أقلام لا تنكسر أبدا وشموع لا تقهر

 

القنادسة بشار الجزائر
القنادسة.
رحلة في كلمـــــات “الحبيب فزيوي”

قلما نستطيع إستحضار فورة الثورة الشعورية كشاهد انطولوجي وهي تسبح في غموض الاحاسيس وتجلياتها وفي ومضات الواقع، خاصة ونحن نستجدي خزائن الذاكرة لنلملم أحكامنا الاشهادية و الماضوية. مقايسة البعد الراهن أو التعبير عن إنبجاس عاطفة أو عرفان ليس سهلا وأنت تصف كاتبا وأديبا هو بمثابة مربي سابق وأستاذ تعلمت في حياض درسه ادب الفكر وتاريخ الاعلام وتواريخ البواكير الثقافية. من نجلهم عادة يختطفون منا سطوة الحضور الموضوعي ليحيلوا كلماتنا الى حالة من التمجيد العابر للذات، هم يستحقونه دون مواربة لأنك تستطيع ان تضلّل عالمك الموضوعي بالمقابل لا تستطيع أن تضلّل حدسك الاشراقي لأنه نتاج جنيني لثورة الفيوضات والحدوس الصوفية التي تنتابك في حالة انفجار اطياف من الصور والخواطر.

الحبيب فزيوي كاتب وأديب من القنادسة بشار مبدع يمارس فن المفارقة التفكيكية و يقارب الرواية بحس أصيل وبنكهة المحلي. حيث تشتم في اسلوبه روائح عتيقة قادمة من قدسية وأصالة المكان وتجاعيد الزمن .الازمنة لا تهم حين تقتنع بالأسر السرمدي في فضاء الامكنة.هو يمارس جوا برومتيوسيا ملحميا في بعث الحيرة والارتياب النصي لان الاستثمار الروائي في النص يشبه المقامرة اليقينية. هو يتقنه بغرائبية نيتشوية متمردة .لأنك تستجوب الكاتب وتعيش حالة اليقين كمعضلة لفك انظمة و ثوابت افكاره وإسرارها. الحبيب ” يملك قدرة فائقة في إقحامك عوالم روايته لتصبح فاعلا فيها او لنقُل أحد أبطالها .الاحداث والوقائع و الامكنة هي مجال لانتشال الذات من انكشاف الى آخر.الاطاريح السوسيولوجية تنفرج في رواياته لتسرد حالة الانسان البسيط الساذج الذي تتقاذفه الحياة بشدتها وغلظتها كما لو كانت دزاين هيدغري شبيه بتراجيديا عميقة هي شاهد على تمشي انفعالي للكادحين والمقهورين والمنسيين.

روايته من اكواخ القنادسة الى بروج نيويورك هي حالة من التأبيد الاسطوري للمُهملين اجتماعيا، قلم الحبيب يعيد صياغة تواريخهم في الهوامش وتحت ضفاف السطور وينبش في اسرارهم المتوارية تحت قمع الطوطم والطابو.الكم الهائل من السخرية هي شبيه بالأنظمة السحرية التي تسلب القارئ حالة القلق لتبتلع توتراته وهو يعيش نمطا من الالينة الذاتية المرتبطة بفعل القراءة. هذه الرواية الممتعة هي ترحال كيدي غير بريء من أزمنة الى أخرى ومن فضاء معروف وتقدمي الى مكان وفضاء تقليدي عتيق وقديم نكرة وهامشي الى حد العدمية.هي رسائل مشفرة، الاحداث هي منتوج عبثي. لحظيتها وراهنتيها تجعل المحلي يعمل على اختراق الكلياني، هي نوع من عولمة الهامش ليصبح مركزا.الرواية حولت القرية الصغيرة المتشرذمة والمنزوية على نفسها الى قرية كونية تضاهي اعتى المدن وقواها عالميا.القنادسة المنبعثة من اعماق الصحراء اميرة الرمال تقارع نيويورك آلهة المدن السادية.

خطورة الراوي عندما يتحدى الفيلسوف ويتحدث بلسان حال منطقه ممعنا في استلهام الفيوض الدلالية للإنسان والكون.روايته المفصلية ” طاحونة الطلاسم” هي حفر اركيولوجي في تعاسة المخذولين اجتماعيا .الطبقات المحتقرة في سلم ونسيج المجتمع.والتي يدين لها التاريخ بكثير من المزايا والامتنان.شخصيات غرائبية ورموز وأشباح بشرية صنعت الاحداث الكبرى لكنها أبت إلا ان تنزوي تحت ركام الوقائع.مجد فرنسا عاصمتها باريس التي تنتصب في أوروبا، كمومس عاهرة تتزين في جيدها بقلادة خرسانية متشابكة إسمها “برج ايفل” لم يكن لتُصنع هذه الاعمدة الفولاذية ألخرافية لولا فحم القنادسة ، لولا تلك السواعد الطرية لعمال باتوا ارقاما في مقابر وجبانات.بعدما أجهزت عليهم الامراض وثكلت امهاتهم ورُملت نساؤهم وبات الضياع يعبث بأطفالهم.الاستعمار البغيض يختطف الانسان والجغرافيا ويسرق الحلم ويكبت الأمال، صنائعه الميدوسية اللعينة سرعان ما تتحول الى افاعي وحمم تفتعل انتصارات مؤقتة غايتها اغتيال التاريخ وابتلاع حقائقه لصالح مركزية البلادة والحقارة التي تستهدف الشرف الوطني والمحلي.هذه الرواية التي تزخر ببليغ الكلم تنعي الرداءة التي باتت وريثة الاستعمار وهي تنسج بيوت عناكبها السوداء في كل أنظمة الامة والدولة في مؤسساتها وجامعاتها ومراكزها الحيوي.حتى باتت كل محاولة لللانعتاق والتحرر الابداعي والعلمي نشازا في عوالم البغي السطحي والساذج.السخرية النتشوية قابعة في قلب السرديات الادبية “للحبيب” هي بمثابة مهماز للبوهيمية المفرطة في تضليل المكانة الانسانية المؤنسة للكائن العاقل.

قلم سيد لحبيب ” لا ينكسر هو نموذج لريشة فنان قادم من عواصم اكادية وأُحجيات نسطورية، تجيد الارامية والسريالية.هو ينحث القصص، بفكاهة سقراط وبوشم المعري تحت وقع رقصات مولوية لابن عربي. القلم يكتب في الاعجاز القرآني وفي النحو والتصوف.

دار “سيد الحبيب ” هي محج للزوار والأدباء والمثقفين هي صومعة تتعالى على الدير وتكتسي رهبانية الصوفي المتحلق حول نواميس الطواسين الصوفية.هي مزار للكرم والجلسات الروحية والشعر والفن الادبي.اذا ولجتها أرم ساعتك او أكسر عقاربها ففيها يتحول الزمن الى عروس ضاحكة ترفض الانعتاق من عوالم الروح والتصوف.

ركوب صهوة الخطاب لا تتأتى إلا بإرباك دريدي للكلمات فن الخلخلة لا يجيده إلا صوفي متمترس وراء صوفية عتيقة قادمة من هواجس الحلاج وفصوص ابن عربي.

الحقيقة ليست واحدة وهي تتماهى مع كم الشغف الذي نضفيه على أفكارنا وأدبنا وفلاسفتنا ومثقفينا.الاحتفاء بالمثقفين يشبه عربة “اخيليوس” التي شيعت جثمان هيكتور الطروادي بجرها في زحام كثيف، كثافة حرب قذرة تنهي الابطال .المثقفون الحقيقيون أبطال لا زوايا لهم ولا قصور هم ضحايا أقلامهم ومجازهم وشاعريتهم. كما يقول ابقور نقلا عن مدونة “الفلاسفة والحب””يكون خطاب الفيلسوف خاويا اذا لم يشفي نفوس البشر”.

الحب الوحيد الذي يحضى به الفيلسوف هو توترات الكلمة والفكرة لانه في البدء كانت الكلمة.

المقال السابقنداء عاجل
المقال التالىاْبواق مأجورة
من مواليد 01 جويلية 1969 القنادسة بشار الجزائرعملت استاذا مدرسا لمادة الفلسفة منذ 1993 الى2009 . اعمل مفتشا للتربية الوطنية في وزارة التربية اختصاص مادة الفلسفة منذ 2009 .ماستر ديداكتيك وتاريخ الفلسفة .مشارك في ملتقيات وكاتب مقالات حول التصوف وتواريخ سير الفلاسفة.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد