جدلية الحب والموت في الوجدان العراقي


 

كما هي جدلية الموت والحياة التي تعد من أقدم الجدليات والثنائيات على الإطلاق والتي هيمنت على أسئلة الوجود والفلسفة عبر كل الحقب التاريخية والمعرفية والحضارية باعتبارها السؤال الأكبر و الأكثر إشكالية والذي حير المدارس الفلسفية والأديان والحضارات دون الوصول إلى إجابات نهائية ودقيقة.. ممكن أن يركن إليها الجميع ..منذ فجر الفكر الإنساني و لحد الآن..بل كانت نهبا للمدارس المختلفة في تفسيراتها وتأويلاتها كل حسب مرجعيته ورؤاه…كذلك يصح إلى حد ما أن ندفع بهذه الجدلية مع بعض التعديل إلى مجال الوجدان العراقي وتحديدا إلى الشعر العامي لتكون جدلية الحب والموت.هي الجدلية الأكثر حضورا ورسوخا في هذا الشعر العامي وربما حتى الفصيح منه…فكما كان في الأولى يتلازمان (الموت والحياة) تلازما قسريا مؤكدا نجده في الوجدان العراقي ينحو ذات المنحى مع بعض التنازل لأسباب اجتماعية ودينية ربما عن هذه القسريه ولكنه في ابلغ حالاته وذروة تفاعلاته يمضي في ذات الاتجاه ….فمن الشائع والمتواتر أن يكون الموت هو الوجه الآخر للحب في الذاكرة الجمعية للمحبين العراقيين والقاموس الوجداني للشعر العراقي والكلام الدارج حافل، بل مكتظ بهذه المفردات..ولا يمكن الاقتناع والوثوق موضوعيا ومجازيا بضراوة الحب وشدته دون أن يكون مشفوعا بالتضحية والموت، ويفضي إلى الفناء من اجل الحبيب ..ولا يكلفنا هذا إلى جهد كبير في إثبات هذا ……ونحن نسترق السمع حولنا .بشكل عابر…. يترامى إلى إسماعنا الكثير من الكلمات والجمل والمفردات .مثلا (أموت عليك) (احبك لحد الموت) (ارو حلك فدوة ) (غديتلك فدوة) (يا بعد طولي طولك) .(يابعد روحي روحك) …( مديور لخيالك) ( انشا الله تدفني بأيدك)….وغيرها الكثير .. وفي محاولة أولية للبحث عن هذا الكم الهائل من المفردات والجمل الذي يتبادل الحب والموت فيه المواقع …لا اعتقد أن هذا يزيحنا بعيدا عن تأثيرات الحضارة الرافدينية والتأثيرات الدينية الإسلامية او المسيحية التي ترى في الموت والتضحية وافتداء المحبوب الوجه الأخر للحياة… ففي الحضارة البابلية تدفن زوجات ومحظيات وجواري الملك وحاشيته معه كتعبير طاغ عن الحب ..والذي يشير عن زوال مسببات الحياة بعد رحيل المحبوب ..وبرزت هذه القيمة بقوة سواءا أكان المحبوب آلها او ملكا او حبيبا أو مخلصا او شفيعا وهي غاية ما تصبو اليه هذه الثنائية…فالنبي إبراهيم وهو من مخاضات الحضارة الرافدينية ….وجد أن حبه لله لا يكتمل الا بالموت وذلك عبر التضحية بابنه …فكانت التضحية والشروع بالموت هو تعبير ساطع ومذهل وصادم لحب كبير … وفي واقعة كربلاء تجد أمثلة كبيرة عن ذلك …فالإمام الحسين النموذج والمثال الأعلى والشفيع لم يكن يعدهم بحياة أرضية مزدهرة أو ما يحقق لهم الرفاه المادي والجسدي ..بل أقترح عليهم ان يتخذوا الليل جميلا ويرجعوا الى أهاليهم ..ولكن الحب بغض النظر عن تفسير كنهه قادهم إلى حياض الفناء والموت وهم في سعادة بالغة على الأغلب لان الموت كان خيارا واعيا بالنسبة لهم وليس خيارا قسريا… .والأمثلة كثيرة للحد الذي لا تعد ولا تحصى في الشعر العراقي والعربي الفصيح فقد كان المحبون يموتون حزنا واسى خشية البوح بأسماء محبوباتهم ويموتون تحت ظلال السيوف فداءا لعيونهن وهم يقارعون عشائرهن وإخوانهن …..ويموتون و وفاءا لوعد قطعوه حتى في تاريخ الصوفية نجد هذا الثنائية ماثلة بقوة وبشكا اشد رومانسية من تجارب العشاق الصغيرة …وقد كان الحسين ابن منصور الحلاج مثالا كبيرا واستثنائيا في الحب الآلهي إذ قطعوه أربا اربا كما يقولون وهو يلهج باسم الإله المحبوب دون شعور بالخوف أو الألم ..بل كان يصرخ من النشوة في وجه جلاديه .
أقتلوني يا ثقاتي أن في موتي حياتي
هكذا في السر والعلن والبر والحضر وعبر التاريخ القريب والبعيد ..كان الحب والموت من أكثر الثنائيات حضورا وتفاعلا …….وبسبب شظف العيش وصعوبة الحياة وما كان يعانيه الفقراء لكي يستمروا في الحياة في المجتمعات الريفية والحضرية المتأخرة..أصبحت ثنائية الحب والموت أكثر رواجا وحضورا بل أحيانا تبدو كصفة او سمة يتباهى بها المحبون باعتبارها أقصى حدود الوفاء ..
فهذه العاشقة اختارت الموت كبديل عن حب مضاع…ولكنها اشترطت الموت بين يدي المحبوب
كبل المنية بيوم أحضرني يهواي
أتغمض اجفون العين وتنكط الماي
أو هذه التي هي على فراش الموت …تلوم نفسها لأنها لم تزل تحن الى حبيبها
شتحمل يالدلال ريت الله يبلاك
وانت بنزاع الموت وتحن على هواك
وفي ذات الفضاء الذي يهيمن عليه الموت ولكن الحب كان حاضرا أيضا عبر عاشقة تحتضر ولكنها تخبر من حولها…… أنها سوف لن تموت ..حتى لو أداروا رأسها إلى القبلة …ونقطوا في فمها الماء كتعبير عن حدوث النهاية…حتى يأتي من تحب
ديرولي مية راس نكطولي ألف ماي
أتعبكم وما موت لمن يجي هواي
او هذه العاشقة التي تكتشف متأخرة أن الموت أهون من الفراق
توني عرفت الموت أحلى من الفراك
وج وانطفه الدلال يوم الضعن ساك
مع استمرار هيمنة الموت كوجه آخر للحب تقول عاشقة
وين الجفن ينباع يالشايل الخام
عدله أرد اطم الروح من ضيم الايام
وهذه تطلب من تحب حتى ما بعد الموت ..وحين يحملون جنازتها إلى المقبرة فتقول
الميت شمدريه باليمشي جناز
لكن طبع بالروح تربي أعله الاعزاز
وهذه العاشقة توغل ابعد ما يكون حيث توعد حبيبها أنها لا تنساه حتى يبلى كفنها …بل ستتحرك عظامها حين يمر بقبرها …وقد كتب احد المستغربين العراقيين عن هذا الدارمي مرة ..أنه اصطحب حبيبته الغربية في نزهة وكانت النزهة على الجبال ..فطلبت منه أن يقرا لها من الشعر العراقي..فقرا لها هذا الدارمي مترجما ..يقول المغترب لقد استبدت بها نشوة الشعر فكادت أن تلقي بنفسها من اعلي الجبل لولا إمساكه بها..
ياحمد ما انساك لمكركع الخام
على الكبر لو مريت اتحرك عظام
وهذه الكثر جهادية التي تصارع عزرائيل كي لا يقبض روحها حتى يجيء المحبوب
أتنازع ويه الروح تتراجف عضاي
كربحت ملك الموت من اكبل هواي
أو تلك التي حينما حضرها عزرائيل وجس نبضها وجدها بلا روح ..لان روحها كانت عند الحبيب
جس روحي ملك الموت والكاها ما هي
والله و سرت وياك يسمر تراهي
أو كما تقترح الابوذيات التالية الطافحة بالوجد والمثقلة بالحب يقابلها دائما وعلى ذات السياق الموت كوجه آخر …فالحب والموت فيهما في صراع أزلي احدهما يلاحق الآخر ويمسك بتلابيبه ..فلا تستطيع ان تميز هنا هل أن الحب هو الشهيق وان الموت هو الزفير ام بالعكس الذي يكون فيه الموت هو الشهيق والحب زفيره …هذه المتلازمة العراقية بامتياز غزت مختلف العواطف أن كانت عشقا وغراما أو مشاعرا أخرى كحب الأم والأب لولدهما والأخوان والأخوات والأصدقاء
بدر ليل بتمامه جان بدراك
جفيت وظل نغيك البوم بدراك
عسه عمري بغيابك كون بدراك
الموت ولا هوان جفاك ليه
كضني سيوفه وعيونه تراهن
كصن بيه وعلى جروحي تراهن
أكله أنساك ويكلي تراهن
أنت تموت من تبعد عليه
معادن والشبيهك دوم ينساك
ولاعاشر واشوفن مثل ينساك
اذا لا سامح الله الكلب ينساك
يمين الله لكص كلبي بديه

لا تعليقات

اترك رد