وزير

 

انقطع التّيار الكهربائي فجأة ، الشّارعُ مظلمٌ و موحش ، الزبائن انفضّوا و تركوا المقهى و احتموا بالظّلام وهربوا ، ولم يدفعوا ثمن القهوة و الشّاي ، الأماكن بسرعة تحوّلت إلى خراب ، زبون يضع كرسيا على مقود درّاجته و يهربُ ، زبون يقتلعُ فانوسا ، و زبون على حافة الهلاك منذ سنين ، توثّب وحملَ طاولة على كتفه واخترقَ بها الزّقاق المؤدّي إلى السّوق ، اهتدى بعض المارّة بضوء السّيارات التي تمرّ مسرعة ، وأخذوا طريقهم إلى بيوتهم بحذر شديد ، انتشر الذُعر في الأسواق والأزقّة ، أصوات الجري هنا وهناك ، التّجارُ أغلقوا أبواب متاجرهم ونهروا الزبائن ، كان النّاس في هلع و خوفٍ ، فقط المغازة الكبرى تعجز أمام هذا الوضع ، تنعّمت أشباحُ راصدة بالوضع المؤقّت ، كانت ترقبُ و تتلصّصُ ، و لمّا تيسّرت اللقمة السّائغة ، دخلت بسرعة إلى المغازة و راحت تحقّقُ شهوتها ، سرقت علب السّردين و قطع الجبن و علب الياغورت ، الأعوان في دهشة و خوف و ترقّبٍ ، كانت حركة الأشباح سريعة و صامتة و انتقامية تفوق البرق ، شيء غريب يفوق الخيال ، شبح يسحبُ الأشياء ، و الثّاني يملأ الأكياس بما لذّ و طاب ، و فوج ثالث يسرقُ الكُرّاسات و المحفظات و الأقلام ، و أشباح أخرى تفكّ أجهزة كمبيوتر من أغلفتها و تخفيها بعناية ، وأشباحٌ تجمع مواعين و طابخات قهوة و طاحونات أوتوماتيكية و قدور نحاسية و ملاعق و كليماتيزور ، و أشباح ترقبُ و تحرسُ بعيون ليزرية ، و تقلّدُ أصوات نسوة مذعورات لتلهي الأعوان و تخيفهم و تشتّتُ انتباههم في العتمة ، كلّ شيء مرّ بسرعة ، وتكلفّت أشباح بمداعبة قابضة المغازة وتهدئة روعها بأصوات متربيّة متخلّقة ، وفي الآن نفسه تختلسُ كلّ الأموال من الكاسة ، وتضعُ بدل الأوراق النقدية أوراقا مزيّفة بنفس الحجم ، غادرت الأشباح، تجمّد جميع الزبائن مذهولين في أماكنهم ، و قد غفلوا عن حالهم ، فلا تسمع إلاّ الهمس و ارتجاف الأيدي و بكاء أطفال ، ينتظرون عودة التّيار كأنّه ماء الحياة ، وعاد التّيار الكهربائي فأضاءت الفوانيس ، واسترجعت الأنفس راحتها ، و المبرّدات حركتها ، ودبّت الحياة من جديد ، و التفتت العيون إلى صوت أجهش بالبكاء ، لترى وزير التموين مقرفصا تحت طاولة الخضر و الغلال و هو يرتجف و يمسحُ دموعه و سرواله مبلّلٌ ، فأسرع إليه مدير المغازة : {سيّدي الوزير المعذرة } و كان يمسحُ دموع الوزير و يمسحُ سرواله المعفّر بالغبار ويردّد: { الوضع تحت السيطرة } ، و نسوة المدينة يتسلّلون على رؤوس الأصابع و يبحلقون في الوزير فقد هاتفه الجوّال و حذاءهُ و محفظته ممزّقة وأكوام أوراق مبعثرة ، تفطّن مدير المغازة إلى ورقة مشدودة إلى ظهر الوزير فقال :{ بعد إذنك سيدي الوزير أقتلع هذه الورقة } فأومأ الوزير و هو خائف و لم ينطق بكلمة ، قرأ المدير الورقة:{ ارحلوا يا عصابة السُّراق } فنكّس رأسه و دسّها في جيب الوزير ، و بسرعة أتى أربعة رجال غلاض شداد ، دفعوا المدير بقوّة و أخذوا الوزير متلفّعًا ببرنس ، أركبوه سيّارته المرسيدس ووضعوا بجانبه أكياسًا تشبه التي ملأتها الأشباح .

المقال السابقاْبواق مأجورة
المقال التالىاَلتَّعْلِيمُ الْمَاهِرُ
صلاح بوزيّان كاتب وقصّاص و صحفي . أستاذ اللّغة العربيّة .من مواليد 1970 بالقيروان . تونس . بدأت الكتابة القصصيّة مبكّرا منذ 1986 ونشرت نصوصي آنذاك على أعمدة جريدة الصّدى التونسية والصّباح وصباح الخير ونلت عديد الجوائز . عضو اتّحاد الكُتّاب التّونسيين . عضو النّقابة الوطنية للصحفييّن التّونسييّن . أ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد