دروس من الحياة

 

هذه الدنيا أخذ وعطاء ومن يأخذ يوما لا بد أن يعطي في يوم آخر مهما امتدت بنا السنون . وعندما يعطي الإنسان بلا حدود من المتوقع أن يتلقى بلا حدود . يقول الإمام الصادق (ر) في معرض حديثه عن الحقوق والواجبات : من حق الولد على أبيه ثلاثا . أن يحسن تربيته وأن يحسن تسميته وأن يختار له أما صالحه وعلى الولد في ذات الوقت أن يحترم والديه في كبرهما وأن يقم لهما ما يمكن من المحبة والرعاية عرفانا بالجميل ووفاء لما قدماه له من تضحية وسهر .
يحكى أن شابا اصطحب أباه إلى مطعم لتناول طعام العشاء
وكان الوالد مسنا وضعيف البنية وأثناء تناوله الطعام سقط بعضه على قميصه وسرواله في حين بدأ الموجودون في المطعم ينظرون بازدراء في حين بقي الولد صامتا لا ينبت ببنت شفة .
وبعد أن انتهى الأب من طعامه نهض الولد من مقعده ليساعده في الذهاب إلى الحمامات ونظف ثيابه ونزع ما تبقى من الطعام عن ثياب والده وأزال جميع البقع. لم يشعر الولد بالضيق في تلك الأثناء . ثم عادا وضحكا وشربا الشاي . وعندما همّا بالخروج كان الصمت المطبق يخيم على صالة المطعم . لم يستوعب أحد في المطعم أنه يستطيع أن يفعل مع والده ما فعله الشاب مع والده في مكان عام .
توجه الشاب الابن نحو المحاسب لدفع الفاتورة وبدأ بالخروج برفقة والده من الباب الرئيسي وإذ به يسمع صوتا يناديه من داخل المطعم ويقول : ” ألم تنسى شيئا داخل المطعم ؟ ” أجاب الولد : ” كلا يا سيدي . لم أنس شيئا في الداخل .” أجابه صوت رجل عجوز من الداخل وقال: ” نعن لقد نسيت شيئا داخل المطعم . لقد تركت خلفك درسا في المحبة والأدب لكل طفل نحو أبيه وتركت أملا داخل كل أب بأن ولده سيكون حنونا في يوم ما .”
كان المطعم يسيطر عليه ضجيج الصمت .
وفي سياق آخر نروي لكم الحكاية التالية واللبيب بالإشارة يفهم
يحكى أنه في يوم من الأيام كان هناك رجل عمره ثمانين عاما يجلس على أريكة بجانب والده الذي عمره 45 عاما وعلى درجة عالية من الثقافة والتعليم .
وفجأة وقف غراب على نافذة المنزل .
سأل الأب ابنه قائلا : ” ما هذا ؟”
أجاب الولد : ” هذا غراب يا أبي .”
وبعد مرور عدة دقائق سأل الوالد ولده ثانية : ” ما هذا ؟”
أجاب الولد قائلا : ” للتو أخبرتك أنه غراب يا أبي . ”
وبعد مضي فترة من الوقت ، سأل الوالد الشيخ ولده للمرة الثالثة : ” ما هذا ؟”
وظهرت علامات القلق والانزعاج على وجهه وصوته وقال بانزعاج : ” إنه غراب يا أبي . غراب . ألم أقل لك إنه غراب.”
وبعد مرور بعض الوقت سأل الوالد ابنه للمرة الرابعة : ” ما هذا ؟”
صرخ الولد في وجه أبيه بصوت عال وقال: ” لماذا تسألني نفس السؤال المرة تلو المرة ؟ لقد قلت لك عدة مرات : هذا غراب. إنه غراب . ألا تفهم ما أقول ؟ ”
وبعد فترة قصيرة من الوقت دخل الوالد إلى غرفته وأحضر مفكرة عتيقة احتفظ بها ودون فيها حركات وتصرفات ابنه عندما كان صغيرا ثم فتح صفحة منه وطلب من ابنه أن يقرأ الصفحة بصوت عال . كانت كلمات المفكرة تقول ما يلي : ” اليوم كنت أجلس مع ولدي البالغ من العمر ثلاث سنوات على الأريكة بجانب النافذة وفي هذه الأثناء توقف غراب على النافذة . سألني ابني 23 مرة ماذا يكون ذلك الطير وأجبنه 23 مرة وفي كل مرة كنت أعانقه بحب وقد عانقته 23 مرة . لم أنزعج منه ولم أشعر بالضيق وإنما شعرت بحنان بالغ تجاه طفلي البريء.”
سأل الولد أباه 23 مرة : “ما هذا؟” ولم يشعر بالضيق لكن الأب سأل ابنه :”ما هذا؟” أربع مرات فغضب من السؤال وانزعج .
من الآن فصاعدا علينا أن نهتف بأعلى صوتنا ما قاله القرآن الكريم في محكم تنزيله:” وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا ”
لقد أمطرونا بالحب والحنان والتفاني .
عبرا الجبال والأودية من أجلنا من دون أن يمنعهما صقيع أو عاصفة أو شمس حارقة وتنازلا للكبير والصغير في سبيل رسم بسمة على وجوهنا لنكون ما نحن عليه الآن .

لا تعليقات

اترك رد