قراءة في كتاب: “رسائل الي جاري الفلسطيني”

 

“رسائل الي جاري الفلسطيني” كتاب صدر في عام 2018، وهو متوفر باللغات الانجليزية والعربية ويتم حاليا ترجمته الي اللغة العبرية. ويقع في 107 صفحة من الحجم الكبير. قام بتأليفه السيد يوسي كلاين هاليفي، وهو كاتب وباحث في الشؤون اليهودية والاسرائيلية من مدينة القدس، له عدة مؤلفات أدبية ومشاركات صحافية فازت بجوائز عالمية، كما ويشرف حاليا على مبادرة أمريكية تدعى “مبادرة القيادة المسلمة” برفقة الإمام عبدالله عنتبلي.

والرسائل التي يوجهها السيد هاليفي عبارة عن محاولة جادة وتاريخية لتفسير القصة اليهودية والاسرائيلية، للفلسطينيين خصوصا وللعرب والمسلمين عموما. منطلقا بحسب قوله من “لماذا يجب على كلا الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي أن يحترما الروايات التاريخية والمطالبات الوطنية المشروعة لكليهما، ولماذا يجب عليهما أن يستوعبا ويتكيفا مع وجود بعضهما البعض على هذه الأرض التي قدر لنا أن نتشاركها سويا”. ويبلغ عدد الرسائل الموجهة الي الجار الفلسطيني عشرة رسائل بالأسماء التالية: بدءا من الأولى المعنونة: الجدار الذي يفصل بيننا، الحاجة والحنين، القدر والمصير، الرواية التاريخية والوجود، ستة أيام وخمسون سنة، اقتسام العدالة، اسحق واسماعيل، التناقض الاسرائيلي، الناجون والضحايا، والرسالة العاشرة بعنوان: خيمة في طرف الصحراء.

شرح السيد هاليفي، وهو يهودي متدين وعاشق لوطنه اسرائيل، في الرسالة الأولى، أهمية الجيرة، بمعنى أن يكون الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي مؤمنين تماما بوجودهما على أرض اسرائيل لتجمعهم المودة بدلا من الحروب والاغتيالات والخوف والتدمير. ويحاول ايضا أن يقدم رؤيته بأهمية الأديان بكونها الرباط المقدس الذي يجمع بين البشر، وكيف أن الاسلام واليهودية ديانتين متشابهتين فيما يخص الذات الإلهية وغيرها

من الامور. وربط تقارب الديانتين بإمكانية وجود بعض القواسم المشتركة في أن يتقبل أحدهما الآخر. ورغم أن التاريخ يشهد على أن كثيرا من الأديان ماهي الا أدوات للصراع والحروب والاقتتال، الا أن السيد هاليفي، ومن منطلقاته الايمانية، لا يزال يعتقد بقدرة الأديان على توحيد البشر ناهيك عن توحيد الجماعة نفسها. وبأقل نظرة الي حواليه في غزة وفي الدول العربية المجاورة لإسرائيل يستطيع هنا أن يغير رأيه، ويرى كيف أن الأديان والمذاهب الاسلامية وغيرها لم تستطع توحيد نفسها، فكيف يتوقع هو أو نتوقع نحن، أن باستطاعة ديانتين يدعي كلا منهما بأن ديانته أفضل أو هي الديانة النهائية ، أن تخلق السلام المنشود بعيدا عن الاتفاقيات السياسية والقوانين الدولية والمفاوضات طويلة الأمد بين الجانبين.

إن مخاطبة الآخر المختلف والتوجه اليه ايمانيا، هي محاولة لن يكتب لها النجاح في ادارة الصراع العربي الاسرائيلي، فالمنطلقات الدينية، كانت ولا تزال، محل جدال وانقسامات وتقاتل ودماء لم ولن تنتهي. ويقدم السيد هاليفي رؤيته عن فشل المفاوضات في أوسلو محملا الجانب الفلسطيني مسؤولية فشل تلك المفاوضات، ويذكر بالتفصيل مراحل عملية السلام وتعنت الفلسطينيين وزعيمهم آنذاك السيد ياسر عرفات. وخلص الي أن الجانب الاسرائيلي ايضا يتحمل بعض المسؤولية، من خلال الاستمرار في بناء المستوطنات في الوقت الذي كانت تجرى فيه مباحثات أوسلو.

ويمضي السيد هاليفي في رسائله الي جاره الفلسطيني، بطريقة عاطفية أحيانا، وتاريخية وعقلانية أحيانا أخرى، ربما لشعوره بأن العرب عاطفيين، فيريد مخاطبتهم بما يحبون سماعه من تدين علائقي وجيرة سكنية وتاريخ مشترك. لكنه أيضا لا يستطيع أن ينكر حق وجوده وحق الشعب اليهودي وحق دولة اسرائيل في أن تبقى آمنة ومستقلة وموجودة على الخريطة العالمية. والحل الذي يقدمه هو الاستمرار في المفاوضات حتى تهدأ النفوس وينتهى الصراع ويعيش الشعبين “بدولتين منفصلتين”، رغم تحفظي على مثل تلك الفكرة. إذ أدعم شخصيا قيام دولة واحدة اسرائيلية علمانية تحوى وتضم الجميع بشكل ديمقراطي حضاري.

وفي جانب آخر، اعتمد المؤلف خلال رسائله على تقديم الرؤية الفلسطينية للأحداث بمقابل الرؤية الاسرائيلية، وذلك بكل تجرد ووضوح، بل ينطلق من تلك الاخفاقات لبناء آلية جديدة قوامها التأكيد الجدي بوجود اسرائيل بمقابل تواجد الفلسطينيون على أرض اسرائيل ضمن حدود دولتهم. والقضايا التي تناولها في رسائله المتعددة هي المعروفة بشكل رسمي واعلامي وشعبي (المستوطنات، حق العودة، مسألة القدس، الحدود، التعايش). ويضع المؤلف الحل من وجهة نظره كالتالي: “إن مفتاح الحل وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي، مرهون بإشعار الشعب اليهودي بوجود أمل بأن الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الضفة الغربية وقطاع غزة كالتزام اقليمي سيرافقه التزام متبادل من الجانب الفلسطيني، التزام يتضمن قبول واقتناع الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة كدولة فلسطينية، دون أن يرافق هذا أي محاولة من الجانب الفلسطيني للإضرار بدولة اسرائيل”.

ويستمر الكاتب هاليفي، بمحاولات فكرية واجتماعية وسياسية، لتوضيح مدى بؤس الكراهية في خلق اجيال من الاسرائيليين والفلسطينيين، تعيش في جو موبوء من الانتقام والحقد واقصاء الآخر. مشددا على أن مثل تلك الدعوات، ماهي الا خلل عميق في عملية المضي قدما لتحقيق السلام والتوصل الي حل نهائي يرضي الطرفين.

ويختم المؤلف رسائله بالدعوة الي استذكار واستحضار الروح الايمانية كمنطلق لتحقيق السلام الدائم. ولكن علينا أن نعلم، تاريخيا وعقلانيا، بأن الايمانيات، لم تكن غالبا هي الأسس السليمة والمنطقية لتحقيق السلام الدائم.

“رسائل الي جاري الفلسطيني” عبارة عن محاولة لقراءة التاريخ العربي الاسرائيلي من وجهة نظر إنسانية، عبر سرد عاطفي في الغالب، وضمن سياق يؤكد على وجود الطرفين، ومحاولاتهما في عمليات السلام والتفاوض منذ بداية الأزمة وحتى تاريخ نشر الكتاب.

لا تعليقات

اترك رد