البداء في الأديان عبر العصور والأزمان 5-1

 

معنى البَدَاء في اللغة ظهور ما كان خافياً، ومعناه في البهائية ظهور المظاهر المقدسة الإلهية في كل دور بشريعة وأحكام ودستور خاص بحيث أن فروع أحكام الشريعة تختلف كثيراً من دين لآخر فيأتي كل مظهر من المظاهر المقدسة الإلهية في كل دور بما يقتضيه الدور والزمان وفهم البشر واستعدادهم بشريعة تحل محل الشريعة السابقة على الأرض وينسخ بها الأحكام والدساتير الفرعية للشريعة السابقة، ويطلق على هذا في الأمر المبارك (البَدَاء). وقد نزل في لوح الزيارة: “بكَ أشرقت شموس القِدم في سماء القضاء وطلع جمال الغيب من أفُق البَدَاء …”(بهاءالله) فالقضاء هو مقام إظهار الأمر وبعثة مظهر أمر الله الذي هو حتميّ الوقوع، لذلك يطلق عليه في هذا المقام القضاء الإلهي بحيث لا يمكن أن يعتريه تغيير ولا تبديل. والبَدَاء هو مقام المظهرية ووضع الشريعة المستقلة الجديدة. والمعنى الوارد في كتاب الإيقان للبَدَاء هو ظهور المظهر الإلهي بصورة تخالف العلامات الظاهرة في الكتب السماوية كما حدث في ظهور السيد المسيح مثلاً. (قاموس الإيقان ج1 ص 249 – 250)

( جميع الانبياء كانوا يبشرون الناس في حين ظهورهم بالنبي التالي ويذكرون لهم علامات الظهور الآتي كما هو مسطور في كل الكتب ومع طلب الناس وانتظارهم لظهور المظاهر القدسيه وذكر العلامات في الكتب لماذا تحدث هذه الامور في العالم ويرد على جميع الانبياء والاصفياء في كل عهد وعصر امثال هذا الظلم والتعسف والتعدى كما قال تعالى ( افكلما جاءكم رسول بما لا تهوى انفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) (البقره)

فان عدم فهم البيانات التي صدرت من الانبياء عن علامات الظهور الآتي ولم يصلوا الى معرفة حقيقتها لذا رفعوا علم الفساد كما ان اليهود لا يزالون ينتظرون ظهور ذلك الهيكل المجعول بالعلامات المذكوره التي يتصورونها بادراكاتهم فأخذهم الله بذنبهم وكذلك علماء الانجيل لما لم يعرفوا معاني البيانات المذكوره عن علائم الظهور ولا المقصود منها تمسكوا بظاهرها لهذا صاروا ممنوعين من شريعة الفيض المحمدى .. لان في ظهور الشمس الاحمديه لم تظهر هذه العلامات المذكوره . )

” انظر الى الأيام السالفة، كم من العباد من شريف ووضيع كانوا دائماً ينتظرون ظهورات الأحدية في الهياكل القدسية، على شأن كانوا في جميع الاوقات والأزمنة يترصدون وينتظرون، يدعون ويتضرعون،

لعل يهّب نسيم الرحمة الإلهية ويطلع جمال الموعود من خلف سرادق الغيب إلى عرصة الظهور. وعندما كانت تنفتح أبواب العناية ، ويرتفع غمام المكرمة، وتظهر شمس الغيب عن أفق القدرة، يقوم الجميع على تكذيبها وإنكارها ويحترزون عن لقائها الذي هو عين لقاء الله ، كما هو مذكور ومسطور تفصيله في جميع الكتب السماوية…

تأملوا حينئذ ماذا كان سبب هذه الأفعال، ولم كانوا يسلكون بهذه الكيفية مع طلعات جمال ذي الجلال ؟ إذ كل ما كان سبب إعراض العباد و إغماضهم في تلك الأزمنة، قد أصبح اليوم أيضا بعينه سبب غفلة هؤلاء العباد. فإذا قلنا ان الحجج الإلهية لم تكن كاملة ولا تامة، ولذا كانت سببا لاعتراض العباد ، فإن هذا يكون كفراً صراحاً …. إذاً فليست هذه الأمور المحدثة إلا من الأنفس ذات الإدراكات المحدودة ، الذين يهيمون في وادي الكبر والغرور، ويسيرون في بيداء البعد، ويتأسون بظنوناتهم، وبما استمعوه من علمائهم…ولما كانوا يزنون الحجة في كل زمان بمعرفتهم التي تلقوها عن علمائهم، وكانوا يجدونها غير متفقة مع عقولهم الضعيفة لذا كان يظهر منهم في عالم الظهور أمثال هذه الأمور غير المرضية…

أتت دورة موسى، فظهر حضرته من سيناء النور الى عرصة الظهور بعصا الأمر وبيضاء المعرفة ، وأتى من فاران المحبة الالهية، ومعه ثعبان القدرة والشوكة الصمدانية، ودعا جميع من في الملك الى ملكوت البقاء، وأثمار شجرة الوفاء. ولقد سمعت ما ورد عليه من فرعون وملئه من الاعتراضات ، وكم أُلقي على تلك الشجرة الطيبة من أحجار الظنونات من الأنفس المشركة… لما انقضت ايام موسى ، وأحاطت العالم أنوار عيسى الساطعة من فجر الروح، اعترض جميع اليهود بأن ذلك الموعود في التوراة، يجب أن يروج ويكمّل شرائع التوراة. بينما هذا الشاب الناصري الذي يدعو نفسه بمسيح الله ، قد نسخ حكمي الطلاق والسبت ، اللذين هما أعظم أحكام موسى ، فضلا عن أن علائم الظهور لم تظهر بعد…. ولم يكن هذا إلا من عدم عرفان اليهود للعبارات المسطورة في التوراة، والمذكورة في علائم الظهور التالي. ولما لم يقفوا على حقيقة هذه العلامات، ولم تظهر تلك الأمور بحسب الظاهر، فقد حرموا عن الجمال العيسوي ، ولم يفوزوا بلقاء الله … من الواضح المعلوم لدى أهل العلم، انه لما أحرقت نار المحبة العيسوية حجبات حدود اليهود، ونفذ حكم حضرته نوعاً ما حسب الظاهر، ذكر ذاك الجمال الغيبي في يوم من الأيام لبعض من أصحابه الروحانيين أمر الفراق، وأشعل فيهم نار الاشتياق قائلا لهم: ” اني ذاهب ثم أعود ” . وقال في مقام آخر ” اني ذاهب ويأتي غيري حتى يقول ما لم أقله ويتمم ما قلته ” وهاتان العبارتان هما في الحقيقة شئ واحد…

ولما اشرق غيب الأزل وساذج الهوية ، الشمس المحمدية من أفق العلم والمعاني كان من جملة اعتراضات علماء اليهود أنه لن يبعث نبي بعد موسى: نعم انه مذكور في الكتاب بأنه لا بد أن تظهر طلعة لتروج ملته و مذهبه، حتى يحيط بكل الأرض شرعة شريعته المذكورة في التوراة…فمثلا سلطنة حضرة الرسول هي الآن ظاهرة واضحة بين الناس، ولكن في أول أمر حضرته كانت كما سمعت و عرفت . بحيث وردعلى ذلك الجوهر جوهر الفطرة وساذج الهوية ما ورد من أهل الكفر والضلال….جميعهم قاموا على تكذيب حضرته ونسبوا إليه الجنون والإفتراء… فهذه المفتريات التي ألصقوها بحضرته ، وذلك الايذاء الذي حل به منهم كل ذلك مذكور في الفرقان…

ومن المعلوم أن التغييرات والتبديلات التي تقع في كل ظهور هي عبارة عن ذاك الغمام المظلم الذي يحول بين بصر عرفان العباد ومعرفتهم تلك الشمس الالهية التي أشرقت من مشرق الهوية…إذا ينبغي لنا أن نبذل الجهد حتى إننا بفضل التأييدات الغيبية لا نُحرم بهذه الحجبات الظلمانية ، وغمام الامتحانات الربانية ، عن مشاهدة ذاك الجمال النوراني ، ونعرفه هو بنفسه.. “)الإيقان)

أسباب اعتراض الإنسان على رسل الله
بفهم هذه الأسباب يستطيع الإنسان أن يهتدي إلى حقيقة أمر الله في هذا اليوم. ولإبراز أهمية هذا الموضوع فقد أفرد له جزءا كبيرا من الكتاب.

وبعد ذكر بعض المصائب والمحن التي ابتُلِيَ بها بعض الرسل السابقين يتفضل حضرة بهاءالله بما يلي:
“فانظروا الآن وتأملوا قليلا في هذه الأمور. وماذا كان سبب أمثال هذه الاختلافات، إذ كلما ظهر ظهور حق في الإمكان من أفق اللامكان كان يظهر ويبدو في أطراف العالم أمثال هذا النوع من الفساد والفتنة والظلم والانقلاب، مع أن جميع الأنبياء كانوا يبشرون الناس في حين ظهورهم بالنبي التالي، ويذكرون لهم علامات الظهور الآتي، كما هو مسطور في كل الكتب. ومع طلب الناس وانتظارهم لظهور المظاهر القدسية، وذكر العلامات في الكتب، لماذا تحدث هذه الأمور في العالم، ويرد على جميع الأنبياء والأصفياء في كل عهد وعصر أمثال هذا الظلم والعسف والتعدي.”(8)

وهنا يعرض حضرة بهاءالله أسبابا عدة لاعتراض البشر على رسل الله، وأولها أن جمهور الناس في كل عصر كانوا يتبعون رجال الدين ويطيعونهم طاعة عمياء، فهؤلاء هم الذين ناهضوا إلى حدّ بعيد الرسول الجديد. أما بالنسبة إلى رجال الدين فقد كتب حضرة بهاءالله الكلمات التالية:

“إن علماء العصر في كل الأزمان كانوا سببا لصد العباد، ومنعهم عن شاطىء بحر الأحدية، لأن زمام هؤلاء العباد كان في قبضة قدرتهم. فكان بعضهم يمنع الناس حبا للرياسة، والبعض الآخر يمنعهم لعدم العلم والمعرفة. كما أنه بإذن علماء العصر وفتاويهم قد شرب جميع الأنبياء سلسبيل الشهادة، وطاروا إلى أعلى أفق العزة. فكم ورد على سلاطين الوجود، وجواهر المقصود، من ظلم رؤساء العهد، وعلماء العصر، الذين قنعوا بهذه الأيام المحدودة الفانية، ومنعوا أنفسهم عن الملك الذي لا يفنى.”(9)

وفي فقرة لاحقة في الكتاب( كتاب الإيقان) يدين حضرة بهاءالله علماء الدين على جهلهم وضعف بصيرتهم بقوله:
“ومن جملة السبحات المجللة هم علماء العصر وفقهاء زمان الظهور الذين هم جميعا نظرا لعدم إدراكهم، واشتغالهم بالدنيا، وحبهم للرياسة الظاهرية، لم يذعنوا لأمر الله. بل إنهم كانوا لا يمدون آذانهم لاستماع النغمة الإلهية، بل (يجعلون أصابعهم في آذانهم)( القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 19). ولما كان العباد قد اتخذوهم أيضا أولياء من دون الله لذا هم منتظرون لرفض تلك الخشب المسندة وقبولهم. لأنه ليس لهم بصر ولا سمع ولا قلب ليميزوا به ويفرقوا من تلقاء أنفسهم بين الحق والباطل.”(10)

وسبب آخر في رفض الناس قبول الرسول الجديد يرجع إلى إتيانه تعاليم جديدة تبطل شرائع الماضي وتؤسس نظاما جديدا. فهذا التغيير الجذري يثير حفيظة رجال الدين لأنهم يرون في الرسالة الجديدة تحديا لسلطتهم فيقومون على الاعتراض بكل ما لديهم من نفوذ وقدرة.

وثمة سبب إضافي آخر للاعتراض هو أن كل رسالة إلهية قد أوردت علامات وإشارات تدل على مجيء الظهور التالي، وبما أن الناس كانوا ينتظرون أن تتحقق هذه العلامات والإشارات حرفيا عجزوا عن إدراك الرسالة الإلهية الجديدة.

المراجع

8- بهاءالله، “كتاب الإيقان”،ص 10.
9-المصدر السابق، صفحة 12.
10-المصدر السابق، صفحة 130

لا تعليقات

اترك رد