اَلتَّعْلِيمُ الْمَاهِرُ

 

إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي صِنَاعَةِ التَّعْلِيمِ المَهارَةُ كَيْفَ نَبْنِيهاَ؟ وَكَيْفَ يَنْتَقِلُ أَثَرُهَا؟

جاء في الهوامل والشّوامل للتّوحيديّ: ” قال أبو عليّ مسكويه رحمه اللّه قال: إنّ الصّناعات لا يكتفى فيها بالعلم المتقدّم، والمعرفة السّابقة بها حتّى يضاف إلى ذلك العمل الدّائم، والارتياض الكثير، وإلّا لم يكن الإنسان ماهرا. والصّانع هو الماهر بصناعته”.

وهذه مهاراتُ درس العربيّة لا تتأتّى لنا إلّا بالارتياض الكثير:

مهارة الفهم: الْمَعْنَى الْعَابِرُ فِيكَ.
مهارة التّحليل والتّأليف: نُجُومٌ تَفَرَّقَتْ فِي سَمَاءِ النَّصِّ تَجْتَمِعُ فِي كَفِّ قَارِئٍ عَاشِقٍ.
مهارة التّلخيص: بَوْحُ النَّصِّ يَطْوِيهِ لَفْظٌ كَتُومٌ.
مهارة التّوسّع: نُكْتَةُ الْمَعْنَى تَنْشُرُهَا الْفِطَنُ.
مهارة التّقويم: النَّصُّ فِي عُيُونِ الْمَرَايَا.
مهارة الصّوغ: الصَّوْغُ السَّبْكُ وَطْرْقُ مَعْدَنِ الْكَلَامِ.

ولا شيء يباعد بين تلاميذنا والتّمكّن من هذه المهارات كذلك الوعظ الثّقيل الّذي يأخذ من زمان الحصّة ومن إقبال المتعلّم ونشاطه من نحو يجب عليك كيت وكيت، واحذر كذا وكذا، ومن تلك القواعد والضّوابط في شروط هذه المهارة أو تلك وفي المراحل الواجب اتّباعها تلقى على المتعلّم إلقاء أو تملى عليه إملاء، ومن حصصٍ يتحدّثون فيها عن المهارة ولكنّهم لا ينتجون ولا يبدعون ولا يخلقون، حصصٍ قد تعرّفهم المهارة عند غيرهم لكنّها لا تحملهم على امتحان قدراتهم وتبيّن حدود استطاعتهم، حصصٍ تزيّن لهم جمال البناء والاستواء ولكنّها تحرمهم بلاغة المحاولة والخطإ والبدء والعود على البدء.

وإنّما الشّأن كلّ الشّأن في تدريب المتعلّمين على هذه المهارات أن تكون ” اليد في العجين”، وأن يكون التّعلّم بالعمل. أن يكونوا في مقام الفعل يواجهون وضعيّاته بتصوّراتهم وبمكتسباتهم، لكنّها لا تسعفهم فيتساءلون ويسألون ويجتهدون يريدون أن يستطيعوا، ولا يستطيعون إلّا قليلا ثمّ حالا فحالا يستطيعون.

أن يكونوا في مقام التّبصّر والتّأمّل يعرضون على الفصل فِكرَهم يمتحنون وجاهتها ودقّتها وعمقها وطرافتها، تتراءى عقولهم في عقول زملائهم يصدّقونهم وينبّهونهم ويعارضونهم ويستدركون عليهم وأستاذُهم يوقظ فطنهم ويشحذ عقولهم بأسئلة تقوّض اطمئنانهم السّاذج وتقدح حيرتهم الفضوليّة، أسئلةٍ تستحيل مجاهرَ بها يبصرون ما خفي عنهم من أخطائهم، وما ألبس على أفهامهم فإذا هم يراجعون أنفسهم كيف فكّروا؟ وأيّ مذهب ذهبوا؟ وممّ أوتوا؟ وكيف قصد السّبيل؟ وإذا هم يسْتَصْفون وينخُلُون وينتهون بنظرهم الفاحص وبحسّهم السّليم إلى سرّ الصّناعة وشرط المهارة فلا حاجة لهم بذاك الوعظ وتيك الأمالي وقد شهدوا روعة المغامرة ولذّة الاكتشاف.

أن يكونوا في مقام التّفكير، بين نعم ولكن:
(نَعَمْ) حرف للتّصديق.
(لَكِنْ) حرف للاستدراك.
(نَعَمْ) تَسْتَصْفِي، و(لَكِنْ) تَنْخُلُ.
“نعم … ولكن” هما في الخطاب كفّتا النّظر الفاحص والعقل النّاصح. واجتماعهما حائل دون لجاجة القول وتهافت الرّأي.
وهل المهارة إلّا قوّة تفكير.

ولكن هل نعلّم تلاميذنا كيف يفكّرون؟ كيف يحلّون المشكلات؟ كيف يتعاملون مع معلومات ” مطروحة في طريقهم” الورقيّ والرّقميّ؟ كيف ينتخبون ويوظّفون ويعيدون البناء؟ كيف يسلكون طُرقَهم الفريدةَ؟ كيف يُطرِفون ويُبدعون؟ هل تُختبر مهاراتُهم في وضعيّات أصيلة جديدة أم يُدْعَون إلى استعادة ما حفظوا أو نقلوا؟

أن يقول التّلميذ: إنّ هذا الامتحان سهل أو إنّ هذا الامتحان صعب فمعناه أنّه لم يتعلّم.
ولن تكون المهارة موضوع درس حتّى تكون أسلوب تعلّم وتعليم.

ألا يبدو غريبا أن أدرّب تلاميذي على مهارة التّلخيص ثمّ أمكّنه قبل إجراء الامتحان من تلاخيصَ – تبذل له من دون جُهد منه – تذهب بمعنى هذا التّعلّم الّذي كان سبيلَه للسّيطرة على التّعلّمات ولاختبار فهمه وبناء معارفه؟

ألا يبدو غريبا أن أدرّب تلاميذي على مهارة التّوسّع وأنا لا أصبر على الاستماع إليهم؟ وهم يجيبون عن أسئلتي ولا يسألون ولا يتحاورون؟ وأنا لا أدعوهم إلى أن تكون لهم مشاريع قراءة وكتابة؟

كم نشتكي من عزوف المتعلّمين عن المطالعة وننسى أنّ درس العربيّة – وكلّ درس- هو موائد شهيّة من بدائع الآداب والسّير والعلوم والفنون. قد نصف لهم أطايبها لكنّنا لا ندعوهم إليها ولا نغريهم بتذوّقها: نقدّم لهم الآثار ولا ندعوهم إلى مطالعتها، ونقرئهم النّصّ منبتّا عن الكتاب الّذي أخذ منه، ونملي عليهم معلومات ولا ندعوهم إلى البحث عنها. وقد ينقضي الدّرس ولمّا يمسكوا الأثر بين أيديهم ويتصفّحوا أوراقه، وقد يُنهون مرحلتهم التّعليميّة والأثرُ يعرفونه خبرا لا عيانا.

ألأ يبدو غريبا أن أدرّب تلاميذي على إبداء الرّأي ولكنّني أقودهم بأسئلتي إلى الإجابة الواحدة، وأرى الموضوع من زاوية واحدة تحجب عنّي وعنهم بقيّة الزّوايا؟ فلا أثير الإشكال ولا أقدح السّؤال ولا أحمل على إعمال العقل؟ كيف أدرّبهم على إبداء الرّأي وأنا لا أشاورهم ولا أسمع لهم ولا أشاركهم درسا هو حياة نحياها معا؛ نرتّب مفرداتها معا؟

ألا يبدو غريبا أن أدرّبه على مهارات الفهم والتّحليل وأنا أتقمّص في حضرة النّصّ دور الشّارح يُري المتعلّم ما يرى ويتكلّم باسم الكاتب ما أراد وما لم يرد ويفرض فهما خاصّا؟

إنّ لنا في القراءة فسحةَ وحياةَ؛ القراءة باعتبارها تفاعلا حيّا بين قارئ ونصّ، بين فكرة اطمأنّ إليها وفكرة يُغريه بها، بين حياة يعيشها وحياة يقرأها فيه… وذاك سؤال البرامج الرّسميّة: كيف نجعل المتعلّم قارئا ناجعا؟ فلَا تَشْرَحْ النَّصَّ. اِقْرَأْهُ وَاُدْعُ إِلَى قِرَاءَتِهِ.

وهذه عناوين كتب النّصوص المدرسيّة بالمدرسة التّونسيّة انظر كيف تحمل قارئها إلى ذاته، وكيف تبعث حجاه وكيف تصوغ حلمه فإذا هو يقرأ ويكتب ويعبّر.
الْأَنِيسُ: خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنِيسِي.
نُزْهَةُ الْقِرَاءَةِ: النُّزْهَةُ شَوْقٌ وَذَوْقٌ وَاكْتِشَافٌ.
أَنْوَارٌ: “النُّورُ فِي قَلْبِي وَبَيْنَ جَوَانِحِي”. “أَرَأَيْتَ عَيْنًا لِلضِّيَاءِ تُعَارُ”.
آفَاقٌ أَدَبِيَّةٌ: أُفُقٌ وَحُلْمٌ، كِتَابٌ يَحْمِلُكَ إِلَيْكَ وَيتَّسِعُ الْأُفُقُ.
عُيُونُ الْأَدَبِ: ثَرَّةٌ فَهْيَ وِرْدُكَ الرَّوَاءُ.
عَلَامَاتٌ: بِهَا هُدَاكَ وَقَدْ تَوَخَّيْتَ الطَّرِيقَ
رُؤًى: يَعْبُرُهَا النُّهَى.
كِتَابُ النُّصُوصِ: النُّصُوصُ تُقْرَأُ وَلَا تُشْرَحُ. وَالْقِرَاءَةُ أَنْ تَأْنَسَ وَتَكْتَشِفَ وَتَرَى وَتَحْلُمَ وتَرْوَى وَتَهْتَدِي وَتَرَى.
النّصّ – وكلّ الدّرس نصٌّ- حوار بين ماهرين: كاتب وقارئ، معلّم ومتعلّم.المعلم

لا تعليقات

اترك رد