جابر عثرات الكرام

 

للكرم وجوه عديدة ومظاهر متنوعة بتنوع البشر فقد يأتي بالشكل المادي المألوف وقد يأتي على هيئة نجدة تأتي في موعدها وقد يأخذ أحد الأشكال التالية : العطاء والشفقة ونشر البسمة و التفاؤل و المعرفة والثقة و المبادرات و القدرات القيادية وحسن الطباع ولطف المعشر والسخاء . للكرم أصوله التاريخية مثل العفو عند المقدرة وسير الرؤساء والقادة والملوك حافلة بقصص الكرم والعطاء غير المحدود وهدفها في الغالب تذكر الناس بما حدث في يوم من الأيام وإعطاء الموعظة الحسنة لأولي الألباب . يقول الأولون ” الكرم يغطي كل عيب في الشخصية الإنسانية ” وهذا عين الصواب .
يحكى أنه كان هناك رجل يدعى خُزيمة ابن بشر في بلاد الجزيرة السورية التي كانت ولاية تمتد من العراق إلي أرمينيا و تركيا في عهد سليمان بن عبد الملك ، وكان هذا الرجل ميسور الحال ينفق علي كل فقير ومحتاج حتى الذين لديهم مال كان يعطيهم وبقي الأمر كذلك حتى دارت عليه دائرة الدنيا والأيام فأصبح فقيراً معدماً . جاء بعض الذين كان يعطيهم من ماله ويمد لهم يد العون فأعطوه شهر شهرين ثم ملوا وتوقفوا عن مساعدته فأغلق باب بيته عليه وهو لا يجد ما يسد به الرمق هو وزوجته .
كان الوالي المكلف في الجزيرة السورية عكرمة بن الفياض وكان عكرمة يعرف خُزيمة بن بشر وسمعته وتصله أنباء كرمه ، فسأل عنه فقيل له : لقد افتقر خُزيمة وأصبح لا يملك قوت يومه فجلس في بيته وأغلق عليه بابه. أندهش عكرمة قائلاً : “خُزيمة افتقر؟ ولَم يجد ممن كان يعطيهم ليقف معه ؟ خُزيمة الذي كان يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر ؟ ”
وفِي الليل والنَّاس نيام خرج عكرمة بن الفياض وأخفى وجهه وهو يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً حتى بلغ دار خُزيمة ثم طرق عليه الباب.
قال خُزيمة : من الطارق ؟
قال عكرمة : ضيف.
ففتح خُزيمة الباب لضيفه.
ووضع عكرمة الحمل من ظهره وقال : هذا لك.
قال خُزيمة : ومن أين ؟
قال عكرمة : من مال الله.
قال خُزيمة : ومن أنت؟
قال عكرمة : جابر عثرات الكرام.
قال خُزيمة : بالله عليك عرفّني من أنت ؟
قال : جابر عثرات الكرام
و انصرف في طريقه عائداً و مسرعاً
قال خُزيمة لزوجته : أشعلي لنا فانوسا لنرى ماذا أحضر لنا الرجل المُلثم .
أجابته : ليس لدينا فانوسا ولا حطب نوقده .
أخذ عكرمة يتلمس الكيس في الظلام حتى أتى نور الصباح . وعندما فتحه وجدها أربعة آلاف دينار وخمسمائة وكان الألف دينار تعادل أربعة كيلوغرامات من الذهب
فشكر خُزيمة ربه وسدد دينه وأصلح حاله .
وعندما رجع الوالي عكرمة إلى بيته.. وجد زوجته تولول وتقول : لا يخرج الوالي في هذه الساعة من الليل إلا لزوجةٍ أخرى.
أجابها : لا والله .
قالت : إذن أخبرني أين كنت ؟
قال : لو أردت إخبارك أو إخبار أحد لما خرجت متخفياً ليلاً .
فقالت : يجب أن أعرف . وألحت ولَم تنم حتى روى لها القصة وقال : أكتمي السر ولا تحدثي به حتى نفسك.
وبعد فترة من الزمن. ذهب خُزيمة إلى أمير المؤمنين سلمان بن عبد الملك فسأله : أين كنت يا خُزيمة لم نسمع عنك من زمن فقص عليه القصة من أولها إلى آخرها .
فقال الأمير : ومن يكون جابر عثرات الكرام؟
قال : لم أعرفه ورفض إخباري من يكون .
قال الأمير : ليتك عرفته.
ثم أمر بمنح دنانير أخرى لخُزيمة وأصدر أمرا بإعفاء عكرمة بن الفياض من الولاية وتعيين خُزيمة والياً لمنطقة الجزيرة السورية .
رجع خُزيمة ودخل قصر الوالي وهو يحمل مرسوم العزل وكان في استقباله عكرمة بنفسه وسلمه أمر العزل فقال عكرمة : كله خير.
ثم قال خُزيمة : أريد أن أحاسبك علي مال المسلمين
فرحب عكرمة بذلك ، ووجد خُزيمة مبلغاً من المال غير موجود .
قال خُزيمة : أين المال يا عكرمة؟
قال : ليس معي.
قال : إذن رُده من مالك.
قال : لا أملك مال خاص.
قال : إما المال أو السجن؟
وسجن عكرمة ردحاً من الزمن ووضعت له الأغلال الثقيلة في يديه وعلى ظهره حتى ضعف جسمه وتغير لونه وعندما سمعت زوجة عكرمة بما حدث لزوجها الوالي المعزول ذهبت إلى خُزيمة وكانت هي ابنة عّم خُزيمة وقالت له : يا خُزيمة ما هكذا يُجازى جابر عثرات الكرام .
فانتفض خُزيمة فزعا وقال : هل هو عكرمة ؟ يا ويلتاه ماذا صنعت ، وهرول إلى السجن دون أن يسمع شيئا آخر ، وأخذ يفك الأغلال من يدي عكرمة بيديه ويبكي
وعكرمة يسأله : ماذا حدث؟ ولماذا تبكي ؟
قال خُزيمة : أبكي من كرمك وصبرك وسوء صنيعي . كيف انظر في وجهك ووجه ابنة عمي؟
وأمر له بالكساء والغذاء وعندما استعاد عافيته قال له : هيا معي إلى خليفة المسلمين
فلما رآهم الخليفة سليمان بن عبد الملك قال : ما الذي أتى بك يا خُزيمة وأنت حديث عهد بالولاية ؟
قال : أتيتك بجابر عثرات الكرام وأظنك كنت متشوقاً لمعرفته.
اندهش سليمان بن عبد الملك وقال : هل هو عكرمة ؟ خبت يا بن عبد الملك وتعجلت لقد أخجلتنا بطيب صنيعك وصبرك يا جابر عثرات الكرام . فأمر لعكرمة بعشرة ألف دينار وأعاد تعيينه والياً وقال : إن شئتما حكمتما معاً وبقيا واليين مع بعضهما حتى توفاهما الله .
للكرم والسخاء قصص كثيرة لا تنتهي ويعد سخاء الإنسان بروحه ودمه في سبيل وطنه أعلى درجات الكرم والسخاء .
رحم الله شهداء سورية الأبرار
اللهم اجعل دمهم نورا ونارا ، نورا لبلادي ونارا تحرق المعتدين
سورية لك المحبة والسلام .

لا تعليقات

اترك رد