير وشاسع، غير أن المشترك المباشر إن أردنا، هو انقلاب الديناميتين إلى حصيلة عادية جدا: عودة البرجوازية في فرنسا سنوات قليلة بعد انتفاضة الشباب والعمال، وصعود الرجعية والعسكر في مصر على خلفية الربيع المصري.

لكن ماذا لو نعيد طرح السؤال ” البادييوي” من العيارالكبير على كل السيرورات الثورية شمال وشرق المتوسط. الإشكال الذي لا أعتقد أن أي مهتم بالحراك لا يطرحه عل نفسه،إما صراحة أو بكثير من السرية والتحفظ ، حسنا. في كلتا الحالتين وجب على كل من يناضل من أجل الانعتاق بشكل عام، وعلى المناضلات والمناضلين في ميادين التحرير بشكل خاص، طرح هذا السؤال العظيم أكثر فأكثر. آلان باديو ليس في الحقيقة مخترعا لهذا السؤال. وهو لا يزعم ذلك حقا. فعلاوة على انتشاره الكبير بين الناس وبين الثوار أنفسهم إلا أنه مجرد إعادة صياغة لقولة (جوزيف برودون) الشهيرة ” الحركة كل شيء والنتيجة لا شيء” هذه المقولة التي أعجب بها كارل ماركس أشد الإعجاب رغم أن الأخير كرمه بنقد شامل في كتاب “بؤس الفلسفة”.

إذن هل يوجد جديد في الثورات شمال وشرق المتوسط ، لكن طرح الإشكال بهذه الطريقة قد يوحي بالتشكيك في نضالات وتضحيات الشعوب من أجل التحرر والانعتاق من براثين الاستغلال والاستبداد.طبعا حين نطرح السؤال بهذه الصراحة والجدية فغايتنا إنارة الطريق الثوري أمام كل القوى الشعبية للتقدم نحو تحقيق الغاية من الحراك الشعبي . طبعا في مصر وكما سبقت الإشارة إلى ذلك “سقط الرئيس” ولم يسقط ” النظام”. في تونس ورغم الكثير من النقاش حول الدينامية الثورية الخلاقة إلا أن ” النظام “أيضا لم يسقط. ويمكن قياس هذه اللازمة على كل التجارب الثورية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. أما في حالة العراق ولبنان والجزائر فإن الشعوب لا زالت تقاوم وتبدع في المقاومة الميدانية. فنحن كما لو أننا في حالة من إعادة التدوير السياسيrecyclage politique عدا ذلك من حق أي كان أن يتساءل عن الفرق بين شعار إسقاط النظام الذي كان يتصدر كل الشعارات. وفي كل البلدان المنتفضة. وبين إسقاط ” الرئاسيات الحالية” وتعويضها برئاسة جديدة: لن تستطيع سوى تمويه الشعب مرة باسم الخطاب الرجعي ومرة باسم القومية وأخرى باسم الطائفية أو المصلحة الوطنية نفسها. وبالمقابل يتم طمس كل الشعارات والمطالب التي قدمت الحركات الجماهيرية من أجلها حصيلة ثقيلة من التضحيات التي لا تقاس بثمن ، وطبعا الحصيلة دوما لم تكن في حجم التضحيات. فلماذا لا يزهر الربيع شمال وشرق المتوسط؟ وكيف تنتصر الثورات وتحقق السقف المنشود.

2 ـ العملية الانتخابية : الآلة الحمقاء لإعادة التدوير السياسي.
كان كارل ماركس قد طور أطروحة جديرة بالاهتمام حول “ألاعيب الديمقراطية الغربية” وهو يرصد تحولات التشكيلة الاجتماعية بفرنسا غداة سلسلة الانتخابات المطبوخة من طرف نابليون بونابرت. خلاصتها هي مقولة “لو أن الاقتراع ينفع فعلا لمنعوه”. واليوم وبقراءة نتائج السيرورات الثورية شمال

وشرق المتوسط ، يمكن إعادة صياغة نفس المقولة على الشكل التالي: “إن الاقتراع والانتخابات عموما هي الآلة الوحيدة الفعالة في الثورات المضادة”. طبعا لم يسبق حتى الآن ومنذ أن انفجرت أول سيرورة ثورية في شمال أفريقيا وحتى اليوم بالطبع، لم يسبق أن أفضت أي دينامية إلى منهجية أخرى غير المنهجية الانتخابية الصفراء. فالأمر يبدو كما لو أن الاقتراع المسمى بالافتراء العلني (الاقتراع الحر والشفاف والنزيه) هو الطريق الوحيد للتغيير والديمقراطية.عدا أن هذه الخاصيات الثلاث ليست قطعا من صفات الديمقراطية البرجوازية ولا يمكن أن تكون قطعا، فإن السؤال هل الشباب المناضل في الميادين مدرب للحد الكافي حول العملية الانتخابية ؟ يظل سؤالا مؤرقا.إذ من حيث المسألة التنظيمية مثلا فالشباب ليس كتلة ومضمونا واديولوجية واحدة .بمعنى ليس هناك خط سياسي تنظيمي يوحد الحركة في مواجهة الكتل السائدة سياسيا. الشباب يظهر دوما قوة خلاقة في التنظيم الميداني وروح الإبداع في إثارة الحماس النضالي، وقيادة الصمود في الساحات. وهذا هو ” الجديد الذي يتساءل عنه آلان باديو”.هذه قوة الشباب الضاربة فعلا، القوة التي لا يستطيع معها أعتى الديكتاتوريين والفاسدين إلا أن يتحول معها إلى “حمل وديع” أو وفي أقصى الحالات “الاستئساد بالسواعد الخارجية (وهذه حالة إيران في العراق).

المؤكد بالفعل أن المنتفضين والنواة الصلبة منهم حتى، ليست كائنات انتخابية قطعا. لذلك ومن واجب الحفاظ على روح وسقف الثورات تجنب الاختيار المتسرع نحو العملية الانتخابية في شروطها الحالية . أظن أن التجربة في السودان يمكن أن تمد الشباب بالكثير من الدروس. فالحراك لا ينتهي بسقوط الرئيس و”التعديل المغفل للدستور” وحل البرلمان والسير رأسا نحو الانتخابات . إن هذه الطريق هي العمى السياسي بعينيه. وهي الجائزة المجانية التي تنتظرها جيوب التغيير. هناك كتلتان في كل حراك ، الأولى تتكون من الفئات الشعبية الصامدة في الميادين والتي تقدم باليومي تضحيات غالية من ” الشهداء والشهيدات ” في مواجهة السلطة والميليشيات والبلطجية والشبيحة والعياشة وما إلى ذلك، الكتلة الثانية هي كتلة ” ذئاب الحراك” وهي كتلة قوية و”نائمة “. ترصد الفرصة السياسية للانقضاض على الساحة. في الغالب تربح الكتلة الثانية وتبقى دار لقمان على حالها ، في انتظار انتفاضة أخرى وهكذا دواليك. هذا بكل تأكيد ما وقع في مصر وتونس وليبيا والمغرب …أتفق مع آلان باديو في القول ” إن الانتخاب مجرد فخ للأغبياء”. لكنه بكل تأكيد الفخ الذي ينصبه الأغنياء للفقراء ، وتنصبه الكتلة السائدة للكتلة الثائرة. وهكذا تتحول الطموحات للديمقراطية الشعبية الحقة إلى طموح “للوهم الديمقراطي” وتتحول الثورة الشعبية إلى ” وهم ثوري”.

إن علاقات الإنتاج هي علاقات واسعة، وهي ذات طابع كوني. لذلك لايمكن معالجتها بالتمثيلية على طريقة الديمقراطية الغربية أي اعتبار الاقتراع وما ينتج عنه من مؤسسات أفقا للسيرورات الثورية.فأي برلماني وكيفما كان عياره التمثيلي ،لا يمكن أن يتحكم في السياسة الخارجية ولا في المنظومة المالية الدولية ولا في الشركات العابرة للقارات أوفي القواعد العسكرية ..والحبل عل الجرار. مع العلم أنها من تصنع المشهد السياسي وتصنع أزمات الشعوب الثائرة.

إن الطابع السلمي الذي عبرت عنه كل الديناميات الثورية حتى الآن تكتيك حاسم فعلا، لكن السلمية ليست ضد انتزاع السلطة الاقتصادية والسياسية. بل العكس تماما. فإذا كان الطابع السلمي لا يفضي إلا إلى حل وحيد هو: إعادة السلطة للفاسدين الجدد أي تغيير في الأوجه الديكتاتورية البرجوازية أو عملاء برابطات عنق جديدة، فالأكيد أن السلمية نفسها لن تظل إلى ما لانهاية تكتيكا فارغا للسواعد المهمشة من للفقراء.

طلب الشباب العراقي اليوم تعديل الدستور بما يضمن تمثيلية الشباب ويعدم الطابع الطائفي للبرلمان والدولة نفسها. طبعا هذا المطلب ذكي في المرحلة الراهنة. ولايمكن إلا أن ينال تصفيق كل التواقين إلى الحرية والعدالة الاجتماعية. لكن ما لم يفعله الشباب العراقي حتى الآن هو ( الشروع توا في الصياغة الميدانية للمداخل الدستورية)، طبعا في ساحات التحرير. فالشباب لا يمكن ولا يجب أن ينظر إلى نفسه بدونية مقيتة. الشباب برهن ولا يزال يبرهن على قدرته الخلاقة في الانتفاض وتغيير العالم. وهو بدون عقدة نقص ما قادر على ” صناعة ملامح الدولة التي يريدها”. وهو قادر على القيادة السياسية لمرحلة انتقالية من أجل إنضاج شروط التغيير الكافية.

3 ـ نمضي للأمام بأعلامنا نفسها.
لسنا أمام ثورات بالمفهوم العلمي للثورة. أو لنقل المفهوم الكلاسيكي أحسن، وهذا غير ممكن في النظرية الثورية نفسها. فكل ثورة تخلق ميكانزماتها الخاصة، كما تخلق اشتغالها المتميز على ما قبلها. وإلا ماكانت تسمى ثورة . ما نشاهده لا يخرج عن الاحتجاج الشديد اللهجةprotestation véhémente ذلك طبعا لأسباب يمكن البحث عنها في التشكيلة الاجتماعية نفسها، كما في علاقات الإنتاج السائدة كونيا. فالحراك لم يتجه رأسا نحو الانتفاض الشاملrevolte complète فهو يبدو أسيرا لأخلاقيات الحركات الاحتجاجية برفع شعارات مطلبية. ضمنها طبعا مطالب “شديدة اللهجة” لكنها شرعية حتى النخاع. ورغم ذلك عوضا أن تتجه الحركات الميدانية تنظيميا نحو نوع من ” الهيكلة الشعبية الميدانية” ليس لقيادة وحماية ساحات التحريرفقط، بل لقيادة الدولة نفسها. وسياسيا تتجه رأسا نحو صياغة “البرنامج الثوري” للمرحلة الانتقالية. عملا بالمقولة المشهورة ” نمضي بأعلامنا”. بحيث من الغير المعقول نكس أعلام التحرير قبل التحرر الفردي والجماعي . إن ما تفعله ” المنهجية الديمقراطية ” هو قتل أعلام الثورة قبل أن تزهر.

استقبل الرئيس التونسي الجديد المنتخب ” ديمقراطيا” عددا من المعطلين: حاملي الشواهد وآخرين حاملي السواعد المعطلة . كان الموضوع ـ بعد عناق دعائي جدا ـ تشغيل الشباب. شخصيا لا أريد أن أفهم أكثر من هذا : إن الثورة التونسية التي سيق بها نحو ” التمثيلية الانتخابية” لا زالت كل شروطها قائمة . ما دام الرئيس رقم ثلاثة بعد ثورة الشهيد البوعزيزي ضد الحكرة ومن أجل العدالة الاجتماعية، لازال غارقا في مشكل البطالة التي انفجرت ضدها أول بذرة ربيع في تونس. هذا هو نموذج إعادة تدوير الأزمات. الحقيقة أن هذه الأزمات وهذه المطالب المشروعة للسيرورات الثورية ليست ولا يمكن أن تجد حلها في الاقتراع مهما كان شفافا أو حتى ضمن صناديق من حرير. ويمكن أن يقاس النموذج التونسي (الذي يبقى ملهما ورائدا) على كل الربيع في شرق وشمال البحر المتوسط.

شباب يستطيع إسقاط الديكتاتوريات، شباب يستطيع تعليم العالم كيف ينتفض من أجل حقوقه. شباب أبدع ميدانيا في التنظيم والصمود أمام الآلة الديكتاتورية الشرقية والغربية.هو بدون منازع شباب قادر على قيادة النظام السياسي والاقتصادي وقادر على صناعة تاريخ جديد. هذا يتأتى فقط إن كان غير متسرع سياسيا.فالحراك لا ينتهي بسقوط رئيس أو رحيل زبانية (لدى الرأسمالية ما يكفي من الرؤساء والعملاء الجدد). لكن بالإبداع في التنظيم الشعبي الذاتي الذي هو المدخل المرحلي والسلمي للإجابة على المطالب الشعبية وبالتقدم رأسا وبأعلام الثورة نفسها يمكن ربح الرهان الشعبي. فلتزهر كل الورود شمال وشرق المتوسط وفي كل العالم.

المقال السابقالقيادة والتصحيح للشباب
المقال التالىلقد وقعت في الفخ
الحبيب اعزيزي..شاعر وقاص مغربي.. أستاذ التعليم الإبتدائي. التحصيل العلمي: ــ باكالوريا في الأدب العصري1987. ــ الإجازة في الأدب العربي وبحث في الأدب العجائبي بجامعة ابن طفيل مدينة القنيطرة عام 1991. ــ دبلوم مركز تكوين أساتذة التعليم الإبتدائي بالخميسات عام 1993. الإنشغالات الأدبية وا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد