سلام أحمد يسرد حكاياته للجهات التسعة

 

لم أتفاجأ حين عرفت أن سلام أحمد ( عفرين 1970 ) من خريجي قسم الفلسفة ، كلية الآداب بدمشق ، و لا من كونه حاصل على دبلوم التربية و علم النفس من جامعة حلب ، فمن القراءة الأولية لأعماله سيوحي لنا ما يشي بذلك فهو و بإنسجام تام مع شخوصه يغور في نفوسها و أعماقها و كأنه غوّاص يغور البحر و عمقه ، و لكن بحصاد مختلف ، ففي البحر يفوز الغواص بلآلىء و كنوز تكون على قدر كبير من قيمة توازي بل و قد تفوق على جهده ، أما الغور هنا والذي يقوم به سلام أحمد في النفس البشرية أقصد في نفس شخوصه فهو يعود حاملاً بكمّ هائل من التعب و الوجع و الإنكسارات بها يلون أحمد ملامح عمله بما فيها ملامح شخوصه ، و يمزج بينها و بين اللاشعور لا كرد فعل لما يجري على الأرض ، و لا كرد على عدم إهتمام الخارج بالداخل

فالنزعات السلوكية هي التي باتت أولى الخطوات الحقيقية لتأسيس إتجاه جديد بات يظهر على السطح لدى أكثر فناني جيل الحرب ، و سلام أحمد منهم ، فهو يسعى بجد و مثابرة إلى توظيف الجانب التشخصي و السيكولوجي في تدفقاته اللونية ، فمن خلال فحصنا لوثائقه أقصد لوجوهه و هي في أوج حزنها ستبرز لنا أكثر من قطب جميعها تكتسب قيمها الجمالية تبعاً لذلك المخزون المر غير المحايد و الذي يرفض المغادرة من مقاعد النفس ، و تبعاً لتلك المحاكاة التي يجريها أحمد بذكاء للشخوص والحياة ، للفرح و التعب و إن كان الأول مفقود عنده أقصد عند فعله التشكيلي ، فالتعقيد و الشقاء و الإقتران بينهما هي أهم ما تنظم سيرة لوحته ، و إن بدت لنا من الوهلات الأولى ذلك الإستشعار بتلك البساطة بخطوطها ، و بتلك القصص و خيوطها ، و المتعة هنا أن تجمع بينهما ، فالعرض أيضاً مندمج ، و تبدأ بالكشف عن دلالاتهما بالإنفعال حيناً ، و بالمراقبة و التفكير في أكثر الأحيان ، و هذا ما يجعلنا كمتلقين أن نحمل معه ذلك العبء و بأنه / بأنها ، ليس/ ليست / وحده ، وحدها في هذا الصراع الممتد حتى في الشعور و مستوياتها الأفقية والرأسية إما كضرورة لحدوث تغيير في تفسير مفرداتها أو لمغادرة القاعة

فالجوهر هو الذي يقود الحدث و بخبرة ، متناولاً القديم و المبتدع معاً حتى يبشر و إن بشفقة و خوف بما ينبغي القيام به حتى يكون المنتج مرغوباً و الناتج وفيراً ، و بحيادية ما بعدها حيادية و إن بألم و لكن دون ذعر يلقي أحمد على البياض كل الحصاد الذي جناه و هو في غوره ، تاركاً لها أن تقدم حكايتها بالطريقة التي تشاء ، و ما علينا إلا الإنصات لها و فيما بعد نبدأ بلملمة ما تركته من آثار عامة و جانبية خاصة ، حتى لا نفقد اليقين طيلة الطريق لا بالحكاية و لا بطريقة سردها ، و إلا سنفقد الثقة بأولوياتها و مقاييسها و بالتالي سنفقد القدرة على تلبية الإهتمام بها حتى نتحول إلى متلق غير مقنع و قد يكون ذلك طبيعياً ، فالأهمية تكمن في لحظة التعامل معها ، قد تكون غريبة إلى حد ما أو طبيعية بتقدير أقل ، حينها قد نرفض الحياة ما لم تكن إنسيابية ، ما لم تكن بسيطة كعالم الأطفال ، بقصصه ، بإرتباطه فيها بصرياً إلى حد النبض بها و الإتكاء عليها في مجمل مقاطعها.

نستطيع أن نشطر تجربة سلام أحمد إلى شطرين أحدهما يكمل الآخر ، الأول لجوئه إلى قصص شعبية ، فولكلورية ، تاريخية و هذا ما أدى إلى إستعانته بتعبيرية ممزوجة بوعي مسبق ، أقول أدى ذلك إلى إستعانته بكائنات هي بالضرورة مفردات الجزء الأول من حكايته التي لن تنتهي مهما إمتد في سردها ، هذه الكائنات التي باتت تحتل حيزاً جميلاً لدى الفنانيين التشكيليين الكورد ، و سلام أحمد منهم ، هذه الكائنات التي تتحرك بكل الإتجاهات لا بإتجاه واحد ، و تكاد تعلن عن نفسها واقعاً و مرموزاً ، بآليات يمكن التعرف عليها بسهولة ، و تبهر البصر ، و إن كانت تفتقر إلى التوازن إلى حد ما ، فما تولده من أحاسيس مرهفة من جهة ، و من التأمل القادر على فعل شيء ما من جهة ثانية كافية أن نفكر بالنتائج التي ستؤول إليها ، و أحمد حريص على هذه النتائج فهي التي ستبنيه لا العكس بعيداً عن التزييف الكبير الذي يضرب كل أعصاب الحياة بما فيها الفنية التشكيلية ، فالأزمة التي يكتشفها أحمد يحاول أن يتجاوزها بقفزات و هذه قد لا تكون لصالحه فتوقعه في جُب التكرار .

و الثاني أقصد الشطر الثاني من تجربته فهو الغور في وجوه تلتف على نفسها ، بأنظارها و ألوانها ، بتوترها و قلقها ، بحيرتها و ضياعها ، بتداعيات أشكالها و أفكارها ، حتى تبقى الحالة لا جزءاً من مساحة تم تلويينها فحسب ، بل لمسات لونية المحور فيها تفتيت التعب و صرخاته مع جرعات عالية من تفصيل التفاصيل الذي سيأخذه إلى حالات نفسية جلّها خيوط حسية و تفاعلات إنسانية ، ففي هذا الشطر يكاد يتقاطع تجربته مع تجربة طراد خليل سواء من ناحية العفوية و تطريب اللون ، أو من ناحية التركيز على حالة اللا جمال الأقرب إلى هذيان ما ، و هذا ما يدعو أحمد إلى مد سجاداته بإتجاه آخر و ترك العنان لريشته فهي قادرة أن تحيك ما طاب لها ، فالأمر ليس أكثر من الدخول إلى الضوء و روافده ، فهي التي ستطوق نتاجه ، و ستتحول الحزم الضوئية حينها إلى مقامات تزدهر بين تكويناته اللونية المختلفة ، فهو أي أحمد يولي الخارج أهمية أكثر من الداخل ، يحتاج الأمر إلى حالات من التوازن بينهما حينها قد يكون بمقدور سلام أحمد أن يسرد حكايته للجهات التسعة ، أو دعنا نقولها قد يكون بمقدوره أن يطلق ملحمته الخاصة في المكان الذي يشاء و بالزمن الذي يشاء .

لا تعليقات

اترك رد