دروس الكينج هي المستقبل

 

عندما يشتد الظلم والظلام، لا تجزع ولا تيأس، فهذا هو المؤشر الأكيد أنه قد آن الأوان لأن ينجلي ليريح المظلومين من سطوة وهيمنة الظالم. ومن شعر بالظلم يوماً يكون كل همه ليس الانتقام والتخريب، بل بلوغ مكانة في المجتمع تسمح للآخرين أن يلحظونه ويعترفون بوجوده، تمهيداً للحصول على مطالبه.

ومن أقسى أنواع الظلم والقهر التي مر بها البشر كان ما تجرعه الشعب الأفريقي الأمريكي في الماضي. فالتواجد الأسود على أرض الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وفي بقاع أخرى في العالم على وجه العموم، كان من أشد أنواع الاستعمار إيلاماً. فلقد تم اختطاف أعداد غفيرة من الشباب الأفريقي الأسود – سواء من الذكور والإناث – ثم تم بيعهم ببأبخس الأسعار لنخاس عديم الرحمة شحنهم كالبضائع في سفن تجوب البحار، لترسو في النهاية على أرض غريبة بعد رحلة شاقة يتجرع فيها البشر ذوي البشرة السمراء جميع أنواع الهوان داخل الرحلة؛ سواء من تجويع متعمد، ومعاملة لا إنسانية، واغتصاب، مما أدى لانتشار العديد من الأمراض داخل سفن نقل العبيد، والتي بدورها أفضت إلى موت العديد والعديد، والتخلص منهم في عرض البحر لتطويهم مياهه، وتكون مرقدهم النهائي الأحن عليهم من هوان الحياة. فبدلاً أن يحتفل الأفارقة المتواجدين على سفن نقل العبيد بطقس البلوغ Middle Passage الذي ينقلهم من مرحلة الطفولة والمراهقة لمرحلة الشباب الناضج البالغ، أي باختصار الانتقال من مرحلة البراءة لمرحلة التجربة والحنكة، كان طقس البلوغ Middle Passage على متن سفينة العبيد عبارة عن درس قاسي يفتح أعينهم على قسوة الحياة، ووحشية البشر. ومن الجدير بالذكر أن من سهل مهمة المستعمر من النخاسين القساة كان أحد أبناء البلد – ولربما كان أحد أصدقائهم – الذين عمدوا لاستدراك ذويهم لسفن النخاس، أو اصطيادهم كالحيوانات ليتم بيعهم للنخاس بأبخس الأسعار.

وعندما فتح الأفارقة العبيد أعينهم على تلك الأرض الغريبة، وأزيحت عن أعينهم غشاوة أمل الرجوع لماضيهم المشرف على أرض بلادهم، بدأ المجتمع الأسود بالمطالبة بحقوقه شيئاً فشيئاً حتى تخلصوا أولاً من العبودية الإسمية والفعلية المثبة على الأوراق الرسمية، ثم انتقلوا لمرحلة التخلص من جميع مظاهر العبودية، والمطالبة بحقوق مساوية للحقوق الممنوحة للمجتمع الأبيض. ولقد عمل اتخاذ العنف وأعمال الشغب كطريق أوحد ومضمون على توسيع الفجوة بين المجتمع الأبيض والمجتمع الأسود، وكذلك قد منح المجتمع الأبيض الدافع لاخماد حقوق الثوار

السود بكل وحشية تحت ستار أنها تحافظ على أمن واستقرار البلد، وحدث ذلك إبان حركة القوى السوداء Black Power Movement في نهاية حقبة أربعينات القرن الماضي حتى نهاية الخمسينات. ومن ثم ظهرت محاولات أخرى لاثبات حقوق المجتمع الأسود، وللمطالبة بحقوق مساوية من خلال انتباع طريقة المقاومة السلمية الصامتة، والتي تمثلت في ظهور مسيرات حاشدة، وكذلك الجلوس في الأماكن المخصصة للبيض فقط؛ لتوكيد أن كلا المجتمعين متساويين في الحقوق.

ولقد كان من أهم رعاة حركات المقاومة السلمية Peaceful Resistance القس الأمريكي مارتن لوثر كينج الصغير Martin Luther King, Jr. (1929 – 1968) الذي كرس حياته لخدمة المجتمع الأسود، وإيجاد الطرق السلمية التي تساعد على اندماج المجتمع الأسود مع المجتمع الأبيض، وكذلك خلق تعايش سلمي بين المجتمعين كطريقة لاحلال السلام والمحبة – من ناحية، ومحاولة لتحقيق العدالة المنشودة والمساواة في الحقوق والواجبات بين المجتمعين. ولقد طاف مارتن لوثر كينج الصغير Martin Luther King, Jr. جميع أرجاء الولايات المتحدة داعياً للسلام والمقاومة السلمية. وخلال فترة وجيزة تقلد زعامة العديد من الجمعيات السوداء حتى يقودهم نحو طريق الخلاص. ولقد تم منحه عام 1964 جائزة نوبل تقديراً لجهوده في محاولة مقاومة عدم المساواة التي أساسها العرق بطرق سلمية. وكان ترشيحه عقب قدرته على تنظيم مسيرة حاشدة انطلقت من واشنطن وتم تسميتها ب ” مسيرة واشنطن من أجل العمل والحرية March on Washington for Jobs and Freedom وكان ذلك في 1963، وفي تلك الحملة ألقى فيها خطابه الشهير “أحلم ب . . . ” I have a dream ، ولقد تناقلت دول العلم المختلفة هذا الخطاب الذي استمر على مدار تسعة عشرة دقيقة ، لما فيه من عبارات وآمال وأحلام مؤثرة بدت في ذلك الوقت مستحيلة. فلقد حلم بالحرية والمساواة، وأن ينعم المجتمع الأسود بمستقبل زاهر يموج بالعلم والتعليم، وأن يعترف العالم بتواجد الكيان الأسود على جميع الأصعدة. ويعد ذلك الخطاب من الخطابات التبشيرية التي كانت بمثابة رؤية روحانية تطل على المستقبل الذي بدى مستحيل.

لكن جهود مارتن لوثر كينج Martin Luther King قد أغضبت المباحث الفيدرالية لأقسى الحدود لدرجة أنها وضعته تحت مراقبة شديدة، ووجهت له أصابع الاتهام بأنه من أحد أنصار الشيوعية. ولقد وصل الأمر أنهم قد أرسلوا له خطاب تهديد يخبرونه فيه “أمرك قد قضى”. وفي عام 1968 كان مارتن لوثر كينج Martin Luther King ينظم مسيرة واسعة قد أسماها حملة الفقراء Poor People’s Campaign لتجوب شوارع واشنطن. لكن للأسف تم اغتياله بطريقة وحشية وهو في وسط أبناء جنسه لتعم فوضى عارمة بعدها.

فلقد مات مارتن لوثر كينج Martin Luther King لكن لم يمت حلمه. فكل ثورة مهما بدت غير مؤثرة في مستهل الأمر، ومهما تمت مقاومتها لكن في النهاية تؤتي بثمارها. وبهذا خلد مارتن لوثر كينج Martin Luther King اسمه بين العظماء وصانعي السلام في العالم؛ فالمحبة والوئام هما أقصر السبل لتحقيق العدالة.

المقال السابق25 اكتوبر الثورة والتحرر
المقال التالىشيعة الانجليز !!
د. نعيمة عبد الجواد: أكاديمية مصرية، وأستاذ أدب وترجمة، لها عدة أبحاث علمية منشورة دولياً، وكذلك لها العديد من المؤلفات الأدبية والصحفية، بالإضافة لأنشطتها الثقافية. وعلاوة على ذلك، فهي كاتبة دائمة في عدة صحف ومواقع عربية.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد