لم الرهان على نجاح الثورة في العراق ولبنان ؟

 

منذ اندلاع الاحتجاجات في العراق في 1 أكتوبر 2019 التي تحولت إلى أسوأ اضطرابات يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين في 2003 وتوقفت المظاهرات لأيام ثم تعود في نسختها الثانية وهي مستعرة للمطالبة بإنهاء النظام القائم على اقتسام السلطة على أساس طائفي الذي يرون أنه السبب في الفساد الستشري والمصاعب الاقتصادية.

لم يهتف المتظاهرون في العراق وفي لبنان ضد أي حزب لا في السلطة ولا خارجها اقتصرت الهتافات والشعارات ضد رموز السلطة التنفيذية والتشريعية والأشخاص الأكثر انغماسا في الفساد بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والحزبية وكانت كل الصرخات في العراق وفي لبنان وطنية وهي صرخات عابرة للحساسيات الفئوية.

وكان لحسن نصر الله خطابات متلفزة الأول في 19 أكتوبر 2019 هدد بإسقاط عهدة الرئاسة، لكن كانت الاحتجاجات أقوى، فاستقالت الحكومة بعدما تعرضت حكومة الحريري لهجوم على المتظاهرين من حزب الله وحركة أمل رغم ذلك استقالت حكومة الحريري التي كانت تحديا لحسن نصر الله ووضعته في مأزق والتشكيك في مصداقية ما يهدد به ويدعو إليه وسحبت البساط من تحت أقدامه وقطعت عنه طريق المناورات والالتفاف على المطالب الشعبية.

وخرج في على الشاشة في 1 نوفمبر 2019 وطالب الجميع بالتعالي على الجروح ولكن بتهديد مبطن هذه المرة وأقرب للوعيد منها للتحذير من انحراف الاحتجاجات مؤكدا أن الحزب لا يزال قويا وأنه لم يستخدم أوراقه واعتبر ما قام به أنصاره بمثابة ردة فعل وهي محدودة جدا في رياض الصلح وسط العاصمة وهشم مناصروه خيم المتظاهرين لكن تدخل القوى الأمنية منعت أنصاره من مواصلة الاعتداءات على المتظاهرين، كما أن استقالة الحريري خلطت أوراق حزب الله الذي راهن على حزام سياسي هش لتحصين الائتلاف الحكومي الذي يهيمن عليه، ولكن سرعان ما تفكك رهانه بمجرد أن انكسرت حلقة واحدة من حلقات الائتلاف لأنه كان يمتلك أغلبية برلمانية لن يحصل عليها مجددا.

والغريب أن حسن نصر الله خرج قبل هذه الإطلالة أيضا على الشاشة وتبنى نفس معاناة المتظاهرين لكن ذلك لم ينطلي على المتظاهرين كان الهدف زرع الشك في الانتفاضة من خلال التساؤل عن القادة السريين الذين يحركون الشارع ويقودون

الحراك وكذلك في خطابة الأخير اعتبر أن من في الشارع أعداد قليلة لا تمثل الشعب اللبناني.

وفي العراق هناك تواصل للاحتجاجات وإيران تعرض تجربتها في القمع رغم أن بغداد ملتزمة بمحاكمة الإرهابيين الأجانب إذا ارتكبوا جرائم في العراق ما يعني أن حكومة بغداد لا تستطيع محاكمة الإرهابيين الأجانب الذين يقومون بقتل المتظاهرين.

من خلال الاحتجاجات في العراق ولبنان يتضح كم أن إيران وعملاؤها في المنطقة أصبحوا مكروهين ما جعل إيران التي تعاني عقوبات اقتصادية صارمة تعاني في نفس الوقت أزمة التعامل مع تلك الاحتجاجات، وهي في حرج من إنقاذ عملائها في العراق ولبنان، في المقابل هناك ضغط متزايد على إيران وعملائها من قبل أمريكا والسعودية، فضمن تصنيف مشترك يعد الأكبر في تاريخ مركز استهداف تمويل الإرهاب دول الخليج وأميركا تصنف الباسيج الإيرانية منظمة إرهابية.

وفشلت محاولات إيران في وصف تلك الاحتجاجات في العراق ولبنان من أنها من صناعة السعودية وأميركا وإسرائيل حيث أن الحراك في لبنان يشبه الحراك في العراق وعناوين الاحتجاجات ضد الفساد وضد مافيا السياسة وضد الطائفية الحكومية وكثير من رجال الشيعة تجرؤ على الظهور على الملأ عن رفضهم حزب الله والأحزاب والمليشيات في العراق واعتبروها تابعة لإيران.

كان آخر خطبة الجمعة للمرجع في العراق في 1/11/2019 الذي رفضت التدخلات الإقليمية مما أربك حسابات إيران الساعية للهيمنة على القرار العراقي حيث وصل بها الأمر إلى التدخل في العملية السياسية العراقية وفي إقالة أو تعيين مسؤولين على رأس الدولة وتورطت مليشيات عراقية لها علاقة وثيقة بالحرس الثور الإيراني في عمليات قتل المتظاهرين عبر قنصهم من فوق أسطح البنايات المطلة على ساحات التظاهر في العاصمة بغداد وعدد من المحافظات في الجنوب اتضح هذا حول تدخل قاسم سليماني في اجتماع سري عقد يوم الأربعاء 30/10/2019 مع قيادات عراقية في بغداد وطلب من هادي العامري وقيادات الحشد الشعبي الاستمرار في دعم عبد المهدي رغم مطالبة الصدر حينها بإيقاف هذا الدعم فتدخله المباشر هو أحدث علامة على تزايد النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة.

هناك هلع أصاب إيران خصوصا وأنها تشعر بقوة الموقف السعودي فيما يتآكل نفوذها، وخلال تصريح السفير البريطاني في اليمن الذي يرى أنه لا يستبعد طلاق
الحوثيين وإيران، واعتبر السفير أن موقف السعودية واضح وقوي، وأكد على دعم السعودية القوي والواضح في اليمن، لذلك عاد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى تسويق مبادرة السلام لهرمز التي طرحتها إيران في أعمال الجمعية العامة لأمم المتحدة في سبتمبر 2019 وأرادت في بناء ثقة لكنها لم تكترث لها السعودية وواصلت مع أمريكا فرض عقوبات جديدة على إيران وعلى أذرعها.

وبعد نزع الأقنعة عن وكلاء إيران في المنطقة لن تنجح محاولات إيران ووكلائها القيام بثورة مضادة خصوصا وأن تحالف المصالح العميقة الذي يجمع حزب الله والتيار الوطني الحر وبقايا أتباع النظام السوري في لبنان عن القيام بثورة مضادة تهدف إلى إغراق الانتفاضة اللبنانية التي تغذيها معاناة ملايين الفقراء والمهمشين والشباب بتدمير البلد إذا لم يعد الجميع إلى الخضوع لسيادة الفساد والعبث وانسداد آفاق المستقبل، حيث كان في كل مرة تنجح إيران بموافقة أميركية، لكن هذه المرة أمريكا تقف في وجهها فلن تفلح مثل تلك المحاولات لا في العراق ولا في لبنان ولا في غيرها.

لا تعليقات

اترك رد