(الشهيد والضحية)

 

في حوار لي مع مجموعة من الاصدقاء قبل اكثر من عام اخبرتهم بانني ارى بأن هنالك فرق كبير بين الشهيد والضحية فهنالك مفهوم للشهادة يبدأء بالفرق في اختيار الطريق الى الموت والهدف من السير في طريق الموت وينتهي بما ينتج عن هذا الموت …
الموت هنا يتحول الى عمليق خلق وانتاج لا فناء وتعطيل … الشهادة هي بداية وليست نهاية وكل ما يأتي بعدها هو وليد شرعي من تزاوج فكرة خلّاقة من عقل متحرر يرفض الاستعباد مع مع روح منتفضة لا تضع ثمناً للجسد وتعتبر الجراح والالام هي علامات صحية او اسهم في الطريق الصحيح الى الخلود …الموت من اجل الحرية تلد احرارا يتكاثرون والحياة تحت الظلم سرطان ينشطر في جسد الوطن ويقتل الشعب … الشهادة هي الاكسير الذي جاء به شباب يركبون ( التكتك ) ووضعوه في حقن مكتوب عليها جملة واحدة فقط ( كرامة. . تستعمل على مدار اليوم مادام الانسان حيا ) فصحونا ذات صباح عراقيين لنحس بدم جديد يسري في اجسادنا !!!
اذا اردنا ان نكون منطقيين ومنصفين بحق الشهداء فلا يمكن ان نساوي بين من مات لوقوفه في طريق الرصاصة مصادفة في توقيت خاطيء وبين من جاء شاهرا عمره بيده مقاتلا الباطل غيرَ مكترث لشكل او مكان او وقت النهاية ..
الشهيد هو الناتج الوحيد من اختيار طريقة موت نبيلة تنوعت على مدى التاريخ بينما الضحية هو تواجد غير مقصود وطريقة موت لم يتم تقرير موعدها او مكانها او نوعها مسبقا ..
شهداء ( ثورة التكتك ) هم نوع جديد لم تشهد له الارض مثيلا .. هم شعراء دون ان يطبعوا ديوانا واحدا ولم يشتركوا في مربد ابداً.. هم رسامون دون ان يمزجوا الوانا او يمسكوا فرشاة .. هم ملحنون وعازفون ومغنون دون ان يضربوا وترا او يتعلموا سلما موسيقيا …
هم ادركوا بفطرتهم المتفرده ان سلّمّ الكرامة هو السلم الوحيد الذي يجب ان يتسلقوه ، وانّ نشيد ( موطني ) هو النشيد الوحيد الذي يجيدون غنائه وان ( نصب الحرية ) هو النصب الوحيد الذي ابتدأ العمل به في سومر ولم ينته لحد الان لانهم وحدهم من يجيدون وضع اللمسات الاخيرة عليه ..
هم لم يملئوا اية استمارات في (مؤسسة الاسرى والشهداء) .. لم ينتظروا ان تبارك ثورتهم دول الجوار لان امهاتهم كانت تبارك احلامهم المحلقة كالفراشات في سماءات العراق الحزينة التي تحولت الى قوس قزح لا تنتهي الوانه…
من مات منهم فهو شهيد بل انه يجلس على اعلى عروش الشهادة فقد ماتوا جياعاً ، حفاة ، احراراً ، مؤمنين بالوطن قبل الدين ، وبالحب قبل المذهب ، وبالانسانية قبل الاحزاب ، وبالشهادة المشرفة قبل الحياة الذليلة … ثاروا واستشهدوا من اجل العراق قبل كل شيء …
ليس شرطاً ان يكون الضحايا شهداءً ولكن الشهيدَ هو مشروعُ تضحيةٍ لا ينتهي .. شهداء ( ثورة التكتك) هم مصانع لانتاج الكرامة والحب والشرف والمواطنة …
هم يستشهدون عزلاً من اي سلاح .. لكنهم يحملونَ دروعاً من دعواتِ الامهاتِ والزوجاتِ والأخواتِ والحبيباتِ وبناتِ الجيران وحتى الغريباتِ والمغترباتِ في المنافي اللواتي يذرفن الدموع حبا وفخرا وعرفانا بالجميل …
كاس الموت واحدة ولكن المذاق مختلف … النهاية واحدة ولكن الطريق مختلف .. الجثة واحدة ولكن العطر مختلف وانتشاره مختلف …
ارجوكم لا تخلطوا بين مراتب الموتى ولا تنزلوا الشهداء من ملكوتهم ولا ترفعوا الى عروشهم الضحايا ففرق كبير من مات وهو لا يدري بانه سيموت وبين من جاء راكضا الى الموتِ كاشفاً صدره لرصاصة الحاكم الظالم ليجعل من صدره شبّاكا لاشعة شمس لم تكن لنتدفيء بها لولا شجاعتهم …
الشهداء لا يفكرون بالتقاعد او الخدمة الجهادية ولا بما يحصل عليه من سيبكي عليهم ، لانهم لا يبصرون عيونهم تنظر الى الاعلى دائما ورقابهم مشرئبة الى السماء ورؤوسهم عالية لا تنحني لانهم ابناء النخلة السومرية … وهم كالانبياء لا يرثون ولا يورثون

( مذاقٌ مختَلِفٌ لكأسٍ واحدة )

شهيدٌ بِقُربِ الضَحيَّةِ
لا يَعْرِفانِ عَنِ الموتِ شيئاً
هو َ المَوتُ
ليسَ له هيئةٌ واضِحَه
كلُّ موتٍ رهينْ بلَحْظَتِهِ
مِنْ مَكانِ التَواجِدِ
وقْتِ التَواجِدِ
مُنْذُ بدايَتِهِ حتّى مَعاً نَقْرأَ الفاتِحَه
لا فَرْقَ بَينَ مَنْ قُتِلوا اليومَ والبارِحَه
الفَرْقُ بَينَ الشَهيدِ وبينَ الضَحِيَّةِ
كالفرقِ بينَ اختيارِ الرفيقةِ في آخِرِ الليلِ
والزوجةِ الصالِحَه
كالفرقِ بينَ آخْتيارِ النَبيذِ المُعَتَّقِ
أو كأسِ ماءٍ مِنَ التُرعَةِ المالِحْه
الشهداءُ هُمُ الثائِرونَ
هُمُ الزارِعونَ
ويدرونَ إنَّ الحديقَةَ
ليسَ بِها تُرْبةٌ صالِحَه
وانّ الضَحايا
قَطفوا البُرتُقالَ مُصادَفَةً
عِندَما وَجدوا الفُرصةَ السانِحَه
ماتَ الشَهيدُ
وماتَ الضَحيةُ
شنقاً .. بإطلاقِ نارٍ
رُبمّا …او بسكّينةٍ جارِحه
ماتا ولَمْ يعرِفا
صاحِبَ الفَرَسِ الرابِحَه

لا تعليقات

اترك رد