لقد وقعت في الفخ

 

عندما تسير بخطى واثقة نحو مستقبل رسمته لنفسك ليكون مشرق، لسوف تشعر بنشوة عارمة كلما حققت ما تصبو إليه، وعلمت أنك تحافظ على ما أحرزته من نجاح. ولكن، هل ما أحرزته كان نجاح بالفعل؟ أم إمارات خادعة للسقوط في هوة سحيقة؟ هذا السؤال يجب أن يلح علينا دوماً قبيل المضي قدماً في مشوار حياتنا. فكثيراً ما نشعر أننا نسيرعلى الدرب الصحيح، وأننا نعتلي القمم، ونصل لأعلى الدرجات، وفي نهاية المطاف نكتشف أن كل ما تم تحقيقه كان سراب خادع أدى إلى تدمير ليس فقط ما أحرزناه من نجاح سابق، لكن أيضاً أفضى إلى تدمير حياة آخرين.

ولو كان ذلك ينطبق على عالم الأفراد، أو المجتمعات المحدودة العدد، نجد أن نفس المنطق ينطبق على المجتمعات الكبيرة ومصير العالم ككل. فلقد حلم الإنسان في الماضي بالمدينة الفاضلة أو اليوتوبيا Utopia التي يعمها الخير والجمال والازدهار والتقدم، وينمحي فيها جميع مظاهر الحقد والحسد والجريمة. فالغلبة للأخلاق والتقدم والجمال بكل مظاهره، سواء أكان جمال الخلق، أو جمال الشكل، أو جمال الطبيعة. ولأن طموح البشر لا ينتهي، ومحاولاته الجمة لبلوغ المدينة الفاضلة حلماً يراوضه عبر الأزمنة المختلفة، سعى الإنسان بكل كد واجتهاد لتحقيق جميع مظاهر اليوتوبيا Utopia؛ فنشر العلوم المختلفة، وسعى بكل كد لتحسين المنظومة الأخلاقية لجميع أنواع البشر، وحاول أن يجمل الطبيعة ويتفنن في جعلها بؤرة فاتنة، وحضن دفئ لكل محتاج ومنهك من متاعب الحياة، فامتدحها وجعل الآخرين يسعون لمدحها والاعتراف بجميلها على البشرية جمعاء. ولضمان رفاهية الإنسان، تم تأمين تقدم تكنولوجي ثوري يقدم كل يوم المزيد والمزيد. وفي إطار المحافظة على الجمال بكل أشكاله، صار تحسين جمال البشر من كلا الجنسين أمر واجب. ولتحقيق مبدأ اليوتوبيا في البشر أنفسهم، سعى الإنسان للاستمتاع بشباب دائم، والتمتع بصحة موفورة لا تهن، ولا تفتر عزيمتها، وامتلاك قوام جميل يكون مثار إعجاب الآخرين.

وبناء على ذلك، انقسم المجتمع لطبقتين. طبقة لها الأغلبية تكتنز عامة الشعب الراغب في التمتع بجميع سبل الرفاهية، دون أن يساهم في تحقيقها، وكذلك لا يهمه شئ إلا مصلحته الذاتية. فبدلاً من التقدم المنشود ساد الجهل، بالرغم من سهولة التنقيب على المعارف المختلفة بضغطة زر واحدة. وعزف الناس عن القراءة، بالرغم من أن مكتبات العالم قد حملت جميع كتبها على شبكة الإنترنت حتى يتاح لكل البشر القراءة، بدلاً من الماضي حين كان الثمن الباهظ للكتاب يمنع
الناس من قراءته، رغماً عن توقهم لقراءة حتى صفحة واحدة من صفحاته. فعندما اطمأن الشر أن الكتب جميعها بحوزتهم، وأن الحصول عليها لن يكبدهم أي عناء، تكاسلوا عن السعي وراءها أو حتى قراءتها لأنهم يعرفون أنها متاحة وقتما شاؤوا. ومن ثم كلما سنحت الظروف لقراءة الكتب يتم تأجيل ذلك المشروع واستبداله بالتمتع بمظهر من مظاهر الحياة المبهرة. فارهاق العقل صار من أهم الأسباب التي تؤثر على نضارة وحيوية المرء، ومن ثم عزف البشر عن ارهاقه بأي شئ، حتى ولو كان مسألة حسابية سهلة وبسيطة. فلقد استسهل الجميع حل جميع المسائل الحسابية بكل سرعة ويسر على الآلة الحاسبة. وعلى النقيض، صار كل من يستخدم عقله، أو الورقة والقلم في حل المسائل الحسابية مثار للتندر والسخرية لأنه يسير في طريق معاكس للتقدم. وبنفس المنطق، صار استخدام العقل وإعماله عند العامة ضرباً من ضروب الغباء الذي يستحق السخرية منه. وعلى هذا، صارت المحصلة احتقار البحث والعلوم في سبيل التمتع بحياة من الرفاهية والجمال والأناقة، والتمتع بطبيعة غناء تنسي المرء جميع همومه.

وأما على الجانب الآخر، استقرت طبقة العلماء قليلة العدد التي يسخر منها العامة ويضرب بهم المثل في الغباء، والبعد عن الواقع، والمظهر المزري الخالي من الجمال. في حين أن تلك الطبقة هي من يرسم ملامح سير الأحداث بالنسبة للسواد الأعظم من البشر في الكون؛ حيث تقرر مصائرهم دون أن يدروا، وتتلاعب بصحتهم وبأفكارهم حسبما شاؤؤا. ومن ذلك يمكن أن نستنتج أن اليوتوبيا Utopia المنشودة قد تحولت إلى ديستوبيا Dystopia مقيتة تدمر الجميع، وتسعى إلى تحويل الأرض والطبيعة لخراب عرمرم. ومن الجدير بالذكر، أن كلمة ديستوبيا Dystopia المشتقة من مصطلح إغريقي قديم تعني مجتمع مخيف أو غير مرغوب فيه. والترجمة الحرفية للمصطلح تعني “مكان خبيث”، وهو عكس تماماً مصطلح يوتوبيا الذي يشير إلى عالم مثالي يسوده الحد الأدنى من العنف والفقر والجريمة. وأما الديستوبيا Dystopia فهي مكان قد لوث الإنسان وحرمه من إنسانيته، وتحكمه حكومات مستبدة، وتنزل عليه كوارث بيئية كعقاب سماوي، ويسير المجتمع فيه على منحدر الانحطاط والانحدار الكارثي.

ولقد تنبه لهذا الأمر الكاتب الإنجليزي إتش جي ويلز H. G. Wells (1866-1946) عندما كتب رواية الخيال العلمي الشهيرة حتى وقتنا هذا “آلة الزمان” The Time Machine (1895) قبيل القرن العشرين، وتنبأ فيها مستقبل العالم كما نعيشه الآن. فلقد سطر الكاتب الإنجليزي إتش جي ويلز H. G. Wells أن التقدم التكنولوجي الشديد لسوف يدمر البشرية ويخلق أجيالاً من الجهلاء الذين لولا شكلهم الآدمي الجميل لانحدروا لمرتبة الحيوانات؛ لما بهم من غباء متأصل صار ينتقل عبر جيناتهم من جيل لآخر. ومن ناحية آخرى، صار العلماء طبقة منبوذة مخيفة للجميع، بالرغم من أنها تتحكم في مصائر الشعوب، مما يسبب قلاقل سياسية واجتماعية ونفسية.

وما أشبه ما يحدث في عالمنا الحالي بما سطرته رواية “آلة الزمان” The Time Machine للكاتب الإنجليزي إتش جي ويلز H. G. Wells . ولقد وصفت الرواية وبكل دقة ما يحدث في عالمنا الحالي، حيثما يتفشى الجهل، بالرغم من القفزات التكنولوجية الغير مسبوقة. وكذلك صار الإنسان مجرد لعبة في يد العلماء: يصنع منه قطع غيار لبشر آخرين، ويعطيه دواء في حين يمنع عنه آخر فعال، ويعمي ناظره بشعارات الشباب الدائم والصحة الموفورة في حين يجرده من آدميته، ويجعل منه حيوان يرعي لإيجاد قوت يومه في أرض شاسعة قد تمنحه أو تمنعه.

لقد تحول عالمنا الحالي لديستوبيا إتش جي ويلز H. G. Wells، ومن لا يزال يتمتع بالعقل والمنطق يعلم جيداً أن هناك قوى كبرى تحركه كالدمى وفقاً لأهوائها؛ فتجعله ينعم بأمان لفترة وجيزة، ثم تعييه باضطرابات سياسية لا نهاية لها تجعله شيئاً فشيئاً يجنح للانفصال عن الواقع، ويفضل عليه عالم من نسج خياله يستمتع فيه بيوتوبيا زائفة لتنسيه ويلات ديستوبيا الواقع التي لا يستطيع الفرار منها. فخ التقدم يجرد البشر من قدرتهم على التفكير السليم والتمييزبين الصالح والخبيث، ويجعل منهم أطياف بشرية لحيوانات برية لا تعي عواقب ما تتفوه به لطالما كان يرضي غرورها الحيواني.

لا تعليقات

اترك رد