الفيدرالية الحل الأمثل

 

هناك سؤال قبل الدخول في صلب المقال وهو كيف تنجو أميركا من مقبرة الإمبراطوريات؟ فمشكلتها مستعصية على الحل في أفغانستان، وحاليا ترفض طالبان الدخول في مباحثات مع الحكومة الأفغانية التي ترى أنها نظام أشبه بالدمية حتى أن الحكومات التي أقامتها الولايات المتحدة سواء في أفغانستان أو في العراق تصر تلك الدول على بقاء عدد محدود من القوات الغربية حتى تحولت أفغانستان والعراق إلى أطماع الدول المجاورة والكبرى حتى أن الولايات المتحدة والغرب ضجروا من الحرب التي خلقوها جعلهم يريدون الرحيل دون القدرة على حل تلك الأزمات، فيما الروس والصين والهند يلعبون أدوارا مزدوجة ومعقدة، فالروس تارة يشجعون طالبان على الحل وتارة مع الحكومة حسب ترمومتر العلاقة مع الغرب، فيما الصين والهند تطمعان في المعادن النادرة وغيرها من النفائس الكامنة في باطن الأرض التي تقدر على نحو من تريليوني دولار في أفغانستان، ولخبرة الولايات المتحدة في فيتنام فائدة كبيرة وهي أن غالبية القوات الأميركية رحلت عن أفغانستان عام 1972 التي تعتبر مقبرة الإمبراطوريات بعدما أنفقت أمريكا نحو تريليون دولار في حرب أفغانستان، ففشلت بريطانيا في القرن التاسع عشر والاحتلال السوفيتي في القرن العشرين ومن قبل فشل الاسكندر الأكبر قبل ألفي عام، فقد تمسك الفيتناميون الجنوبيون ببقائها لثلاث سنوات إضافية لأن الولايات المتحدة استمرت في تمويل جيشهم، وسقطت مدينة سايغون الفيتنامية عام 1975 عندما خفض الكونغرس الأميركي التمويل.

الاشكالبة أن الفوضى تضرب حتى المشهد السياسي الأوربي التي حصلت على قدر اكبر من التعددية والتنوع يتكرر الأمر ذاته على المشهد الحزبي بها، الأمر الذي يزيد صعوبة بناء ائتلافات، فالمفوضية الأوربية غير المنتخبة تقوم بتغيير أنظمة منتخبة ديمقراطيا مثل إسقاط حكومة بيرلسكوني صاحب الرقم القياسي في رئاسة حكومات إيطاليا من 1994 وحتى 2011 تم إسقاطه في أوج الأزمة المالية الاقتصادية لمنطقة اليورو في 2011 كذلك أجبرت المفوضية ايرلندا على قبول صفقة مع صندوق النقد الدولي لإنقاذ اقتصادها بشروط مهينة أدت لإسقاط حكومة بريان كاوين 2011 المقاوم لسيطرة المفوضية الفيدرالية الاتجاه.

في المحادثة التليفونية بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الزعيمة الفعلية للاتحاد الأوربي وصاحبة الكلمة الأخيرة و رئيس الحكومة البريطانية جونسون حيث أصرت ميركل على خيار استقطاع جزء من بريطانيا شمال ايرلندا وضمه عمليا في اتفاقية

جمركية إلى الاتحاد الأوربي، ومن يتابع سياسة المفوضية عقب معاهدتي ماستريخت ولشبونة سبق أن حذرت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة من تحول السوق المشتركة التي دخلتها بريطانيا قبل أربعة عقود إلى اتحاد فيدرالي بجيش موحد لإلغاء مفهوم الدولة القومية التي قامت عليها أوربا نفس الأسلوب الذي اتبعه الاتحاد السوفيتي في إلغاء مفهوم الدولة القومية.

هناك 6 دول في الاتحاد الأوربي تدار من قبل حكومات أقلية وهناك فقط 12 دولة لديها ائتلافات فاعلة فيما مجلس العموم البريطاني ينتمي إلى فئة خاصة غير منتخبة أي أن أوربا تعيش مرحلة سيولة سياسية حيث هناك سخط على الهياكل السياسية القديمة نتج عن هذا المشهد السياسي أو السيولة السياسية انسحاب بعض السياسيين الأوربيين الأصغر سنا من أحزابهم وتأسيسهم أحزاب جديدة على غرار تركيا اليوم افترق رفقاء الأمس وخرجوا من حزب العدالة والتنمية لتأسيس أحزاب جديدة، وقد فعل إيمانول ماكرون في فرنسا، وأعلن في 16 سبتمبر 2019 ماتيو رينزي أنه سيفعل الأمر نفسه في إيطاليا.

بالنظر إلى أعداد الائتلافات الهشة وحكومات الأقلية والأزمات السياسية يبدو أن غياب الاستقرار أصبح العرف السائد الجديد في أوربا لكن المجتمعات الأوربية تعتبر أكثر تحصينا بعدما اكتسبت قدر اكبر من التنوع والتعددية الأمر الذي ينطبق على المشهد الحزبي الذي يزيد صعوبة في بناء ائتلافات جديدة، لكن في ظل شعبويين سيجعل الائتلافات بالضرورة أكثر تنوعا وغرابة حيث كانت تعكس الائتلافات من الداخل في سبعينات القرن الماضي انتمت غالبية الأوربيين إما إلى الطبقة العاملة والمثقفين أو الطبقة الوسطى وأصحاب الأعمال، بينما اليوم ما يزال النطاق اليساري اليمني قائما لكن تغطية طبقات أخرى مثل حضري، ريفي، صغير، كبير، مؤيد، معارض للهجرة، معارضة للعولمة أو مؤيد إلى جانب ثمة قضايا جديدة مثيرة للانقسام تعصف بصفوف جميع الأحزاب مثل التغيرات المناخية أو الذكاء الاصطناعي والميكنة والآن ظهرت قضية بريكست التي خيمت على جميع القضايا الأخرى وجعلتها هامشية.

تحاول أوربا تجاوز بلقنة الأحزاب، فأجازت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية نسبة 5 في المائة من الأصوات لاجتياز البرلمان فيما تتعايش الدنمارك منذ أمد بعيد مع حكومات أقلية، فالبعض يرى أن التشرذم السياسي ظاهرة مرحب بها لأنها تخدم الديمقراطية، يؤكد هذه المقولة الفيلسوف جيمس ماديسون في كتابه ( أرواق

فيدرالية ) عن قلقه من وجود عدد ضئيل من الأحزاب وليس الكثير منها يقصد من ذلك أنه يتعين على أعضاء البرلمان التصدي للمشكلات الصعبة وطرح حججهم والإنصات للبدائل وأخيرا التصويت داخل البرلمان بما تملية عليهم ضمائرهم وليس بما تمليه عليهم كتلهم الحزبية كما في العراق ولبنان ويظل في مقدور الناخبين دوما طردهم في الانتخابات التالية، ومن الخطأ الاستسلام ثقافيا واجتماعيا لنتائج الانتخابات واعتبارها واقعا جامدا لا يتغير يتحول إلى استنزاف ثروات البلد واعتباره غنيمة كما في العراق بشكل خاص وتبرير ذلك من أن انتقال الحكم للأغلبية من الشعب من خلال الأخذ بنتائج صناديق الاقتراع وكأن هذا كل شئ وأن هدف تلك الحكومات فقط الحد من السلطوية.

كل المكونات العربية وقفت أمام التوسع الغربي ونجحت في أن تحصل على حريتها ولن تضحي بتلك الحرية لقوة إقليمية، لكن هيمنت تلك القوى الإقليمية عبر المقاومة لتحرير فلسطين والإرهاب، مما فرض على السعودية إقناع الغرب بالتخلي عن ورقة الإرهاب التي تستخدمها الدول الإقليمية والكبرى من أجل مواصلة هيمنتها أو تحقيق مصالح خاصة، وعندما أراد حسن نصر الله المشاركة في احتفالات النصر في سوريا ولبنان على الإرهاب جاءته طائرتين مسيرتين سقطتا على الضاحية الجنوبية من أجل تبرير حزب الله الاحتفاظ بالسلاح للدفاع عن فلسطين والدفاع عن تحالف الأقليات باعتبار أن الإرهاب كان تهديدا لتحالف الأقليات، والذين يعتبرون نصر الله وبشار الأسد قد دافعوا عنهم وفي نفس الوقت ما تريده إيران بشكل خاص حول سوريا أنه لا يوجد شعب سوري مثلما كانت تردد إسرائيل في فلسطين من أنه لا يوجد شعب فلسطيني أي أرض بلا شعب لتبرير تهجير شعوب تنتمي لإسرائيل إلى فلسطين وتهجير تنتمي لإيران إلى سوريا حتى تضمن الهيمنة لكن أربكها انسحاب ترمب من الاتفاق النووي والضغط السعودي على أمريكا وروسيا من إخراج إيران من سوريا ومن المنطقة العربية وتفكيك المليشيات التي شكلتها إيران في سوريا ولبنان والعراق واليمن.

تحالف الأقليات ينسى دائما قتل بشار الأسد وحسن نصر الله للسوريين ولا يمكن اعتبار شعب بأكمله داعشيا من أجل اعتبار سوريا منطقة مهيئة لسكن الشيعة محل مناطق السكان الأصليين التي هجرتهم حرب بشار الأسد أو توطين السوريين اللاجئين في مناطق الأكراد مثلما تقوم بهذا التوطين تركيا، لذلك تحالف الأقليات تفضل أن تعيش في ظل نظام أقلوي المحمي من إيران وروسيا، والآن نظام بشار

الأسد يحاول تفريغ بناء اللجنة الدستورية وإفشالها من أجل تحويل البلدان العربية إلى مزارع أقليات، وأكبر مثال على ذلك قياس النجاح الهائل لشعبية التيار الوطني الحر في أوساط المسيحيين بعدما تم بث الخوف بين السنة والمسيحيين يشبه الإسلاموفوبيا في أوربا والعالم، بينما هو لا يوجد له مستند على الواقع وأكبر مثال على ذلك المظاهرات التي خرجت في العراق ولبنان لم تكن طائفية بل كانت مظاهرات ترفع شعار الوطن ولا غير ذلك والتي ستفشل كل المشاريع التي تم التخطيط لها في المنطقة بعدما صار وعيا شعبيا عارما.

هناك ترحيب دولي باتفاق الرياض بين الفرقاء اليمنيين ممثلا بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي اعتبرها المبعوث الأممي غريفيث خطوة نحو التسوية السياسية للأزمة اليمنية بعدما كانت هناك مراهنة على تقسيم اليمن، ما يعني أن السعودية تمثل ركيزة أساسية للأمن القومي العربي والخليجي وهي بذلك تعزز الفيدرالية وإحلالها مكان التقسيم وتحالف الأقليات.

لا تعليقات

اترك رد