بين عبث إجراءات السلطة وإرادة الشعب وأفق ثورته

 

تواصل الانتفاضة تقدمها وتفرض مزيداً من خطاها النوعية ميدانياً بمقابل تراجعات للسلطة وقواها وأركانها، بما يحيل الموقف إلى أفق ثورة.. لكن ذلك ليس من المسلَّمات الساذجة سطحية الوصف؛ إذ أن خلف الأكمة فرص متغيرات عاصفة تقوم على تمترس قوى الطائفية المافيوية وعصاباتها المسلحة (الفاشية) في منطقة تحدي وجودي مفروض عليها من طابعها الهزيل القابل للهزيمة بما نهبه وسطا عليه ولكن من مصدر دعمها الخارجي ممثلا بنظام الملالي ومخططاته الإرهابية التخريبية..

من هنا يدفع بتعزيزات من قواته المباشرة من الحرس (الثوري) ومن جيش (القدس) وهما التشكيلان الإرهابيان الأكثر تدريبا على فرض منطقهما العنفي في قمع شعوب إيران وزعزعة استقرار دول الجوار لمزيد مآرب افتضحت اليوم وباتت الشعوب تجاهر بشجاعة برفض ذاك الوجود القائم على استغلال أبناء الشعوب بعكازة التدين وطقسيات مصطنعة للمشاغلة والتعمية على الحقيقة الفاسدة لذاك العفن المستشري بمنظومة قيمه المعادية للتنوير والأنسنة…

إن منطقة الخراب وقاع الحضيض الذي وصل إليه عراق اليوم بظل سلطة تابعة خانعة لملالي التخلف ومنطق الخرافة الذي ينشرونه كوباء هي التي دفت لظهور الشعب بانتفاضته وبشعار وحيد هو إسقاط نظام الطائفية الكليبتوقراطي ومنهجه الفاشي الذي تبدى عندما افتضح أمره وثار الشعب عليه…

إنَّ المشكلة الجارية أن فلسفة النظام لم تتغير بل اندفعت لاستخدام أعتى وآخر ما لديها من أدوات وبمنهج لم يغادر منطق التضليل وأباطيل الإيهام والمخادعة، والأنكى أن الظرف متضخمٌ بالتشوش وتعدد الرؤى التي تطرح المعالجة سواء من ذلك طروحات المخلصين من أبناء الثورة أم من حالات اختراق وعناصر مدفوعة الأجر.. وهنا الطامة الكبرى!

إن فكرة إنضاج التصور الذي تتقدم به الثورة يكمن في ضرورة (حتمية) لانعقاد مؤتمر وطني يرسم خارطة طريق تحقق شعار إسقاط النظام وتغييره ببديل واضح المعالم لكن تأخر عقد المؤتمر يفسح مجالا لتعدد الرؤى ومزيد تشويش ووقوع بأحابيل الاختراق ومن ثمّ منح السلطة وأية جهة أخرى فرصة التساؤل مع من نتحدث!؟ ولمن نسلم السلطة!؟ وكيف؟

ومع أن الأمور واضحة غير ملتبسة أن ما يجري تحول من انتفاضة لأفق ثورة شعبية وأن وجود الشعب في الشارع وميادين الكلمة الفصل ذات السمو الدستوري، مع أن ذلك يعني بدقة إسقاط الشرعية عن السلطة القائمة واستعادتها من طرف الشعب وقواه إلا أن هذا يتطلب فعليا جملة إجراءات تتناسب وتلبية التغيير الجوهري المنشود، حيث لا عنصر من السلطة القديمة ولا إشراف منها على مفردات المرحلة الانتقالية أو تأسيس الدولة ونظامها العام بما يعيدها للشعب وتطلعاته بخاصة من ذلك تقرير مصيره حرا مستقلا…

إنّ الحديث عن أمور مطلبية سواء في غذاء الإنسان أو دوائه أو حاجاته الأساس وغيرها ما عاد سليما فالقضية الييوم ليست عن رسم برامج تستجيب للمطالب ومهما كانت وعود السلطة وأركانها لا مجال للتعامل معها بسبب مما برهنته التجربة المريرة لأكثر من 16 سنة حيث الكارثة في النظام وأيا أتى للسلطة سيبتلعه النظام وآلياته وسيمضي مزاد تكريس الأمراض واستعباد الناس…

إذن، ما طابع الوعود والأحاديث التي أطلقتها عناصر السلطة وأركانها؟

إنها مجرد تناغم لفظي مخادع لتمرير عاصفة الانتفاضة وأفق تحولها لثورة ناجزة.. فتغيير الدستور واللجنة المكلفة لا يختلف عن حلقات البؤس التي مرت منذ صيغ الدستور بخطاب سياسي لا قانوني وتم وضع الألغام فيه وثنائية الأضداد وتناقضاتها خدمة لألاعيب تكريس النظام ومنذ جرى انتقاء مواد وفقرات لتشريع العبث وترك تلك الأخرى التي كان يمكن أن تكبح اللعب المجاني بحيوات الناس ومصائرهم…

ومثل ذلك ما يدردش به أحد رؤوس السلطة مثل عبدالمهدي عندما يتحدث عن العقود والشركات والاستثمارات؛ فعن أي استثمار وموازنات كل الحكومات المتعاقبة كانت تشغيلية الطابع أعدمت أي فرصة لاقتصاد إنتاجي وبقي النظام الريعي يسطو على الموقف بالمطلق..!؟

إن الشعب يصرخ ارحل وهو يبدي خشيته من أن معرض بغداد لن ينعقد ما (قد) يلغي فرص عقود مافيوية أخرى مثل تلك التي أقر واعترف بوقوعها بآلاف المشروعات التي لم تنفَّذ!!؟ وما عدا مما بدا كي يطلق هو وعناصر السلطة الفاسدة وعودا بتغير المشهد إلا إذا كان الأمر مجرد مسكنات تخدر الموقف لتعيد زمام المبادرة بأيدي أركان نظامه أي زعماء الميليشيات المافيوية الفاشية النهج والأداء؟؟؟

إن الأي وقفة للتفكير بمناورة السلطة وقبول ألاعيبها تعني إفشال متعمد للثورة وتضحية بأنهار الدماء التي سالت وافتتاح بازار مقاصل دموية وفظاعات لم تشهد البشرية مثلها.. ولهذا فلا مجال للتراجع أو العودة إلى بيوت ليست سوى أكواخ خاوية لأشباح الضيم والظلم الفاشية التي تعيث فسادا وإجراما دمويا تصفويا حتى وهي متراجعة اليوم فما الذي ستفعله إذا استعادت زمام السلطة وخوت الشوارع من سلطة أهلها شعبها!؟

إن الخطابات البائسة التي تتحدث عن ميزانيات لم يحظَ الشعب منها حتى على دواء يشفي جراحاته الفاغرة ليس سوى حديث خرافة في واد بعيد عن وادٍ أحد ضفافه جمهور الشعب فهو ليس مجرد حوار طرشان أو صمّ الأذن عن سماع الحكم لصوت الشعب بل هو عالم بفضاء بعيد تماما لا يصل الشعب منه سوى همجيته ووحشيته ونفايات هي سبب أوبئة أطاحت بأحوال الناس..

إن الخلل الذي ثارت عليه الجموع الجماهيرية بملايينها يكمن في:

منهج النظام وآلياته..
أركان النظام وأدوات اشتغاله القمعي الهمجي.
خطابه الطائفي الظلامي وطابعه الفاشي.
وعليه فإنّ القضية مجددا وبثبات ودائما توجب الآتي:

1. إزاحة أركان النظام وإقالتهم، مع وضعهم تحت الإقامة الجبرية بمنعهم من الهروب.
2. عقد المؤتمر الوطني تشترك به أطراف لم تكن جزءا من النظام الساقط.
3. وضع خارطة طريق تتضمن:

إعلان تشكيل مجلس وطني.
إعلان تشكيل هيأة تنفيذية تقود المرحلة الانتقالية بمستويين سيادي وحكومي.
وضع ميثاق وطني لحين سن الدستور.
إعداد صيغة دستور وطني والتصويت عليه.
إعداد قانون انتخابي لمرحلة انتقالية.
إجراء انتخابات لإنهاء المرحلة الانتقالية بمدى بين السنة والسنتين.
4. ةةة

إن مجمل المجريات ليست غريبة على منطق التغيير المنشود وقد مارسته شعوب المنطقة مثل السودان على سبيل المثال وهي ليست قضية خروج على القانون بل هي في صميم العمل الذي يخضع لمنطق القوانين الدستورية وسموها حيث حق تقرير المصير واختيار النظام السياسي وإسقاط السلطات التي تفشل فما بالنا والسلطة لم تفشل حسب بل أوغلت في جرائم ضد الإنسانية حتى وضعت البلاد والعباد موضع إبادة وبات العراق الدولة الأكثر فشلا قاب قوسين أو أدنى من الانهيار!!؟

إن حديث أقطاب النظام عن رفض العودة لمنطقة الصفر لا تعني سوى تضليل فج مفضوح إذ أن العراق لم يغادر المنطقة الصفر منذ 2003 بل تراجع حيث غاص بوحل الإفلاس بخلفية منظومة الفساد سواء سياسيا أم اقتصاديا أم قيميا في السلوك العام الذي تفشى بظل النظام المافيوي المليليشياوي…

إن المنطقة صفر ليس تراجعا بل خروجا من النفق المظلم ومن المتاهة التي انحدر النظام وأركانه بالبلاد والعباد إليها…

عليه إن الخروج من المتاهة لم يعد متاحا ممكنا بوجود أركان تكريس نظام الانحطاط والتخلف كما يشهد به دول العالم ومنظماتها الأممية ومؤسساتها الاقتصادية والسياسية..

إن العوق والتشوه المفروض على بلد غني الثروات كالعراق أمر يهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي بصور ومحاور وجبهات شتى..

فملايين النازحين والمهجرين وملايين الأيتام وأطفال الشوارع وملايين الفقراء بل المصابين بمنطق الفقر المدقع وملايين المجندين لخطاب الخرافة وتدريبات العسكرة الميليشياوية بذرائع التدين والتمذهب وخطابه أو آليته الطائفية إنما كله يصب بإرهابيين لن يقفوا عند أعتاب السجن الكبير للبلاد بل سيزعزع وجودهم مجمل المنطقة ومستقبلها وأية فرصة للسلم محليا عالميا أيضا وبالتأكيد…

وبين تمسكن السلطة الطائفية ونعومة خطابها وإطلاقها أضاليل قبول (مطالب) الشعب (المشروعة) وبين إرادة التحدي الشعبية لا توجد منطقة وسطى لمفاوضة بينية تجمع النقيضين الضدين.

وبين خطاب إصلاحي انفضح منذ زمن ما يعنيه من أحابيل للخداع وبين إرادة تغيير نوعية جوهرية شاملة ما عاد من فرصة موضوعية للحل..

وعليه فإن عدم دعم ثورة الشعب العراقي لا يعني إلا فتح بوابة جهنم التي ستهز المنطقة والعالم بتمكين ميليشيات إرهابية تم شرعنتها وتحويلها إلى نظام فاشي جديد.

فهل سيظل الصمت أو التغافل بقرار مسبق يشيح بأنظاره عن حقيقة الثورة العراقية؟
هل سيظل الصمت رديفا مرافقا لمواقف القوى المؤثرة دوليا؟
هل سينأى المجتمع الدولي ومنظماته الكبرى عن تنكب مسؤوليته وهل سينأى عن ولوج الحل الذي فرضته الثورة؟

إن تمسك الشعب العراقي بثورته وخطاها بصرف النظر عن دخول القيادات الوطنية التقليدية والعقل العلمي الوطني إلى ميدان الفعل وبصرف النظر عن دخول المجتمع الدولي ومؤسساته لدعم التغيير، إن التمسك إياه يمكنه أن يحسم الأمر وإن بكلفة أكثر لكن بجميع الأحوال مهما كان الثمن باهضا فسيكون أقل من كلفة التراجع كما هو منطق أية حرب بين الشعب وأعدائه وأي صراع بين أنصار الحقوق والحريات وبين قامعيها الدمويين…

لا تعليقات

اترك رد