ما منجزات الانتفاضة ؟ وماذا يحيط بها ؟

 

النَّفَس الشعبي أطول مما تتوقعه سلطات الفاسد وتعوّل على تعثره لتتشبث بالسلطة لمرحلة أخرى من الأضاليل والأباطيل وما يمرورنه من جرائم بحق الوطن والناس.. النَّفَس الشعبي هو عامل قوة في متابعة الانتفاضة، ولقد برهنت شبيبة العراق قدراتها على التفاعل مع المتغيرات والألاعيب بطريقة ذكية ناضجة تحفظ منطق إدامة زخم الانتفاضة حتى تلبية المطالب…

بدءاً أذكّر بأن الحجم الجماهيري المشارك كان أحد محاور التحول بالتظاهرات الشعبية إلى انتفاضة بكامل أركانها. ثم كان وجود الشبيبة جوهرا بهياً لتمتين طاقة الفعل والحراك الميداني لتأتي مساهمة المرأة العراقية باستقلالية أشرقت بفرض عاملين: أوسع إمكانية لمنهج سلمية الانتفاضة مقابل عنف السلطة وأبهى مطاولة وثبات ميداني مقابل الدعايات المضادة المضللة القائمة على منطق الإشاعة المغرضة ومحاولات فت عضد الثبات وأوهام تفكيك قوى الانتفاضة…

إنّ البُعد العفوي الذي انطلقت فيه الانتفاضة لم يعد كذلك مع الخطوة التالية مباشرة وصار الأمور تجري بدفع من تقدم (الوعي الجمعي) الشعبي بعد افتضاح منهج النظام وآليات تدويره نفاياته وممارسته الأباطيل والأضاليل.. وكان هذا قوة مضافة لإدامة زخم الانتفاضة ودخول شعبي أكثر اتساعاً وقدرة على تحدي اشتغالات سلطة قمعية..

من هنا كان التحدي في كسر منع التجوال متأتٍ من هذا الموقف الشعبي العام ومن الوعي بمعنى الخضوع لآليات القمع وأدوات مصادرة إرادة الشعب ومع كسر حاجز الخوف وبعبع البلطجة وعنفها انضافت قدرات المتابعة والمواصلة…

وبعد هول التضحيات من دماء الأبناء فلذات الأكباد والثمن الباهض لمطلب الشعب في استعادة حقه بتقرير مصيره وطابع ما أراد من نظام ما عاد للتقدم وما يتهدده من شيء تخشاه القوى المنتفضة بخاصة أن تراجعها عن هدفها في التغيير لا يعني سوى مجزرة إبادة جماعية أكثر هولا وعنفا وأن العنف بكل بشاعاته اليوم ليس سوى جزئية من نهج يبيّت الكارثة الأسوأ والأخطر مأساوية في نوازع مفضوحة سواء بتصريحات أم بقراءة منهج النظام وطابعه الذي أسفر عن وجهه الكالح طوال شهر الانتفاضة منذ الأول من أكتوبر…

من هنا يمكننا أن نجدد تسجيل منجز الانتفاضة في الآتي:
كسر منطق الطائفية وتخندقاتها التي أسرت جموع الشعب خلف متاريس الاحتراب المصطنع وبعبع التهديد من الآخر. وعادت الجموع تتحدث بصوت شعب واحد منسجم بلا تخندقات مفتعلة لتكون متاريس متعادية يخشى أحدها الآخر!
كسر حاجز الخوف من هراوة ميليشيا العنف وحشدها اللاشعبي بل المنتمي لأجندات غير وطنية بما يعني استغلال المضلَّلين ليكونوا جلادي أهاليهم وسجانيهم وقاتليهم!! فكان أن خرجت الجموع هادرة إيران برة برة بوضوح رفض التشكيلات المسلحة المجهز كل طرف منها لأداء جريمته بتخطيط قادم من وراء الحدود وبأدوات أتباع وذيول أو مضلَّلين أو من تمّ ويتم استغلالهم لمآرب افتضحت بمعركة الانتفاضة مع أعداء الشعب…
كشف المنجز الآخر للانتفاضة أن صوت الرصاص ليس أعلى من صوت هدير الشعب يوم ينتفض ويتخذ قرار الحرية واستعادة تقرير مصيره.. ومن ثمّ فإنّ المنجز قد نزع قناع القوة المدّعاة في السلطة الغاشمة القائمة وأكد أنها مجرد أقنعة من ورق تتهاوى مع الثبات في الميدان وصد محاولات التسلل بأضاليل مكرورة مفضوحة فلا ثقة بعد اليوم بكل الوعود والعهود أيا كانت صيغة طرحها من رؤوس النظام..
فضح ارتباط السلطة وميليشياتها، الفاشية المنهج والأداء بأجندات ليس بينها أي وجود لمصلحة شعبية وأنها مجرد عناصر بلطجة لاستعباد الشعب..
فضح الطابع المافيوي (الكليبتوقراطي) للنظام ومنهج فساده كليا بجميع عناصر منظومته وبناه الهيكلية الأمر الذي لا يقبل منطق الترقيعات من قبيل استبدال وجوه أو تشكيلة حكومية أو ما شابه من ألاعيب..
فضحت الاتفاضة كون السلطة منظومة أو شبكة مترابطة بين مافيات وميليشيات ولا سلطة لغير فساد المال السياسي وفاشية عنف الهمجية الوحشي الدموي..
إنّ مجمل تلك المنجزات أو المخرجات أكدت مجدداً وبثبات أن الهدف الحقيقي القادر على استعادة مجمل الحقوق والحريات إنما يكمن في إسقاط النظام وتغييره جوهريا كليا واستعادة السلطة برسم خطى بنيوية مختلفة نوعيا ومتطابقة تماما مع إرادة الشعب.

لكن الانتفاضة مازالت مستمرة بخاصة مع عاملين: أولهما تمترس القوى المافيوية خلف أدواتها القمعية الفاشية لأنها تدرك أن طردها من مواقعها التي تغتصبها اليوم يعني الخضوع لإرادة الشعب الذي سينتزع كامل الحقوق منها… والعامل الثاني مرجعية قوى العنف وحشدها الميليشياوي التي أشار الشعب إلى إنهاء تدخلها بتقليم مخالبها وطرد أتباعها نهائيا وإدخالهم سجون العقاب القانوني العادل.

إذن استمرار الانتفاضة ليس مجرد متابعة زمنية ظرفية بقدر ما هي ثبات حتى نزع فتيل الخراب وحرائق الدمار والموت اللذين تفرضهما تلك السلطة. وهي مستمرة لأن قوى السلطة الفاسدة مازالت متمترسة ومازالت تحتفظ بعناصر قوة (عنفية) على مقارعة الشعب وإرادته..

ما يحيط بانتفاضة الشعب:
وجود أسلحة أخرى مازالت بأيدي قوات الحشد الميليشياوي. ما يتطلب المطالبة بنزعها ووقفها فورا سواء من مصادر التزويد الدولية أم قطع الطريق على الإمدادات الآتية من أطراف معروفة..
وجود عامل جد مهم مازال محيَّداً مبعدا بأوامر نزع سلاحه وبفرض أنواع من العزلة والتعطيل على بعض قادته، إنه هو الجيش الوطني العراقي والقوات الرسمية التي يتشككون بخضوعها لهم ويعملون الجهد كي لا يلتقي وقوى الانتفاضة بأوهام الإيقاع بين الطرفين بشتى الطرق..
إنّ محاولات تفكيك قوى الانتفاضة والإيقاع بين أطرافها بإطلاق نداءات مغرضة تحت خيمة التساؤل عن قيادة الانتفاضة؟ أو الطلب إلى الجمهور أن يرشح ممثلين له؟ تظل تلك المحاولات بين تشوش فكري سياسي وقانوني لم يدرك بعد معنى السمو الدستوري للوجود الجمعي الذي يقف عند أعتاب إسقاط نظامٍ ووضع خطى التحول بأيدي وخطط مبرمجة بعينها تستكمل العمل فيما نشهد بالمقابل حال تعمّد لمثل تلك المطالبات لكنها هنا بقصد إيجاد الثغرة التي ينفذ منها المتسلطون…
تجابه الانتفاضة ألاعيب أفرد لها محورا مستقلا لخطورته، تلك هي إعلان انضمام زعامات طائفية لمنطقة المعارضة تمثيلا ودجلا سواء في إطار النظام وسلطاته التي تعني محاولة تكريسه أم في إطار ولوج الانتفاضة وحراكها بقصد سرقة قيادتها و توجيهها بوقت لاحق ومع منعرجات وعي جمهور الانتفاضة ورفض دخول تلك العناصر التي تسمي نفسها زعامات هناك تحديث للعبة يتمثل في موضع تال كما في المحور الآخر..
المحور هنا يمر عبر ألاعيب ممارسة طقوس دينية في ساحات الانتفاضة التي جاءت لترسم خطى دولة علمانية ديموقراطية لا لعبث (بعض) ما يُمارس بوصفه طقسيات وهي مرسومة لمآرب سياسية تتقاطع ومصالح الشعب لا بخدمة حريات الاعتقاد والتعبير كما يُزعم… الانتفاضة بوضع قسري من عنف الميليشيات واحتمالات أن تؤخذ غيلة وغدرا ولا مجال لأدعياء التدين وليذهب من يريد إلى مواضع ممارسة طقوسه لا أن يفرضها بما يخدم أعداء التغيير ويكرس اللعبة بخلاف الحقيقة التي تؤكد أن الدولة العلمانية تحمي حريات الاعتقاد …
هناك محاولات أخرى للتشويش تمثلها عناصر معممة مجلببة ومرجعيات (دينية) باتت تلهث أكثر في تدخلها بعبارات منمقة ولكنها تضليلية بامتياز ولا مكان لها هي الأخرى حيث ميادين الانتفاضة وقواها حصرا لقضية التغيير وليس للعبث والادعاء والتمظهر..
بعض أطراف شيوخ عشائر ظنت أن موقعها فوق الانتفاضة وأنها يمكنها أن تمارس الوعظ والتصدي لمهمة إجرائية والصائب الصحيح الوحيد يكمن في أن أبناء الشعب المنضمين للانتفاضة يمارسون دورهم الوطني من خلال وعي جمعي يرفض كل التشكيلات الماضوية التي دمرت البلاد وأسرت المواطنين عباد أضاليلها وعليه فإن من يشارك في الميدان يشارك بوصفه مواطنا ضمن الوجود الجمعي لا زعيما لطائفة ولا رئيسا لعشيرة أو قائد فئة أو جماعة الكل بوجود يفرض طابع المواطنة وأنسنة وجودها وانتمائها لمنطق العصر ونهجه ورفض بل دحر كل الأشكال الأخرى ..
ألاعيب أخرى أطلقوها للتو بالتظاهر بأن الميليشيات تقف بعيدا عن الخط السياسي سترا لحقيقة افتضحت كونها أس الخراب في الوطن وأخرى تدعي بعد المرجعية الدينية عن العمل السياسي وهي ترسم أفعالها في عمق قلب الحدث بمحاولات كارثية ومثلهما يأتي ما يسمى دعم زعامات العشائر! والانتفاضة ليست بحاجة للتصدق بتلك النماذج المخصوصة من الدعم ماديا ماليا من قبيل (تفويلة البانزين للتك تك) أو معنويا أدبيا بدخول رجال مجلببين معممين بادعاء أنهم رجال دين يُسقطون على أنفسهم القدسية والعصمة ويُطلقون العنان لتشويشهم وأباطيلهم ظنا أن سلطتهم الروحية مازالت تأسر ولو بعض الصبية!!
لابد من الانتباه على كل تلك الأمور وأؤكد أن قوى التنوير والعقل العلمي فيها مسؤول عن بلورة الجوانب الإجرائية للخطى التي تلبي المطلب النهائي الرئيس لتغيير النظام وبناء البديل النوعي بصورة لا تسمح بالالتفاف ..

إن مفكري الشعب التنويريين مسؤولون مسؤولية مباشرة للتصدي لمهام استكمال إنجاز خطى التغيير حصرا بلا فذلكة وهو الأمر الذي يتطلب بعض مفردات مهمة أولها:

انعقاد مؤتمر وطني عاجل تحضره قوى التنوير حصرا ولا وجود لأي طرف من النظام القديم ولو رفع شعارات العلمنة رداءً أو قميصا للتنكر والتستر

ربما من الصائب عقد مؤتمرات استثنائية لأحزاب اليسار الديموقراطية والليبرالية ومجموع قوى التنوير الجديدة أيضا ولكن الأبرز تتويجا هو المؤتمر الوطني للقوى العلمانية الديموقراطية بتنوعات أطيافها.

أن تكون شخصيات العقل العلمي الوطني حصرا العلمانية الديموقراطية وخطاب التنوير بمقدم من يرسم الخطى التقنية للانتقال وطابعه ومفاصل الأداء سواء منه التتويج القانوني الدستوري أم السياسي أم خطى معالجة المطالب الآنية العاجلة والتأسيسية الاستراتيجية للبناء وإعادة بناء المخرب المدمر وهو كل الفضاء الوطني المعروف..

بهذه المنطقة نرتقي لإمكانات النجاح بحق وأكيد لنا متابعة مع الانتفاضة وخطاها ساعة بساعة

لا تعليقات

اترك رد