إلى سيوف “الدين” المسلولة

 

استمعت بشيء من الاستغراب والإنكار لما قاله المحامي سيف الدين مخلوف النائب في البرلمان التونسي الجديد عن ائتلاف الكرامة ذي التوجهات الإسلاميّة في حواره مع الصحفية سماح مفتاح وقد شطّ في مهاجمة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة أوّل رئيس للجمهورية التونسية وناقل البلاد من حكم البايات الوراثيّ إلى حكم برلمانيّ ومن نظام الملكيّة المطلقة إلى مشروع جمهورية ظلت تحتاج دائما إلى تعديل وتصويب وإصلاح. ولنتفق على أنّه لا أحد فوق النّقد وأنّ قيمة الزعيم- كان من كان الزعيم- لا تنقص بالنّقد ولا تزيد بالإطراء. ولكنّ التجنّي مُذهِب للموضوعيّة.

إنّ الأحكام المسقطة التي لا تراعي السّياقات التاريخيّة والموضوعيّة لا تسلم من الجور. وفوق ذلك كله فهي لا تؤثّر في تاريخ من ننتقده بل تكشف بكثير من التركيز ضعف الطالب. فالفترة البورقيبية الممتدّة من الاستقلال إلى أواخر سنة 1987 لم تكن فترة متجانسة ولم يكن الفاعل فيها واحدا في كلّ الأحوال ولم تكن البرنامج والرؤية هي هي والطموح لم يكن واحدا. فلقد مرّ بورقيبة من فترة التّأسيس التي غلّب فيها البعد التبشيريّ بنظام سياسي جديد يضع الهمّ الاجتماعي والثقافيّ في مقدّمة الاهتمامات. وانصبّت جهود الرّجل في تلك المرحلة على ما يؤثر في حياة النّاس تأثيرا مباشرا ويبدّلها نحو الأفضل . ولم يكن الشّاغل الدّيمقراطيّ في ذلك الزمن ملحّا. ورغم أن عشريّة الستينات في تونس عرفت بعض القلاقل نذكر منها انقلاب لزهر الشرايطي والصراع البورقيبي اليوسفي فإنّ ذلك لم يكن له أيّ علاقة بمفهوم الديمقراطية لأنّ المسألة مسألة وجود بالنسبة إلى هذه الأطراف جميعها وليست الخصومة من أجل المشاركة. ولذلك فقط فهم بورقيبة اللعبة كما فهمها لزهر الشرايطي وصالح بن يوسف فكانت لعبة الستينات بخصوصياتها الواضحة التي لا تقبل التّأويل والتحويل مرحلة صراعات دمويّة وليست مرحلة نضال ديمقراطي إلاّ فيما يتّصل باليسار فذلك أمر يدرس في بابه.

وفي السبعينات كان بورقيبة قد دخل مرحلة معاناة المرض. وكانت معارك الخلافة قد بدأت نارها تستعر. وبدأ سؤال الديمقراطية يطرح بإلحاح. وكانت أطرافه دستورية ويساريّة وعمّالية ولم يكن الإسلاميون قد تشكلوا طرفا منافسا بعدُ. وفي فترة السبعينات كانت أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل والخميس الأسود ذات شهر جانفي من سنة 1978 والمعركة رغم أنها كانت بين شقين من الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي الدّستوري) ولم تكن بين تيارات معارضة لبورقيبة فإنها قد فتحت باب المطالبة بدمقرطة الحياة السياسيّة في تونس.

أمّا في بداية الثمانينات فكانت تجربة الديمقراطية هي الأولى في تونس وفي المحيط المغاربي ولا ينكر عاقل أنها كانت تجربة محتشمة جدّا بل كانت تجربة فاشلة وأعتقد أنّها لو نجحت لرفعت من شأن بورقيبة رفعا لم يحسب حسابه أحد. ولكنّ الزعيم كان يخشى من أن ينفلت الزمام من يده وتتوزّع السّلطة بشكل يجعله عاجزا عن إنفاذ حكمه وهو الذي يرى في نفسه الحكيم الذي تحتاج تونس نصيحته وتوجيهه. وربّما قد زاد من خوفه من خسارة الحكم والحلم أنّ منافسيه في الانتخابات كانا أحمد المستيري رئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين ومحمد بالحاج عمر الذي احتل مكان أحمد بن صالح مؤسس حزب الوحدة الشعبيّة. وهما في الحقيقة من أجنحة الحزب الاشتراكي الدستوري الذي كان يجمع مكونات قومية ويسارية وعمالية. هذا إلى جانب معارضة يساريّة تزعمتها حركة آفاق والعامل التونسي في أواخر السبعينات. وكانت المعارضة اليسارية ميزة تلك المرحلة وتميّزت براديكاليتها التي لا علاقة لها بمشاركة السلطة في إطار ديمقراطيّ.

وليس يتسع المجال لاستذكار تفاصيل تلك الصراعات السياسيّة وأسبابها ونتائجها والمسكوت عنها ولأنها في حقيقة الأمر لا تهم “سيوف الدين” المسلولة ذلك أنّ المسألة الاجتماعية والعلاقة بين أجنحة الحزب الحر الدستوري الجديد ومن بعده الحزب الاشتراكي الدّستوري لا تشغلهم من قريب ولا من بعيد. بل إنّ ما ما يحرّكهم في الحقيقة هي علمانية بورقيبة وطموحه اللائكي الذي لم يستطع تنفيذه على أرض الواقع. إنّ ما يهمهم هو انتصاب جمهورية “بورقيبة ” على أنقاض خلافة مريضة مفككة الأوصال باعت أطرافها للمستعمر الأوروبي.

لذلك يصرّ”سيوف الدين” على اعتبار بورقيبة شرّا محضا لا يأتي الخير بتاتا. فهو في اعتقاد هذه “السيوف المجرّدة” فاسد مفسد بسط يده على مال التونسيين وكان مبذّرا لمال لا يملكه في أعياد ميلاده. كما عبّر عن ذلك واحد من تلك السيوف المسلولة. ويوغل صديقنا “السيف البتار” في هجومه فيتهم بورقيبة بالتفريط في ثروات البلاد وبيعها لفرنسا بل تسليمها “للعكري” بلا مقابل أحيانا مذكّرا بثروات البلاد البترولية والملح اللذين بسطتت فرنسا يدها عليهما.

غير أنّ تلك الاحتفالات بمولد الرئيس التي كانت تقام في الثالث من أوت من كل سنة لم تكن بالشكل الذي يصوره السلفيون وأعداء بورقيبة من الإسلاميون عموما. ففصول تلك الاحتفاليات تدلّ على بساطتها وعفويتها وشعبيتها. ولم يكن الزعيم يوزع الملايين يمينا وشمالا. ويمكنهم اليوم أن يحققوا في ذلك ولكنهم يخشون أن تسقط حججهم وتتهافت مبررات عداوتهم للرئيس المؤسس.

و لبورقيبة وجهة أخرى قد تكون أحقّ من الواجهة السياسيّة في الإبراز. إنها الواجهة الاجتماعية والاقتصاديّة التي سمّاها جهادا أكبر. لقد كان بورقيبة رائد التعليم في تونس فقد جعله مصعدا اجتماعيا وحقق به بداية مشروع الانتعاش الاقتصاديّ والاجتماعيّ. لقد نشرت حكومات بورقيبة المدارس الابتدائيّة في القرى والأرياف دون استثناء من بنزرت شمالا إلى تطاوين جنوبا ومن سوسة والمنستير والمهدية شرقا إلى القصرين وسليانة والكاف غربا. وبدأ بتركيز المعاهد الثانوية في المدن الكبرى ثمّ بدأت الحكومات البورقيبية في تعميم تلك المؤسسات على المعتمديات التي تجاوز عددها المائتين وخمسين مركزا. ثم جعلت مع أغلب المعاهد الثانوية في المعتمديات مدارس ثانوية سميت بعد ذلك,في عهد بن عليّ, بالمدارس الإعدادية . وفي عهد بن عليّ الذي كان مواصلة لعهد بورقيبة أصبحت المعاهد الثانوية والمدارس الإعداديّة منتشرة في الأرياف والقرى التي ليس لها شأن سكاني كبير ولا وزن اقتصاديّ مهمّ عدا ما تقدمه من منتوجات فلاحية.

ونتج عن ذلك تحقيق الاكتفاء الذاتي من المدرسين في الابتدائيّ والثانويّ والعالي. بل لقد أصبحت تونس توفر مدرسين لليبيا وموريتانيا ودول الخليج الغنية.

لقد ساهمت حكومات بورقيبة على مدى الثلاثين سنة ونيف في نشر مؤسسات التعليم العالي . فقد تأسست في الستينات نواة للجامعة التونسيّة وكان مركزها في تونس العاصمة ثمّ انتشرت الكليات والمعاهد العليا ومدارس المعلمين العليا فكانت في عهده جامعة تونس وجامعة الوسط وجامعة الجنوب. فأصبح للتونسيين ما يكفيهم من الأطباء المهرة في الاختصاصات الضروريّة.

وفي نفس الإطار تأسست على أنقاض خراب الاستعمار الفرنسي الذي لم يكن يهتمّ بغير البنية التحتية التي تساعده على بسط نفوذه العسكري واستثمار ثروات البلاد والذي لم تكن تهمه الحياة الثقافية في تونس . فانتشرت في جهات البلاد جميعها دور الثقافة والمكتبات العموميّة ومكتبات الأطفال العموميّة وبعض المسارح والمهرجانات وتأسست المجلات وتضاعف عدد الصحف ونشطت عملية نشر الكتب.

وكانت نواتات المستشفيات في المدن الكبرى ومراكز الولايات تسندها شبكة من المستوصفات المحليّة في القرى وبعض الأرياف, وكان تركيز بورقيبة منصبا على الحالة الاجتماعيّة فحاول جاهد, ما استطاع إلى ذلك منفذا, محاربة الفقر المتبدّي في غياب المسكن اللائق والعمل وتوفر الغذاء والدواء, فقد التزمت الدّولة التونسية التي أسسها الزعيم بتوفير ما أمكن من أسباب دفع الآفات الاجتماعية.وقد قضت هذه السياسة على مظاهر الجوع منذ الستينات على الرغم من فشل تجربة التعاضد الشهيرة والتي كادت أن تعيد تونس إلى ما قبل الاستقلال أو إلى أسوإ من ذلك.

ولا يمكن لمنصف أن يتجاهل سعي بورقيبة للقضاء على القبليّة والعروشية التي كان يرى فيها عائقا أمام تحديث البلاد ومهددا جديّا لحكمه وسلتطه.

لم تجد سيوف “الدّين” المفلولة ما تحارب به بورقيبة غير اتهامه بالفساد المالي والحال أنّ الرّجل غادر قصر قرطاج ولم يكن له في رصيده ما يسعف به حارسه في “معتقله” ويعينه على مصاريف زواجه. فسي الحبيب لم يكن يحتاج مالا فشعبه كما كان يقول هو رأ س ماله. إنهم يتهمون الزعيم بورقيبة بالفساد وهو الذي أجبر ابنه الحبيب الابن على بيع داره التي ابتناها بقرض بنكي وأمره بإعادة القرض إلى البنك. ويتهمونه بالفساد المالي زورا وبهتانا والحال أنّ الرجل باع ما ورثه من أبيه ليساهم به في بناء قصر قرطاج مقرّ الرئاسة إلى يوم الناس هذا .

لقد اجتهد الإسلاميون في حرب بورقيبة حيّا وميتا لأنّه حرم رجال الدين من ثروات طائلة كانوا يجنونها من الأحباس ومن التعليم الديني والقضاء الشرعي . فاستحوذت الدّولة على هذه المصالح والخدمات وجعلتها ملكا للجميع, ووحدت التعليم والقضاء وأخرجت الدولة البورقيبية المرأة من سجن البيت والتقاليد الموروثة وحررتها من طلاق اليمين وجعلت ذلك مرهونا بحكم القاضي المدني دون سواه. ولقد ساعدت التوجيهات البورقيبة في المجال الاجتماعيّ المرأة على أن ترتقي في سلّم العلم والعمل وعلى التمتع بتثقيف صحيّ في إطار سياسة التنظيم العائليّ التي نشرت ثقافة العمران البشري فمكنت تونس من نموّ سكّانيّ معتدل يراعي إمكانيات البلاد الاقتصادية والخدمية.

لا شكّ عندي أنّ معارك هذه “السيوف الوهمية” مع الحداثة والديمقراطية الحقيقية والعلمانية لن تزيدهم إلاّ بعدا عن الجمهور الذي مازال منذ تسع سنوات ينتظر أن تفرّج هذه الطبقة السياسيّة كربه فما كان منها إلاّ أن ضاعفت مشاكله وعقّدتها. ويا أيتها ” السيوف المفلولة” عي الأمر وقي البلاد شرّا يقترب بدلا من الإمعان في مصارعة طواحين الهواء.

لا تعليقات

اترك رد