فؤاد روهم يحقق المفاجأة المذهلة و يرفع موجات التدفق

 

من أتون الحرب ، عازف النور ، الملاك الحارس ، الدموع الغالية ، لحن الحياة ، هم الزمن ، الطلقة و الكتاب ، سمو الروح ، الحصان الجامح ، الحمل الثقيل ، بكاء الحجر ، الكل في سورية ، الطائرة الورقية ، النغم ، الدفء ، الراعي ، القيثارة السومرية ، الحي ، الحرفة اليدوية ، آلهة الينبوع و الجمال ، المرآة ، الكهل ، السليقة ، الحنان ، القامشلي سبع بحرات ، الحضارات ، الأسلاك الشائكة ، الزوبعة ، العناية الإلهية ، إبريق الشاي ، الخلاص ، النزوح … إلخ عناوين لأعمال الفنان التشكيلي السوري السرياني فؤاد روهم ( قامشلي 1955 )، و المتأمل لهذه العناوين سيدرك الإدراك كله بأن روهم غارق في تلك البقعة من الأرض التي تسمى الوطن ، غارق فيها و في تفاصيل حياتها ، من وهج الشمس و هو يلفح قامة راع في ربوع صفراء على مد النظر إلى الحي القديم الذي كان يمارس فيه شقاوته التي اجتمعت فيه لينسكب حنينياً و دفئاً من بين أصابعه على سطح اللوحة ، و من حياة الناس البسيطة و ما تمارسه من حرف تأبى أن تترك الروح إلى ذلك الكهل الذي يمج سيكارته بعنفوان و عشق و كأنه يملك الأرض و ما عليها ، و يغوص في تاريخها و ما تحمله من حضارات إلى الراهن و ما تبث فيه من حروب و أحقاد ، فأعمال روهم أشبه ببانوراما لحياة المكان الذي ينتمي إليه ، و لهذا يطغى الواقعية التسجيلية على أكثرها و كأنه يدون الناس و بيادرهم ، و يلخص البيئة التي تعكس صور الناس و حركاتهم اليومية التي تضج عالياً بالعواطف و الإنفعالات و إن كان روهم يشطح أحياناً بأسلوب يميل إلى رشق شحنات تعبيرية حيناً ، و إلى الغرائبية حيناً آخر

فهو يلغي الحدود بين المدارس المختلفة و يرفض الإلتزام بها كضرورة دون أن يتخلص من سطوتها التي تأخذ عنده كحدث لوني يتحرك على نحو منقطع وفق موروثه البصري الحامل بدورها لتكويناتلونية رؤيوية تشي بأرتال من المحن المتداخلة مستعينة بتدفق مذهل لما يشبه شظايا اللون ، فهو يباغت الطبيعة بزهوها ، كما يباغت المتلقي برهانات فنية هي أقرب للمخيلة منها للمسارات الرديفة ، و للذات المبدعة منها للتأملات المكتظة بنوافذ صغيرة و بصور قديمة تسقط من الذاكرة على نحو لا إرادي ، فروهم يقنع نفسه بالإقتراب من الواقع ، لكن بعينين مغايرتين ، بعين تكشف زحام الناس و حياتهم ، بعين تمكنه من تسجيل لحظات هي عزاءه في هذه الخطوات الحياتية القصيرة ، و بعين يمتهن بها لعبة الزمن ، فهو الحكيم بتفاصيل البياض المليء بالروح على أمد بعيد ، و هو الحكيم بإرتكاب الجمال حتى يتحقق التوازن في بناء الأرض و في رائحة الأشياء عليها .

فؤاد روهم يراقب بإهتمام الحياة و مظاهرها ، يراقبها خطوة بخطوة ، و يفتش عن سبل الكشف عن خصائصها الفنية و كذلك عن تناقضاتها الدراماتيكية و تمزقها ، عن تلك الحالات و الإشكالات الحياتية المرتبطة بمصاعب جدية في مواجهة الإفقار الروحي للإنسان ، و في مواجهة الآمال الوهمية ، فمن شأنه طرح ما يسمى التربية الجمالية ، أي النظر إلى الفن كوسيلة توعوية ثقافية إنقاذية فتغدو سفينة نوح تحمل كل القيم الروحية و المثل الإنسانية لتوصلها كمبادرات نغمية لايمكن دنسها ، كصباحات باكرة لا يمكن تغبيرها ، لتوصلها كمشاهدات بصرية حلمية لا يمكن أن نفيق منها إلا و نحن مبلولون بالدهشة ، تلك الدهشة التي تأتي خلسة في أشد اللحظات لهفة ، قد تكون عمرها رمشة عين أو عصراً كاملاً ، و هذا هو الأهم في تجربته.

فؤاد روهم لا يُحَمِّل أعماله ما لا طاقة لها بها ، فهو الدكتور في التخدير و بالتالي فهو العالم بأن زيادة الجرعة للمريض أثناء تخديره قد يدفعه إلى ما لا يحمد عقباه ، هكذا حاله مع أعماله ، يعرف الجرعة التي تحتاج حتى تخرج معافى تماماً ، و لا يوهم متلقيه بحشود أبعاد تندس في مشهده البصري ، بل يعيد به إلى ما يفي بحاجات وجوده حتى يمارس نوعاً من الكشف تضمن له إستمرارية القدرة على الفعل بما خفي و بما ظهر ، فهو لا يتردد في الإرتواء من منهله أولاً، و من مناهل الجيران إذا تطلب الأمر المباح ، و هذا يدفعه إلى تقديم مقاربات مختلفة قد تساهم في تحقيق رؤيته و توضيحها و فهم ملامحها ، و كشف معالمها بما يساهم في تعزيز تطورها مع السير نحو رسم تساؤلاته المهمة كوسيلة من وسائل الترجمة الحقيقية لأولوياته و ترتيبها ، و من ثم طرحها بمختلف أقاليمها مع الرجوع إلى آليات الخلط و التداخل فيما بينها ، فنوافذه مفتوحة على الدوام ، لا تجاعيد في مدّها ، و لا حِدّة في ملامحها ، عروقها تغدو عجينة ضوء على السفوح عند الشفق ، فهو يرتاح في المسالك التي يرتادها دون قيود و دون رقيب ، فلا ضفاف لحقوله ، و لهذا تنساب الألوان من بين أصابعه كدفء شمس في كانون ، حتى تبلغ المساحات البيضاء بهواجسها فيكون الإنجاز و العشق المنتظر .

فؤاد روهم و بحكم عالمه الخاص و نظامه الخاص بإنتمائه لسلك يتطلب اليقظة الدقيقة و الحذر الشديد (الطب) فهو يملك مفاتيح الديمومة و الإستمرارية ، و بالتالي يملك مفاتيح اللعب مع المدى و لهذا أهميته في الدخول و الخروج في و من اللوحة ، و هذا تصور يمنحه القدرة على الحلم دون أي تشويه من هنا أو من هناك ، يمنحه القدرة على التوكيد بأن التوترات النفسية و الإنفعالات المختلفة إذا حضرت في ذات الفنان فإنها تستقر بين أصابعه ، فإما أن يشلها و يدفع بها إلى رمي الأدوات جانباً ، أو يمنحها الجرأة ، جرأة في مزج الألوان و تفجير العلاقة فيما بينها ، و جرأة في التعبير و تحرير تحولاتها في الإتجاهات المختلفة ، و جرأة في دعم تلك التمازجات و إشاراتها و بالتعامل مع أجوائها بحرية إبداعية ستفرض بدورها حتمية اللحظة الإبداعية مع حتمية الصدمة بولادتها أو بموتها ، و بالنظر للمعالجات التي تضمنتها تطويعات فؤاد روهم من إستعادة التراكمات المتعاظمة في أشكال الجوهر مع إستحداث موارد إجتذابه ، إلى توظيف آلياته في تحقيق المفاجأة المذهلة مع رفع موجات التدفق على سائر معالجاته و في سائر الميادين ، و هذا يؤدي بالضرورة إلى إستحداث هزات في دوافعه و التي لا يمكن إستنزافها ، فهي منظومة كاملة من الأحاسيس و العواطف و تدابيرها المختلفة .

لا تعليقات

اترك رد