أبو التُكتُك جيفارا العراق

 

هكذا كسرَ سائق التُكتُك القاعدة في أسطورة الرمز و التي هي في العادة تَخليد الرموز بعد ان يتأتى عليها الزمن ومن ثمَ تتشكل أسطورياً في الأذهان، أخرجت تظاهرات تشرين في العرق أنموذجاً أسطورياً في خروجه عن المتوقع والمألوف وكذلك مَلحمياً في لعب الدور في حقبة تأريخية دموية من تأريخ العراق السياسي الحديث فكان أحد العوامل التي قلب المعادلة لصالح المتظاهرين.

صديقنا (جيفارا).. أنعى إليك اليومَ خبرَ موت إسطورتك التي باتت بأذهاننا وفكرنا أكثر من خمسين عاماً،حتى الإقامة الجبرية لقراءة جريدتك .. لم تكن ممكنة امام البطولة العراقية،الطبقية الإقتصادية التي دفعت لترك الطب خدعتك في أسطورتك لأن الجيل العراقي وضع معايير جديدة لأسطرة الخالدين.

نعم، جيفارا رمز البطولة العالمية فقد تلك المكانة أمام سائق التُكتُك والمقارنة هنا في أن جيفارا خُلدَ بعد موته المشكوك فيه والغامض وشيئاً فشيئاً أخذت الأجيال تتداولهُ كمُناصر للضعفاء والطبقات المحرومة، هنا ببساطة نقول أن جيفارا حتى قبل مماته لم يتصور أنه سَيُخلَد وأن صورتهُ ستكون رمزية الإنتصار على الظلم ونُصرة للمظلومين، سأئق التُكتُك في بغداد حَسمَ الأمر في ساعات قليلة بعد تدخلهِ وإنخراطهِ في تظاهرات تشرين مع الشباب المُتظاهرتاركاً السعي وراء لقمة العيش وعدم التفكير في تأمين طعام اليوم له ولأهله فصار الداعم اللوجستي للتظاهرات ولأن (عربات الموتورسايكل) المُسماة بالتُكتُك تجوب شوارع وأحياء بغداد كان الدعم اللوجستي مُنظماً بطريقة العقل الجمعي لسائقي هذه العربات (التُكتُك).

السؤال هنا هل رمزية البطولة التي حازها سائق التُكتُك جاءت بسببه كفرد (شخص) أم بسبب تلك العربة التي تبدوا مثيرة بطريقة كوميدية نوعاُ ما؟

الجواب يكاد يكون من الإتجاهين وهو مُكمل للآخر .. أي أن السائق (الفرد) وواسطة النقل (التُكتُك)، فقد تغيرتشكيل صورتهما بداخل المجتمع، تَحول دراماتيكي من النظرة الإبتذالية والدونية وعدم الأكتراث إلى التقدير والإعجاب وحتى التمني لو كان أحداً هو من يقود التُكتُك ويعيش في ذات المستوى المعيشي، يسكن سائق التُكتُك الأحياء الفقيرة في بغداد إذ أن من الخرافة أن نتخيل أن سائق تُكتُكُ هو من أهل المنطقة الخضراء أوإبن احد المسؤلين، إنه أي (سائق التُكتُك) من أبوين فقيرين لم تورثهما الحياة سوى الفقروالبؤس ليعيشوا تحت ظل خطهِ ويسكنون تحت تهديدين الأول هو إحتمالية تهاوي المنزل البسيط من اللَبِن والذي بٌني دون مواصفات هندسية او تحت إشراف مهندس ومراعاة شروط البناء، الثاني هو تهديد بإزلة تلك اللبنات والسقيفة كما حدث قُبيل أيام من التظاهرات لأنها غير قانونية في تملكها وكما تُسمى في العراق (التجاوز).

96% من سائقي التكتُك هم من الفئة العمرية الصغيرة .. أي وفقا للمعايير العالمية هو (طفل دون 18 سنة ) وهولا يجوز عليه العمل وإن مارس عملاً لغرض الكسب والعيش فهذا يعني خرقاً لمواثيق عالمية في حماية التطفل وهو شكل من اشكال الإستغلال وإنتهاك كرامة الإنسان، غير منخرط في عملية تعليم أو مدرسة وهو إنتهاك آخر سافر، ناهيك عن التأمين الصحي والإجتماعي، ومن هكذا بيئات فقيرة ومحرومة إكتسب (سائق التثكتُك) العَدمية، قد يكون مُنشغلاً اثناء قيادته التُكتُك بسماع اغانٍ في الأغلب لا تروق لمزاج باقي المجتمع ولكنه مُنسجم مع اغانيه عبر (شريحة خزن الكترونية او جهاز الموبايل).

ولوسائط النقل تاريخ ليس بحديث في العراق، إلا أن التُكتُك كان يُشاهد في نشرة الأخبار إذا ما تضمنت بعض مشاهد عن بعض الدول الشرق أسيوية وخاصة أحيائها الفقيرة في وقت لم يكن العراق قد وصل إلى هذا المُستوى، والكل يعلم كيف كان الناظر إلى التلفاز ينظر بدهشة ان في طرقات كشمير الفقيرة يحملُ تكتكاً ستة او سبعة أشخاص مما قد يثير الضحك أو السخرية، بمرور الأيام على التغيير السياسي في العراق وتهاويه إلى إدنى مستويات العوز وسوء التعليم وإنعدام الفرص وعدم تكافؤها دخل التُكتُك كواسطة نقل رخيصة تستخدمها هذه الأسر الفقيرة في كسب العيش.

ومن بين الدخان وتحت رشقات الرصاص صعد التُكتك وسائقهُ من قعر المجتمع إلى سماءات المطالبة بالحرية والوطن فكان هو الرائد الماجد في الحفاظ على ديمومة النقل والحركة وإسعاف الجرحى وإخلاء الشهداء. فلو أن العنف في التظاهرات لم يحدث ولم يكن ربما بقي سائق التُكتُك يعمل داخل الاحياء الكبيرة ينقل الناس او الحمولات الصغيرة بأجور قليلة عائداً للبيت كالعادة، وهذا ما يجعل أسطورة هذه الشخصية غير المتوقعة أسطورة المستقبل لأنه ذاهب إلى المُستقبل بذلك التُكتُك.

لا تعليقات

اترك رد