متاعب تشكيل الحكومة في تونس

 

لا أحد يستطيع أن يقنع التونسيين بدواعي اختيار الطبقة السياسية بعد 2011 للنظام البرلماني بدلا من النظام الرئاسيّ غير ادّعاء “الثوار” أن النظام الرئاسيّ هو سبب كلّ البلية التي عاشها الوطن وأنّ النظام البرلماني هو سبيل الخلاص من الدكتاتوريّة المحتملة. غير أنّ هذا النظام البرلماني الذي استنسخ من الحالة العراقيّة قد أوقع الحاكمين الجدد في ضرب من التناقض يكون بمقتضاه الرئيس المنتخب مباشرة من الشعب أقلّ صلاحيات من رئيس الحكومة الذي يعيّن من قبل حزبه المنتصر أو بالتوافق بين مختلف الفاعلين الحزبيين الفائزين بأغلب المقاعد في البرلمان.

ولم يكن النظام البرلماني لوحده المسؤول عمّا أصاب الحياة السياسيّة في تونس من اضطراب وتهتك. بل إنّ النظام الانتخابيّ هو عقدة المنشار. فقد صيغت قوانينه بشكل يجافي المنطق ويعارض العدل. فبفضل ما يسمى بأكبر الفواضل يمكن أن يدخل نائب إلى البرلمان دون أن يكون جديرا بذلك لعدم تحصيله لأصوات كافية. وقد سبب هذا النظام كثيرا من المشاكل من بينها تشتت الأصوات وتوزّعها على عدد كبير من المشاركين في الانتخابات . وقد كان أثر هذا القانون الانتخابيّ جليا في انتخابات أكتوبر 2019 فقد توزعت الكتل الكبيرة من الأصوات على أربعة من الأحزاب والائتلافات جعل الحزب الفائز بأكبر عدد من الأصوات(حركة النهضة) . رغم حصوله على المرتبة الأولى , عاجزا عن تشكيل حكومته. فهذا الحزب الفائز ب52 مقعدا من مجموع 217 غدا حمله ثقيل وبدا عاجزا عن حسم أمر تشكيل الحكومة.

لم يكن التيار الديمقراطي الحائز على 22 مقعدا عنصرا مساعدا على تجاوز عقبة تشكيل الحكومة بل كان هو أوّل من وضع الحواجز في طريق النّهضة حيث اشترط محمّد عبوا ثلاث وزارات هي وزارة الدّاخليّة ووزارة العدل ووزارة الإصلاح الإداريّ. واعتبر عدم الحصول على هذه الوزارات سببا لعدم تصويت نواب حزبه على الحكومة أثناء عرضها على البرلمان لنيل الثقة. وفي المقابل أكّد كلّ من حركة الشعب وتحيا تونس وحزب قلب تونس رفضها لتولي الغنوشي لمنصب رئيس الحكومة وذلك في ردّ على ما طرحه مجلس الشورى لحركة النّهضة. وقد قوبلت هذه المناورة النّهضويّة بكثير من الاستياء والتعجب من قبل جميع الحزب والتيارات الفائزة عدا ائتلاف الكرامة.

لكنّ حركة النّهضة قابلت تلك التهديدات بعدم المشاركة في الحكومة وعدم التصويت لها في جلسة نيل الثقة من قبل الأحزاب المعارضة ,إلى حدّ السّاعة, بتصعيد غير منتظر. فقد أكّد عماد الخميري الناطق باسم الحركة أنّ حزبه لن يتحالف مع طرفين اثنين مهما كانت الظروف وهما : الحزب الحرّ الدّستوري الذي ترأسه عبير موسي وحزب قلب تونس الذي يقوده نبيل القروي. وأكّدت النّهضة على أنّ الحزبين لا ينتميان إلى تيار الثورة الذي يضمّ النهضة وائتلاف الكرامة والتيار الشعبي والتيار الدّيمقراطي.

نقف إذن مع حركة النّهضة الفائزة بالمرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات والمقاعد وهي المكلفة قانونيا بتشكيل الحكومة في وضع لا تحسد عليه. فهي من جهة مرفوضة من قبل أكثر قوى الثورة و من شاكلها وهي في نفس الإطار ترفض كلّ

إمكانية للتوافق مع قلب تونس الفائز ب38 مقعدا وهو في المرتبة الثانية من حيث عدد المقاعد في البرلمان. وبذلك تكون النّهضة قد أغلقت أبوابا كانت تصلح لأن تكون مخارج من الورطة.

من المعلوم أنّ الحزب الفائز لن يتنازل بسهولة عن وزارة الدّاخلية ووزارة العدل. ومن المعلوم أيضا أنّ إعادة الانتخابات في ظروف مثل التي تعيشها تونس ليس بالحلّ الذي تقدر عليه البلاد ولا تستطيعه حركة النّهضة. أمّا واقع البلاد فمعلوم أنّه اليوم على أبواب عام جديد وميزانية جديدة وقوانين في انتظار الفصل وحكومة تصريف الأعمال غادرها ثلاثة وزراء على الأقل ومرشح أن يغادرها آخرون في المستقبل القريب بسبب التعيين في مناصب أخرى. وفي ظلّ وضع اقتصاديّ بائس لا يمكن أن تغامر الأحزاب بإعادة لعبة الاقتراع من جديد.

وحركة النّهضة ليست بالسّذاجة التي يمكن أن تجعلها تغامر بركوب خطر الانتخابات من جديد وهي التي اكتشفت بلا شكّ أنّ رصيدها الانتخابي الشعبي يتآكل بالتّدريج. هذا فضلا عن الأصوات التي سترتفع في كواليس حركة النّهضة طالبة تمكينها من الترشح وهي معركة ليست مأمونة العواقب .سيّما وأن قسما من ناخبي الحركة استشعروا ضعفها وعجزها عن الفعل المطلوب. ومن المحتمل أن يميلوا بشكل ملحوظ إلى تشكيلات ائتلافية إسلامية هي على يمين النّهضة (هذا إذا كان للنهضة يمين !!!!)وهي بذلك ترتكب جريمة في حقّ نفسها قبل أي طرف آخر.فمن يضمن لها بعد ذلك أن تحوز على نفس عدد المقاعد التي زهدت فيها بإعادة الانتخابات؟

إنّ المساومات التي بدأها التيار الديمقراطي كانت قريبة من الطلبات التعجيزيّة التي لا أعتقد أنّ النّهضة قادرة على التنازل عنها والتفضل بها على حزب فز بنصف ما فاز به أتبع لشيخ راشد الغنوشي . فالوزارات الثلاث منها وزارتان سياديّتان هما الدّاخليّة والدّفاع. أمّا الدّاخلية فهي روح الحكومة وقلبها وهي غنيمة لا يمكن للمحارب أن يتنازل عنها. ويتذكر الكثيرون عبارة الغنوشي وهو يحدث السّلفيين سرّا:” الأمن موش مضمون..والجيش موش مضمون” فكيف إذا أتيحت الفرصة للنهضة لتضمن الأمن ثمّ تتنازل عنه لصالح هذا المفاوض أو غيره سيّما وأننا مازلنا لم نر بعد نهاية ملف الجهاز السرّيّ. ولكنّ وزارة العدل التي أدارها نور الدين البحيري عضو مجلس الشورى للنهضة, وكان له فيها أثر كبير, فقد تم في عهده “تطهير” القضاء من كثير ممن لم يكن يحظى برضى ساكن “مونبليزير” . ورغم تغيّر الوزراء طوال السنوات الثمانية السّابقة, فإنّ تأثيرهم لم يكن ممكنا فالقلب النابض في هذه الوزارة أصبح يدقّ على وتيرة ترضاها النهضة وتريدها ولذلك كلّه فإنّ تسليم النهضة هذه الوزارة إلى التيار الديمقراطي لا يمثل تحديا ولا مغامرة ولا أعتقد أنّها ستمثل خسارة للحركة ولكن؟؟؟

لكننا إذا وصلنا الحساب بهذا النسق فسيكون للكرامة وزارة سياديّة وسيكون لتحيا تونس التي ربما تتم ترضيتها في اللحظات الأخيرة بوزارة هامة فإنّه لن يبقى للنهضة من وزارات لسيادة إلاّ وزارتي الدفاع والخارجية وهما من اختصاص رئيس الجمهورية. غير أنّ الرئيس الذي لا ينتمي إلى أيّ حزب يمكنه أن يرضي النهضة بالوزارتين فيتعوضّ بهما النهضويون من خسارة وتلف أصاب حكومتهم.

لكنّنا لا يجب أن نغفل أمرا مهمّا ونحن على أعتاب الخروج من هذا المقال, لا يجب أن نغفل على أنّ كثيرا من الأحزاب “الثورية” قد عبّرت عن عدم رضاها عن الغنوشي رئيسا للحكومة. وهذا الرفض قد يتبدّل إلى مباركة لحكومة النهضة لمجرّد اعتذار الشيخ راشد . وما يذهب بنا أكثر في اتجاه هذه الفرضيّة هو تصريح محمّد بن سالم في إذاعة تونسية إذ قال:” أنا لا أرى أنّ الغنوشي صالح لرئاسة الجمهوريّة”. فهل يخرج الغنوشي ليعبّر بنفسه على أنّه غير معني برئاسة الحكومة فيسرّع ذلك بتشكيل حكومة؟ إنّها سوق السلطة والعملة فيها ليست دائما النزاهة ونظافة اليد والكفاءة. بل لعلّ العملة الرائجة أكثر هي ” عن كم مصلحة تتنازل لأنزل لك أنا عمّا تريد؟”

لا تعليقات

اترك رد