مذكرات امرأة مازالت تشتري الحبر

 
مذكرات امرأة مازالت تشتري الحبر

( المئزر، نسج الصمت)
قصة قصيرة

أألد في موتي !
شتاء مد َّرِواقه في نهار بارد، ألْقى بسحابه في وجوم محدق يبوح بأسرارها في سماء غرفة قديمة تآكلت جدرانها من الانتظار لأمد يزيد على مئات الآمال المترجية من عمرها في أن، تَحُبْ أوان تُحَب ْ،وذلك كان رمقها الأخير.

تقبع على كرسي هزاز قريب من نافذة الغرفة، تخيط بصمت في مِئزر لها لم يكتمل بعد ( تلتمس ملاذاً للخلاص). بلا أصوات تقرأ الصمت بجوار جدار صار مأوى، وشاهد ُاليأس على جور الأيام التي شطرت روحها. تحتضنها الغرفة في عمق دار قد أقترن ببركة قريبة (شبه آسنة) لَبسَت البلى وتَعطّلت ْ في أن تبقى متناهية في الحصانة، أقعد حِيطانَها – الغرفة – زمن بائس ليس لتلك المرأة أو لأي امرأة أخرى ولكن، للقدر سلطان.  تمر الساعات في نهار طويل ، هكذا كان يومها يتنهد الأصيل ساحباً شمسه في ترنحٍ متخذة هي الأخرى-الشمس- الارتحال عنه فرضا لتنطوي بصفرة خافتة في حدتها وراء مساء أكتحل بسهاد قلق. جاء المساء وكعادتها، جالسة تدون برفق .. يستنطقها القلم بحروف معلولة وورق يخاطب خواطر تحتج على صراخها المُكتـَّـف، وفي أكثر الأحايين يتوشح وجهها الذي خلق من طين من أطراف الأرض ، بغيوم ممتلئة بالطل الذي ينزل من مآقي حدقتيها المتسعتين بهدوء مفروض، ليجد له مسارات – الطل – على وجنتيها الحالمة بلمسة من فواضل الحنان، حالها حال الأخريات (سؤال تردد لأكثر من مرة في نفسها) .. تتركه لبرهة – المئزر -لتبقى مع القلم الذي لم يفش سرها أو يذعه لأي كائن بري في هذا المدار، ولا حتى عن ميلادها الذي شارف على الأربعين توا ً.. يستدير الكون يلف ذلك الحلم وتلك الرؤى بين مساءا ته الضحلة دون ظل له معها على حافة القمر.
تكابد في صبر مكلوم بمعيتهِ – القلم – الزاخر بالتدوين المخبوء على حافة الطاولة المتهرئة، وثمة مئزر لم يكتمل بعد . القلم شريكها الأوحد بكل تكهناتها لأعوام مضت تلك التي هرست أنوثتها .تدون .. تدون كل الهنيهات التي تمتص الحب منها، قوة لها على أمل الرجاءات التي باتت تطوق خوفها.

بهمة علا جنَاحُها:
– أريد أن أحب، (قالتها بنفس وخاطر تنعم بثقة كبيرة في فَيٍ كان قد جف في حدود ليلها الطعين. بعد كل هذا الاطمئنان، تتمزق الصور في ذهنها وتتلاشى في ظلال المدينة الصامتة.
يبدو أن الملكة قد وقعت في خوف من صورة اللعين الذي يلوح لها من النافذة (انه يفزعها)..
تحاول الانسحاب،
تتردد!
تكاشفها الهواجس بصراحة نطق ساذج غير بعيد عن صيغة الحنان، صارت أقرب إلى زجاج النافذة، تطل عليه مكتشفة، وزفيرها يتكاثف على الزجاج القريب من أنفها (مسترسلة) :
– ليس سوى شحاذ يلوذ في آخر الليل في إحدى المحطات !
يا لأ كتشافاتى في التشكيك بمقدرتي على الحوار مع ذلك الصمت والتنقيب في مقدرات نفس قد ضاقت بها الأرض بعد أن رحبت، تغلق الستارة التي أجهدتها الأعوام بجانب الملكة المخلوعة، وصارت – الستارة – هي الأخرى هشة ذابلة بعد ان كانت في تماسك من نسيجها المتشنج .
أسفر الليل عن سواد ، تاركاً فسحة الكون إلى بياض النهار
وفي الصباح الجائع ، تستجدي الدروب، فتمتطيها تحت أقدامها الرثة
وصلت الموقف، جلست بانتظار الباص.
– قال لها : أركبي
صعدت الحافلة ، الحافلة تسير والمناظر غير واقفة
انفتح عليها،
بادلته النظرة، تمتد الجسور ليبقى التواصل ماسكا ما يمكن إمساكه في مخاض عاجل وفي قرارة نفس شغلتها عن المكان ، هل أجالسه؛ لأستضيف أساريرنا؟ ( تنادي فتى أملها الوحيد بوهنٍ )
دعاها الفتى إلى النزول، أتبعت هواه في السير
التفتت نحو الأمل
سارت باتجاه الحقيقة
لكن صوتا ما، غير مهذب كان يصرخُ خلفَها يشد بيديهِ على كتفيِّها بأصابع من فولاذ
استوقفها، قاطع التذاكر:
– لم تدفعي ؟
بذهول تأكل أصابعها، تبحث في حقيبتها السوداء المتآكلة كأحلامها:
– لكنني أضعت الحافلة، إنها ليست حافلتي.
يتركها متشككا؟!
تصعد إلى شقتها المتكونة من غرفة واحدة، بعد أن ضاع منها ذلك الخيط الذي كانت سترقع به تلك الثقوب والتمزقات في برودة مساءاتها لتلك الستارة البالية، وربما كان يصلح ايضا لذلك المئزر.
ضاع؛ أثناء حديثها مع قاطع التذاكر الأحمق. تنتظر المساء في غرفة تأكل بأنيابها جوف الصمت.. تتحدث مع الصمت لاتكل ولاتمل:
– كم نمتلك من القدرة على السكوت، أو النطق لأفكار تسيج تصوراتنا التي سكنت في سعة ذاتية، أيتها المخلوقة ياروحى ، ياحمالة الصبر،لا أستطيع العيش دونك ، فلا مزيد من الخيوط من أجل الرقع.
( هاهو حوارها ينسج مع الصمت حضوراً رائعاً ، ليكمل غزله ككل المساءات بنشيج لاتتجلى له نهاية ). تدندن بصوت يتودد نشيد الهزيمة :

صباحا ستكون جعبتي بعهدتك أيتها الروح لنلتقي ثانية تروضيني على الإنصات ، فأهديك هذياني في مساءات الأسرار المباحة، بعيدا عن الشمس في مخزون أوفر لهلاك يمزق مِئزري

* من مجموعتي (أوراق لم تعد سراً)

 

1 تعليقك

  1. Avatar محتار عيساوي

    القصة رائعه تاخذ القارئء الى اجواء وهواجس انثى تحاول التملص من غبش الاحاسيس الفياضة لامراة بين النسيج ومكنونات الفؤاد تسترسل في اناتها وخلجاتها الدفينه اللغه جميلة جدا لان صاحبتها فنانه تشكيلية عرفت كيف تصوغ القصة باسلوب رائق

اترك رد